على مدى السنوات القليلة الماضية، استعاد النظام السوري بمساعدة روسية وإيرانية ومشاركة ميلشيات لبنانية وعراقية وأفغانية مساحة واسعة من سوريا كانت خاضعة لسيطرة فصائل المعارضة المسلحة، لكن رغم ذلك، لم يتمكن بشكل كامل من إحكام السيطرة عليها، لتخرج بين الفنية والأخرى أنباء عن عملية عسكرية هنا أو هناك تستهدف نقاطًا تابعة للنظام في تلك المناطق، ليطرح التساؤل: هل نحن بانتظار ثورة ثانية قريبًا؟ 

«فورين بوليسي»: على عكس ما قد تعتقده.. بشار الأسد خسر كل شيء

«خدعة» المصالحات

ساعد التدخل العسكري الروسي نظام الأسد على استعادة مناطق واسعة من سوريا كانت محررة وتحت سيطرة فصائل المعارضة السورية المسلحة، حيث جاء التدخل في شهر سبتمبر (أيلول) عام 2015 وقت كان نظام الأسد يترنح بشكل كبير مع شن «جيش الإسلام» معركة كبرى أطلق عليها اسم «الله غالب» للسيطرة على العاصمة دمشق وتم خلالها تحرير مقرات عسكرية ومناطق استراتيجية وجبلية مطلة على الغوطة الشرقية، ما هدد بشكل قوي بسقوط العاصمة أو على أقل تقدير محاصرتها.  

كانت هذه المعركة هي السبب الرئيسي في تسريع التدخل الروسي العسكري الذي قلب كل موازين القوى لصالح الأسد وإيران، حيث أصبح الأسد يسيطر بفضلها اليوم على ما نسبته 58% من إجمالي مساحة سوريا، تليها «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» التي تسيطر على ما نسبته 28%، في حين تسيطر فصائل الثورة السورية على ما نسبته 6% فقط.

لم يكن التدخل العسكري الروسي فقط هو من أسقط المناطق المحررة بيد الأسد بل كان أيضًا «خدعة» ما عرف باسم مناطق «خفض التصعيد» التي سمحت لروسيا والأسد بالاستفراد بالمناطق كل على حدة، من حلب والغوطة الشرقية والغربية والقلمون إلى حمص ودرعا والريف الشرقي لإدلب.

من المفترض أن تكون ثماني سنوات من عمر الانتفاضة السورية وما مر بها كافية لأي نظام أن يتعلم من أخطاء الماضي ويتجاوزها، ولكن على العكس من ذلك فقد زادت أجهزة الأمن السورية القمعية المختلفة من خنق السوريين حتى في أنفاسهم، وسط حالة من التململ باتت واضحة في أوساط الفقراء والمعدمين وحتى لدى التجار الذين يرون أن الاقتصاد السوري تراجع بشكل كبير والقوة الشرائية لدى الشعب أصبحت شبه معدومة، وملاحظة صعود فئات وأشخاص معينين مقربين من النظام وتربعهم على ملايين الدولارات.

هذا التململ بات واضحًا وسمة أساسية حتى في المناطق الموالية للنظام مثل اللاذقية وطرطوس، وخاصة من أبناء الطائفة العلوية الذين أظهروا مستوى عاليًا من الحنق والغضب في كثير من الأحيان على سياسيات النظام الاقتصادية، التي جعلت الكثير منهم لا يجد ما يأكله، وهذا الحالة منتشرة بكثرة لدى عوائل موالية قتل أبناؤهم دفاعًا عن الأسد ولا يوجد لهم أي معيل الآن، فتجدهم يتسولون في الشوارع وأمام الجمعيات، والملاحظ أن بعض القرى الموالية أصبحت شبه خالية من الرجال ولا يوجد بها سوى النساء والأطفال والعجز، أما الشباب فإما قتلوا أو يقاتلون.

وقد سمعت أصوات عالية في الآونة الأخير من موالين للنظام يطالبون بتسريحهم من الخدمة العسكرية وأطلقوا حملة أسموها «بدنا نسترح»، هذه الأصوات كانت تسمع حتى قبل عدة سنوات، ولكنها الآن باتت بصيحات عالية بعد سيطرة قوات الأسد على مساحات واسعة ولم يعد لهذه القوات أي حاجة حسبما يعتقدون، مطلقو هذه الحملة بعضهم ما زال يخدم في جيش النظام منذ ثماني سنوات وآخرون لمدد أكثر من ذلك، دون أي نية لتسريحهم ما رفع حالة الغضب لدى الكثير منهم، مع فرار عدد آخر إلى خارج سوريا.

Embed from Getty Images

بالعودة إلى المناطق التي سيطرت عليها قوات الأسد، فقد اخترعت روسيا استراتيجية أخرى أطلقت عليها «التسوية» أو «المصالحة»، والتي أعطت للمقاتلين والمدنيين الرافضين للخروج من مناطقهم والتهجير إلى الشمال السوري عفوًا عامًّا ومهلة ستة أشهر سمحت لهم فيها بتسوية أوضاعهم الأمنية قبل أن يتم سحب المطلوبين منهم للخدمة الإلزامية للقتال في صفوف جيش النظام، وقد صدق الكثيرون منهم هذه الخدعة، وأصبح الأسد يملك خزانًا بشريًا كبيرًا ربما سيساعده في تحقيق غايته.

قامت قوات الأسد في هذه الفترة بسحب مئات المدنيين إلى الخدمة الإلزامية ووضعتهم في الجبهات الأولى وزجت بهم ليكونوا دروعًا بشرية أمام تقدم قواتهم في إدلب، وأصبح يطلق عليهم «مقاتلي المصالحات»، وتظهر الأرقام مقتل العشرات من أبناء درعا والغوطة الشرقية وحمص خلال المعارك ضد فصائل المعارضة، هؤلاء القتلى لهم أهل وأصدقاء تزداد النقمة لديهم يومًا بعد يوم، فهم يعلمون أن أبناءهم أصبحوا وقودًا لحرب الأسد «الظالمة» في رأيهم.

عضو «مكتب توثيق شهداء درعا» السيد عمر الحريري أكد أن العشرات من أبناء درعا وحمص والغوطة ومناطق أخرى وفئات موالية للنظام أيضًا قتلوا في المعارك، وقال: «النظام يزج بالجميع في تلك المواجهة من الموالين أو المعارضين له». ووافقه على ذلك الكاتب السوري أحمد أبازيد بقوله إن النسبة الأكبر من القتلى هم من «الفرقة الرابعة» ومن «قوات النمر» و«الدفاع الوطني» أصحاب الولاء المطلق لنظام الأسد، مؤكدًا سقوط عدد من القتلى من «عناصر المصالحات».

وأشار أبازيد أن هناك فارقًا أساسيًّا بين مقاتلي المصالحات وبين المقاتلين الذين يحملون ولاء عقديًّا للنظام، حيث لا يوجد للطرف الأول أي ولاء للنظام أو اندفاع في مقاتلة رفاقهم السابقين في فصائل الثورة، وهذا ربما ساهم في أن خسائرهم أكبر من خسائر النظام من حيث النسبة.

شهدت عدد من المناطق التي خضعت لسيطرة الأسد مؤخرًا عمليات عسكرية استهدفت حواجز وجنودًا تابعين لجيش النظام، تختلف بقوتها من مكان لآخر، حيث تشهد درعا زخمًا متواصلاً وقويًا يرتفع يومًا بعد يوم، وتقوم جهات مجهولة في غالب الأحيان، وأخرى تطلق على نفسها اسم «المقاومة الشعبية» بعمليات تفجير واغتيال تطال عناصر من النظام وأيضًا قادة سابقين في فصائل المعارضة تصالحوا مع روسيا والأسد.  

يقول الحريري في هذا الموضوع أن «اللافت في هذه العمليات هو غياب إعلان المسؤولية، لذلك فمعظمها نفذها مجهولون من الصعب تحديد المسؤول عنها»، ورجح الحريري استنادًا لأسماء القتلى ومناطق وقوع العمليات أن من يقف وراءها أشخاص لهم علاقة بالثورة، مؤكدًا حدوث عمليات استهدفت شخصيات محسوبة على الثورة وهنا المرجح وقوف النظام خلفها. 

ويشير أبازيد إلى أن هناك عدة جهات قد تقف خلف هذه العمليات منها النظام نفسه الذي قد يسعى لتصفية قادة سابقين في «الجيش الحر» وأيضًا تصفية داخل أجهزته الأمنية، ومنها عمليات يقوم بها ثوار أجبروا على البقاء في مناطقهم وعلى القبول باتفاق التسوية ولكنهم غير راضين، فيقومون بشن هجمات على قوات النظام.

ولم تكن العاصمة دمشق وريفها بعيدين عن العمليات العسكرية التي تستهدف عناصر تابعين للأسد، حيث أعلنت جهة تطلق على نفسها اسم «سرايا قاسيون» مسؤوليتها عن عدد من العمليات استهدفت بغالبها عناصر ومخبرين تابعين للأسد. وفي حيم لم تشهد مناطق مثل ريف حمص والقلمون أي عمليات عسكرية تذكر منذ سقوطها، قام أبناء هذه المناطق بكتابة عبارات مناهضة للنظام السوري على الجدران في غالبية المدن والقرى، ربما يكون بداية لما بعدها.

«حدث ذات مرة في درعا»

وبالعودة إلى درعا ذات الرمزية المهمة للانتفاضة السورية والأسباب التي جعلت منها أيقونة في المقاومة ضد محاولات النظام بسط السيطرة الكاملة عليها، لا بد هنا من العودة إلى المفاوضات التي حدثت مع الجانب الروسي والتي سرعت بسقوط المحافظة.

فقد شنت قوات الأسد وروسيا هجومًا واسعًا على درعا التي كانت تخضع لاتفاقية منطقة خفض التصعيد التي تم الاتفاق عليها بين روسيا وأمريكا والأردن، ولكن يرى البعض أن هذه كانت خدعة روسية للاستفراد بالمناطق كل على حدة، وجاء وقت الجنوب السوري في تاريخ يوليو (تموز) 2018 لتشن الطائرات الحربية الروسية عشرات الغارات الجوية على المناطق المحررة لتبدأ بعدها عمليات عسكرية تمكنت خلالها قوات الأسد من السيطرة على مناطق واسعة.

وسرعان ما أعلن عن اجتماعات بين المعارضة وروسيا في مدينة بصرى الشام -شرقي المحافظة- والخاضعة لسيطرة فصيل «شباب السنة» بزعامة أحمد العودة، وبعد عدة أيام من المفاوضات تم الإعلان عن اتفاق تضمن عدة بنود أهمها عدم السماح لقوات النظام بدخول عدد من المدن والبلدات بشرط الاستسلام والقبول بتسليم السلاح الثقيل والمتوسط، وأيضًا تسوية أوضاع الراغبين بالبقاء والعفو عنهم، والسماح لمن يرغب بالخروج إلى الشمال السوري، كما تضمنت عدة بنود لم يتم تنفيذ أي منها بما يخص الجانب الإنساني والمعيشي وإخراج المعتقلين من أبناء المحافظة من سجون النظام. 

تصرف النظام مع أبناء درعا بشكل همجي واستعلائي معتبرًا أنهم السبب فيما آلت إليه الأمور في سوريا،  حيث تعتبر درعا «مهد الثورة السورية» ومنها خرجت أول صرخة في وجه نظام الأسد الجامع العمري في درعا البلد، وبما أن النظام لم يوف بغالبية البنود المتفق عليها تشكل عند أبناء المحافظة حالة من الغضب تمت ترجمتها بعمليات عسكرية أعادت الأمور على صفيح ساخن مرة أخرى.

ويؤكد الحريري أن «الخدمات الأساسية عادت تدريجيًّا إلى بعض المناطق بينما لم تعد في مناطق أخرى»، مضيفًا أن «مشكلة درعا الرئيسية ليست في الخدمات بل في الاعتقال والمعتقلين، حيث يواصل النظام عمليات الاعتقال دون أي رادع» مؤكدًا أن النظام أطلق سراح عدد من المعتقلين وأصدر عفوا عن أخرين، لكن بالتوازي مع استمرار عمليات الاعتقال بحق آخرين.

وأشار الحريري أن حالة التململ تمت ترجمتها ببعض التظاهرات التي خرجت في عدد من المناطق والكتابات على الجدران، وأيضًا في هروب المئات من الشباب والعوائل سواء إلى شمال سوريا أو خارجها.

#شام : أهازيج الحرية والكرامة من درعا البلد من أمام الجامع العمري… بالروح نفدي وطنا.. ياما بترابه دفنا جيش الأسد والشبيحة.

Geplaatst door ‎S.N.N | شبكة شام‎ op Zondag 10 maart 2019

 

وبما أن الاتفاقية الموقعة مع الجانب الروسي تمنع قوات الأسد من دخول مناطق مثل بصرى الشام ودرعا البلد وطفس وغيرها وتعطي هذه المناطق ما يشبه الحكم الذاتي مع محاولة هذه القوات عدة مرات دخولها إلا أنه يتم صدها من قبل أهالي المنطقة ويتم منعها من الدخول، ومع توافر السلاح الخفيف مع المدنيين والمقاتلين السابقين في المعارضة المسلحة، باتت قبضة الأسد الأمنية تضمحل بشكل مستمر.

فهل يقبل النظام بهذا الأمر وهل سيتقبل الأهالي محاولة تغييرها؟

يستبعد الحريري تشكيل هذه الهجمات أي تهديد لوجود النظام في درعا، قائلاً: «هذه الهجمات لا ترقى لمستوى أن تكون قادرة على إسقاط النظام في درعا أو تهديد وجوده، وهي عمليات في مستوى ما يمكن وصفة بالهجمات المنفردة وخسائر النظام محدودة نسبيًّا» مضيفًا أن «الوصول لمرحلة إسقاط النظام وتهديد وجوده يحتاج إلى أكثر من العمليات الفردية وتحركات عسكرية كبيرة وبأكثر من منطقة».

لكن، وعلى الجانب الآخر يرى أبازيد أن النظام لا يستطيع بسط سيطرته على درعا مرة أخرى، بسبب انتشار السلاح فيها، فقد لا يكون النظام قادرًا على فتح جبهة أخرى في درعا، بالتوازي مع المعارك الدائرة في إدلب. 

هل نحن بانتظار «ثورة ثانية» في سوريا إذًا؟

ومع مرور عام على سقوط محافظة درعا، أصدر «معهد الشرق الأوسط الأمريكي للدراسات Middle East Institute» تقريرًا عن الوضع في المحافظة بتاريخ 3 يوليو 2019، متوقعًا عودة القتال والمعارك مرة أخرى إليها. التقرير أشار إلى وقوع 30 هجومًا مؤكدًا على الأقل في شهور (يونيو ومايو وأبريل)  وحدها في درعا، والتي أوقعت العديد من القتلى في صفوف قوات الأسد ضمن هجمات استهدفت حواجز وعناصر.

وتحدث التقرير عن اتفاقية المصالحة، وقال إن درعا تحت سيطرة النظام فقط بالاسم، بينما لم تشهد العديد من القرى والبلدات تغيرًا كبيرًا وبقيت تحت سيطرة المعارضة، وكان الخلاف الوحيد هو رفع علم النظام أم الثورة وعودة المباني الإدارية إلى الخدمة. وشدد التقرير على أن رغبة النظام في نشوب صراع مباشر في درعا تبدو قليلة، إلا أن العمليات المتصاعدة تشكل تحديًّا كبيرًا، ما يؤكد أن النظام غير قادر على إدارة وحكم المساحات الشاسعة من الأراضي التي كانت تحت سيطرة المعارضة.

وبالحديث عن درعا والجنوب السوري، فلا بد أيضًا من التطرق للوضع العام في محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، التي تعيش أيضًا حكمًا شبه ذاتي، حيث يحكمها مليشيات مسلحة محلية تتبع لما يسمى «قوات جبل الكرامة»، وكلمة مشايخ الطائفة فيها مسموعة وقيادتهم موحدة بشكل كبير، ولا يستطيع نظام الأسد القيام بأي شيء فيها من دون الرجوع إلى هذه القيادة. 

Embed from Getty Images

ويرى الحريري أن العامل المشترك بين السويداء ودرعا هو فوضى انتشار السلاح وغياب سيطرة النظام الحقيقية على بعض المناطق، بينما يتواجد في الأولى قيادة مدنية ممثلة بمشايخ الطائفة القادرين على فرض قرارهم والقادرين على التفاوض مع النظام بقوة لأنهم يملكون حاضنة شعبية قوية ومؤثرة، على خلاف ذلك في درعا فلا يوجد فيها هذه التوحد بسبب تعدد القادة وكثرتهم وانفصال معظمهم عن الحاضنة.

لكن هل نحن في انتظار ثورة أخرى تشمل جميع المناطق التي سقطت مؤخرًا في الجنوب السوري وريفي دمشق حمص؟ يستبعد أبازيد أن تتطور الأمور في درعا إلى تصعيد شامل على الأقل في المدى المنظور بسبب المعارك في حماة حاليًّا، كما أن وضع درعا مختلف عن باقي المناطق التي سقطت مؤخرًا والتي يسيطر عليها النظام بشكل شبه كامل.

واستدرك أبازيد بقوله إن «درعا هي مؤشر كما كانت في بداية الثورة، حيث تلتها عدة مناطق، ما قد يحفز ذلك لردات فعل مشابهة في مناطق أخرى، وهو دليل في النهاية على أن النظام غير مسيطر ولا يوجد قبول شعبي لاتفاقيات التسوية التي خدعت فيها الفصائل والمدنيين».

ويستبعد عمر الحريري ثورة أخرى مشابهة للثورة الأولى بأي شكل من الأشكال، بسبب أن غالبية قادة المعارضة أصبحوا تابعين إما للنظام وإيران أو للروس، كما أن الحاضنة الشعبية مرهقة تمامًا بسبب القصف والمجازر التي تعرضوا لها من قبل النظام.

«واشنطن بوست»: كيف أصبحت سيطرة الأسد على الأجهزة الأمنية في سوريا محدودة؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد