يعد منصب الملك في النظام الملكي الدستوري منصبًا موحّدًا للشعب بعيدًا عن الصراعات السياسية الطاحنة، فهو منصب رمزي، ولا يملك في العادة صلاحيات سياسية بقدر ما يرمز إلى وحدة الأمة، وثقافة الدولة الممتدة عبر التاريخ.

في الحالة الليبية، التي تشهد صراعًا غير قابل للحسم بين حكومة الوفاق في الغرب الليبي، وقوات حفتر في الشرق الليبي، يرى البعض في خيار الملكية الدستورية ما قد يوحد الليبيين، خصوصًا في ظل عدم وجود طرف ثالث يثق فيه الطرفان على الساحة السياسية حتى الآن، مما دعا البعض للمطالبة بعودة الأمير محمد الرضا السنوسي، ابن العائلة السنوسية التي تلقى احترامًا في ليبيا منذ تأسيسها للمملكة الليبية في سنة 1951، وهي أول دولة ليبية بعد إعلان الاستقلال.

في هذا التقرير، نستعرض سيرة الأمير محمد الرضا السنوسي ودوره السياسي، ونحلل الخطاب المنادي بإحياء الملكية الدستورية في ليبيا، ومدى واقعيته.

من هو الأمير محمد الحسن الرضا السنوسي؟

ولد الأمير محمد الحسن الرضا السنوسي سنة 1962 في العاصمة الليبية طرابلس، كان والده، الحسن الرضا السنوسي، ولي العهد في المملكة الليبية، ووالدته فوزية ابنة الإداري والشيخ الطاهر باكير.

لم يكن عمره تجاوز السبع سنوات عندما قام القذافي بانقلاب ضد عم والده، الملك إدريس السنوسي، في الأول من سبتمبر عام 1969. سجن والده لمدة تقارب السنة، ثم وضعت العائلة تحت الإقامة الجبرية من سنة 1970 حتى نهاية سنة 1977، وخلال هذه الفترة ذاق الأمير محمد الويلات جراء عزلهم التام عن الناس وتكونت شخصيته في هذه الفترة على كره الظلم.

منطقة الشرق

منذ 5 شهور
«جيروزاليم بوست»: 24 ساعة فقط تشرح 6 حروب تهز أركان الشرق الأوسط

يقول الأمير: «أنا لا أحب أن أرى الظلم، وأنفر من إيذاء الناس، ويؤلمني بؤس الآخرين ومعاناتهم، ويعود ذلك إلى تجاربي القاسية، وما حدث لعائلتي والليبيين على يد الانقلابيين من ظلم واضطهاد». وبعد وفاة والده في 28 أبريل (نيسان) سنة 1992، تحمل مسؤولية العائلة وعمل في وزارة الزراعة في بداية الثمانينيات.

هاجر الأمير محمد السنوسي إلى بريطانيا بعد حرق منزل العائلة من قبل سلطات القذافي بـست سنوات وذلك في سنة 1988، وتلقى تعليمه في المملكة المتحدة وعيّنه والده وليًّا للعهد، وذلك في 18 مايو (أيار) من سنة 1992.

منذ ذلك الحين، نشط الأمير محمد في المعارضة الليبية، ففي أوائل التسعينيات دفع الأمير لجماعات ضغط في البرلمان البريطاني والعلاقات العامة، مبلغًا يقدر بـ100 ألف جنيه إسترليني، وكان ينظم حفلات لأعضاء البرلمان في الفنادق وأحيانًا في منزله. هذا وقد سبق وأن خاطب مجلس العموم البريطاني.

عند انطلاق الثورة الليبية في 17 من فبراير سنة 2011، أيد الأمير الثورة وطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته لخلع نظام القذافي، وفي 20 أبريل (نيسان) من عام 2011، طالب الأمير حلف الناتو بالمزيد من الضغط العسكري والاقتصادي لتسريع سقوط العقيد، مشددًا بأنه لا يمكن أن يوجد حل سلمي مع نظام القذافي.

لم ينس الأمير الترويج لدستور ليبيا الموضوع عام 1951، خصوصًا لضمانه الحقوق المدنية مثل حق الاقتراع العام، والحقوق السياسية وحقوق الإنسان وحرية ممارسة الشعائر الدينية وحرية الصحافة، وأكمل قائلًا بأن: «الشعب الليبي سوف يختار النظام الديمقراطي الأنسب، سواء كان ملكيًا دستوريًا أو جمهوريًا».

موقف الأمير من الحرب الأهلية الليبية

منذ بداية الحرب الأهلية في ليبيا سنة 2014، نأى الأمير محمد السنوسي بنفسه عنها، داعيًا الليبيين في 24 ديسمبر (كانون الأول) سنة 2014، إلى التوحد ووضع مصالحهم الشخصية جانبًا في سبيل المصالح الوطنية.

بذلك، شكل الأمير السنوسي بوصلته اتجاه الأزمة في ليبيا، بعيدًا عن تأييد أي طرف على حساب الطرف الآخر، فقال بأن الطريق نحو بناء الدولة المدنية لم يحدث، ذلك بعد أن وضعت أمامه عراقيل السوء والأهواء والمصالح الشخصية.

وذكّر الليبيين بأن المجاهد عمر المختار لم يوجه سلاحًا باتجاه الليبيين، وأن «بتغليب المصالح الوطنية بإمكاننا إقرار السلام ونبذ العنف، فيحضننا الوطن جميعًا، فالوطن ليس حكرًا على فئة معينة وأن الوطن يسع الجميع»، داعيًا الليبيين إلى المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية وإلى «تقوى الله» في الوطن.

وفي عام 2016، طالب الأمير الشعب الليبي بوقف الحرب والامتثال إلى السلم والقيم الإسلامية، معلنًا استعداده لخدمة بلاده، إن احتاجت إليه وأن هذه الخدمة شرف يعتز به، إلا انه أكد أن ذلك لن يحدث إلا بتوافر مشروع وطني توافق عليه الأمة الليبية.

«العودة إلى النظام الملكي لا بد أن تتمثل في ميثاق وطني شامل يجلب الاستقرار والطمأنينة، ويحقق تطلعات وطموحات الشعب الليبي، الذي آن الأوان ليستريح ليضع الدعائم لمستقبله ولمستقبل أبنائه».
*الأمير محمد السنوسي

ونشر الأمير على موقعه عددًا من الخطابات المشابهة حول المصالحة وإعادة تفعيل دستور 51، آخرها خطاب بتاريخ 24 مايو الماضي، طالب فيه بالمصالحة الوطنية وإيقاف الحرب التي أوقفت عجلة التنمية وفاقمت المعاناة الإنسانية، مشددًا على ضرورة إنهاء الأزمة.

من يقف خلف دعوات عودة الملكية الدستورية إلى ليبيا؟

منذ العام 2013 ظهرت دعوات إلى عودة «الشرعية الدستورية»، واستئناف العمل بدستور دولة الاستقلال الذي جرت صياغته عام 1951، ففي ظل الأزمة الأمنية والفراغ الذي شهدته البلاد، نادى مؤيدو الملكية الدستورية بإعادة العمل بدستور 1951، وإلغاء الإعلان الدستوري المؤقت آنذاك، وأن تطرح الحكومة المؤقتة استفتاء عامًا حول نظام الحكم في البلاد.

بحسب اقتراحهم، إذا أسفرت نتيجة الاستفتاء عن خيار الملكية الدستورية، تدعو الحكومة وريث العرش، لقسم اليمين الدستورية وفقًا للدستور أمام البرلمان، ويمارس سلطاته، بعد إجراء التعديلات اللازمة عليها، لتتوافق مع السلطات التي تخول للملك في النظام الملكي الدستوري. أما إذا أسفرت نتيجة الاستفتاء عن خيار شكل الحكم الجمهوري، يقوم البرلمان بتعديل الدستور بما يتوافق مع نظام الحكم الجمهوري، مع بقائه دستورًا للدولة ضامنًا لتواصل الأجيال.

عادت هذه الدعوات بشكل أكبر بعد الحرب الأهلية التي دارت في البلاد منذ العام 2014، ففي 31 من أكتوبر (تشرين الأول) من سنة 2017، اجتمع مؤيدو الملكية الدستورية في مدينة غريان وسط حضور من مختلف المناطق الليبية، من الشرق، والغرب، والجنوب. مطالبين بإعادة العمل بالدستور وعودة الملكية الدستورية، بحجة أن الدستور لا يزال قائمًا قانونيًا، وذلك لأن انقلاب القذافي هو ما عطله.

وأضافوا أن: «هذه المبادرة لبلورة موقف وطني جامع يكفل رفع معاناة المواطن والسعي لتغيير حقيقي يصحح الأوضاع ويحقق الرفاهية والتنمية والانتقال إلى الدولة الدستورية».

اجتمع أيضًا المؤتمر الوطني لتفعيل دستور الاستقلال وعودة الملكية إلى ليبيا، في العاصمة طرابلس، في أبريل عام 2018، وصرح رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر، أشرف بودوارة، لوكالة أنباء «شينخوا»، بأن «هذا المؤتمر يدعو من خلال الاجتماعات المكثفة التي يجريها، إلى عودة ليبيا إلى الحكم الملكي والعمل بدستور الاستقلال الذي كان سائدًا حتى نهاية أغسطس 1969».

وفي تصريح لـ«ساسة بوست»، قال رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني لتفعيل دستور الاستقلال وعودة الملكية إلى ليبيا، أشرف بودوارة، عن هذه المقترح: «هو خارطة الطريق الوحيدة للحل السياسي والخروج من الأزمة. فهو يستعيد الهوية الليبية والأمن والاستقرار في كافة ليبيا والمنطقة، ويشكل مظلة حقيقية لكل الليبيين، ويتطور من خلاله الجهاز التشريعي والتنفيذي للدولة، ويعتمد الحوارَ سبيلًا، ويوحد الصفوف ويجمع شمل الليبيين لاجتياز المرحلة بعيدًا عن التدخلات الأجنبية والإقليمية، ويساعد على تحقيق الأمن والعدل والاستقرار والازدهار».

وعن دستور الاستقلال قال إنه «معترف به من الأمم المتحدة وشارك في وضعه كبار الفقهاء والخبراء الليبيين ويحظى باحترامٍ دولي تاريخي وهو شهادة ميلاد شرعية وقانونية»، ويشدد على أن دستور الاستقلال الصادر فى 7 أكتوبر 1951، والمعدل بموجب القانون رقم (1) لسنة 1963، يعتبر «شرعيًّا وقانونيًّا ساري المفعول ونافذًا على الدولة الليبية، فالشعب الليبي لم يجر استفتاؤه على إلغاء أو تعديل الدستور الليبي منذ آخر تعديل له في سنة 1963 حتى يومنا هذا».

Embed from Getty Images

ما هي فرص عودة ليبيا للملكية؟

يرى مؤيدو الملكية الدستورية، بأنها مخرج للأزمة الحالية، ومنطلق لإرساء حوار حقيقي بين الفرقاء الليبيين، وتكوين مؤسسات حديثة تقوم عليها البلاد، بالإضافة إلى منحها مساحة للاختلاف والتنوع السياسي، وذلك لكون شخصية الملك في النظام الملكي الدستوري، شخصية محايدة، لا تنتمي إلى أي طرف سياسي وتضمن وحدة البلاد واستقرارها.

في سياق متصل، نشر المؤتمر الوطني لتفعيل دستور الاستقلال وعودة الملكية الدستورية لليبيا، بيانًا يوم 28 من شهر يونيو (حزيران) 2020، قالوا فيه إنهم يتابعون النقاش الدولي والمحلي المتجدد حول إحياء مسارات الحوار والتوافق الوطني الليبي، وذلك للوصول إلى ما أسموه بحالة الاستقرار والسلم الأهلي المنشود بين مكونات الأمة الليبية.

وقال رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر أشرف بودوارة لـ«ساسة بوست»: «لن يصلح أمر ليبيا إلا بما صلح به أولها، ولا مستقبل لنا إلا في ليبيا موحدة آمنة حرة وديمقراطية، ولا سبيل لذالك إلا بالعودة إلى الانضواء تحت لواء دستور دولة الاستقلال الذي سبق أن اجتمعت حوله الأمة الليبية وكان لها طوق النجاة، ونحن مؤمنون بأنه يمكن تكرار هذا النجاح مرةً أخرى».

ويقول الناشط السياسي المقرب من حكومة الوفاق، فرج شيتاو، لـ«ساسة بوست» أنه مؤيد لهذه الدعوات إلا أن «شخصية الأمير محمد، شخصية جدلية، فرأيه لم يتضح للعيان بخصوص الهجوم على العاصمة طرابلس، فهو يندد بالحرب ولكن لم يتجرأ على انتقاد الطرف المهاجم».

على جانب آخر، يقول المعارضون للملكية الدستورية بأن زمانها قد ولى، وأن الوقت الحالي هو وقت الجمهوريات، وأن الأمير محمد لا يعرف دهاليز السياسة في ليبيا؛ لكونه يعيش في المملكة المتحدة، ولا يملك خبرة سياسية.

دولي

منذ 5 شهور
ما الذي كشفته الحرب الليبية عن الناتو؟

يقول الإعلامي والناشط السياسي سعد العبيدي لـ«ساسة بوست»: «وقت الملكية الدستورية قد انتهى، البلدان لا تعود إلى الوراء، والمستقبل يجب أن يكون في ظل نظام جمهوري». ويرى المراسل الحربي المقرب من حكومة الوفاق، طارق عبد الجليل لـ«ساسة بوست» أن «السيد محمد السنوسي حظوظه أصبحت ضئيلة جدًا، خاصة بعد وضع مصير الدولة الليبية على طاولة المفاوضات الدولية».

ولم يعلق أي من الأطراف المتصارعة، سواء حكومة الوفاق الوطنية في طرابلس أو برلمان طبرق التابع للجنرال حفتر، على هذه الدعوات المؤيدة لعودة الملكية الدستورية، والتي تأتي في سياق محاولات إيقاف شلال الدم الحاصل حاليًّا في ليبيا.

ويمكن القول بأن هذا الأمر طبيعي، فالجنرال حفتر يملك مشروعه الخاص في حكم البلاد، فقد سبق وأن علّق عمل برلمان طبرق التابع له.

وعلى الجانب الآخر، فإن حكومة الوفاق، عمليًّا، تدعو إلى الاتفاق السياسي، وإلى انتخابات لتأسيس الشرعية من مصدرها الأساسي، وفق رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، الذي التقى في العاشر من الشهر الجاري برئيس مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، الذي أكد جهوزية المفوضية واستعداها لتنظيم الاستحقاقات الانتخابية في كافة أرجاء ليبيا وفي أي وقت.

بالتالي، يمكن القول، بأن من سوف يحسم عودة الملكية الدستورية من عدمه هو الشعب، وذلك عن طريق صناديق الاقتراع بالتصويت على الدستور وعلى شكل نظام الحكم في البلاد، سواء كان ذلك ملكيًا أو جمهوريًا، خصوصًا بعد رضوخ حفتر للاتفاق السياسي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد