default-avatar
زهراء مجدى

7

default-avatarزهراء مجدى

7

1,585

«أتفوَّه بالحماقات بصورةٍ متزايدة، وهو ما يجعلك تبتسم بالتأكيد، إلا أنّ ما أخشاه ليس الموت، وإنما ما قد يصيب شرف عائلتي بعد موتي. وإن أصابني مكروهٌ في أيّ وقت، فإنني أظن أن الناس سيستغلّون ذلك ليكشِّروا عن أنيابهم، ويلاحقوا أوهى أخطائي، ويمزقوا سمعتي. سيان عندي أن يسخروا منِّي في حياتي، لكن ما يبدو لي غير محتمل هو فكرة أنهم قد يسخرون من أطفالي بعد موتي. إنني واثق أنك الوحيد الذي يمكنه أن يحميهم من ذلك، وأفوِّضك بهذا الأمر كليًّا في المستقبل» كانت هذه رسالة وجهها الأديب الياباني «يوكيو ميشيما» إلى الأديب الياباني الآخر «يوسوناري كاواباتا» عام 1969، وقرأها كاواباتا خلال جنازة ميشيما الرسمية عام 1971.

رسائل ذاتية جمعها كتاب «المراسلات: كاواباتا وميشيما» ترجمة معن عاقل عن دار نشر أثر 2017 . تجري هذه المراسلات بين أديبين يابانيين، اثنين من أعظم كتّاب القرن على مدى 25 عامًا – من عام 1945 حتى عام 1970- لتتيحَ لنا بوضوحٍ رؤية علاقة رصينة بينهما. الشاب ميشيما، وهو لم يحظَ بعدُ بلقبٍ كاتب ويبلغ من العمر 20 عامًا، يخاطب كاتبًا بات مشهورًا.

25 عامًا هي فرق السن بين الكاتبين. ولد كاواباتا عام 1899 وخاض بعد فترة وجيزة تجربة حِداد مزدوجة جعلته يتيمًا، فمات أبوه بالسلّ عام 1901، ولحقت به أمه في العام التالي. وقد كانت أمه زوجة الأخ البكر لزوجها – والد كاواباتا – في البداية ما يفسر التشوش الأسري الحاضر في رواياته. تولى جدَّا الطفل حضانته، لكنّ جدته ماتت وهو لم يزل طفلًا، ثمّ ماتت أخته بعدها، ليواجه الطفل الصغير قسوة الاختفاء المبكر لكل كواكب عائلته. الناجي الوحيد هو جده الذي أصبح أعمى، ولن يلبث بدوره أن يموت في عام 1914.

أيها الأب والأم اللذان جعلا مني ابن جده، ألم تورثاني دمًا طاهرًا، أنا من يتأرجح في العالم الفاني؟ (…) لا أحد في العالم خليقٌ بإغراقي في نشوة العدم أكثر منكما. أيها الأب والأم، ارقدا بسلام، أنتما الميتان دون أن تتركا لابنكما الوحيد أية وسيلة ليتذكركما. *ياسوناري كاواباتا- رسائل إلى أبويَ

هكذا خاض الفتى كاواباتا في سنّ الخامسة عشر تجربة حدادٍ أخرى قاسية، وهو ما سيعرفه ميشيما فيما بعد، على المستوى الوطني، في الحرب وفي الهزيمة: عندئذ، هذا العنصر الجوهري في سيرتهما، المتكرر باستمرار في أعمالهما الأدبية بشكل تنويعاتٍ لا نهائية، لن يغدو جاذبًا للموت والانتحار عند كاواباتا، كما عند ميشيما – كان الموت الوسواس المشترك بينهما- ولا حتى جاذبًا للتدمير الذاتي نفسه.

أدب مختلف لروحين مختلفتين

«إنني أجهل ما تعنيه هذه الحالة المرعبة التي سُجنتُ فيها، وكل ما يسعني قوله هو أنني أهتاجُ بطيش دمية تحركها الآلهة، تداعبني رغبة في غاية التفاهة والتقليدية: رغبة أن أكتب ولو لمرة واحدة قصة ساحرة لم يؤلف أحدٌ بعد مثلها، قصة قد يقال عنها إن نشرناها: ما أجملها – وهذه الرغبة الحمقاء تستحوذ علي بقوة مثل شرٍّ مستأصل. فهل هي حيلة بائسة تشبه الحيلة التي تفضي إلى ابتكار طريقة للتحلية عندما نفتقد السكر الحقيقي؟» ميشيما يوكو إلى كاواباتا عام 1945.

ما يهمُّ كاواباتا لم يكن مآثر الجسد، إنما العلاقة الغريبة بين الإنسان والطبيعة. لكن يرتبط التحدي عند ميشيما بالجسد، بالجمال الذكوريّ، بالرغبة في تدنيس وقتل الجمال؛ لأنه في غاية الروعة، بينما يغرق الجمال كاواباتا وشخصياته في حالة تأملية تعيده إلى زمن اليتم. كان يقول: «الجمال هو رغبة تربطنا بالآخرين لمشاركتهم والتماهي معهم».

ما إن تطّلع على عملٍ لكاواباتا، إلا وتجده مصنفًا كرائعته «المرثاة» التي تلمح ليس إلى الخرافات المعاشة وقت الطفولة، بل إلى استحضار الأرواح وإلى لغز العلاقات المتجردة عن الجسد التي تستمر بعد الحياة مدينًا بالكثير للمعتقدات البوذية. «الجميلات النائمات» لكاواباتا دليلًا عل ذلك، وهي التي قدم لها غابرييل غارسيا ماركيز منبهرًا بها حتى أنه اعتبرها الرواية الوحيدة التي تمنَّى لو كان هو كاتبها، وبالفعل نسخها ماركيز في روايته «ذاكرة غانياتي الحزينات»، ولكن شتان بين رواية راهب في معبده يرى النساء وينام إلى جوارهن دون لمسة، وبين كتابة ماركيز اللعوبة الشبقة.

متى أراد ميشيما الكتابة بذهنٍ صاف ذهب إلى جزيرة أوشيما. رمزها هو مرتفع ميهارا، بركانٌ نشط ظلّ لزمنٍ طويل مكانًا مفضلًا للمُقدمين على الانتحار؛ إذ يقول ميشيما في رسالته إلى كاواباتا عام 1950: «شعرت بارتياح لا يصدق منذ وصولي إلى هنا، وحين أتأمل البركان في أيام الصحو، أشعر بنوع من التعاطف حيال العالم».

كانت «اللصوص» أول محاولة يقوم بها ميشيما لتأليف عمل روائي مع مقدمة لكاواباتا. تجري الرواية في الأوساط الأرستقراطية اليابانية في سنوات الثلاثينيات، وتتحدث عن التطور النفسي لزوجين شابين ينتحران يوم زفافهما، واختارا أن يحلقا في عالم الأحياء بهذا الموت الطوعي. في مقدمة الرواية نجد فهم كاواباتا بخصوص تعقيد موهبة وشخصية الكاتب الشاب: «يدهشني النضج المبكر لموهبة ميشيما ويؤلمني في الوقت ذاته. ليس من السهل فهم إبداعه ولعله من الصعب على ميشيما نفسه أن يفهمه. عند قراءة هذا العمل سيخرج البعض بانطباع أنه حصين تمامًا. بينما سيخرج آخرون بنتيجة معاكسة، وهي أن هذه الرواية ولدت من جراح عميقة».

أزمة خفية: ما قد يخجلهما من العالم

وإذا كان الحضور الجزئي للجدّ المحتضر وَسَمَ كاواباتا، فإن ميشيما أيضًا خَضَعَ مبكرًا لوصاية جدته المريضة المستبدة، ذات الطابع الشاذ والغريب. هذان الشكلان الأسريّان هيمنا على ولادة الرغبة الجنسية لدى الكاتبين: فها هو كاواباتا يصف فتىً شعر حياله بشغفٍ حقيقيٍّ دون منفذٍ شهوانيّ: «لم أكن أعرف إن كان صبيًا أم فتاة. وأربكتني هيئته المرتابة. عندئذٍ نهض صديقي وأمسك الطفل من وسطه، وكشف فجأة عما يمكن اعتباره الدليل الأكثر بدائية. شعرت في آنٍ معًا بدهشةٍ عارمة وغضب شديد حياله. أصلح الطفل هندامه. وعندها لم نعد نرى الصبي الصغير إلا فتاةً صغيرة حازمة ومتقلبة الأطوار».

كل ما في هذا النص إيحائيّ. رؤية ضبابية ترتبط بالغموض الجنسي. أول طفل محبوب هو طفل ذو جنسانية خفية قبل البلوغ. رؤية تقدم تعارضًا مطلقًا مع الطريقة التي يشعر بها الفتى ميشيما بانفعالاته الغرامية الأولى كما يصفها في «اعتراف قناع» أول كتاب يتحدَّث صراحة عن المثلية الجنسية في اليابان، يحكي فيه عن افتتانه بشابٍ منظِّف مراحيض وجامع فضلات.

رؤيتان مختلفتان تمامًا في العالم الرجولي، كاواباتا الذي يراقب ويبقى في منأى عن أي افتتان، وميشيما الذي ينخطِف في الحال إلى دائرة الجاذبية الجنسية مع جامع القمامة أو الساحرة «تنكاتسو» التي أراد تجسيدها عندما يدخل إلى غرفة جدته فيتنكر ويتزين حتى تقتحم جدته وأمه الغرفة ويواجهاه بنظرةٍ حزينة شاردة.

الأزمة الخفية ولدها «ديان دو مارجري» مقدِّم كتاب «المراسلات: كاواباتا وميشيما» حيث استغرق أربع صفحات للتلميح إلى تذبذب الشخصية الجنسية عند الكاتبين. وانتهى التلميح أيضًا مقلقًا مشككًا، فيهما دون توضيحٍ إلى أنَّهما مثليَّان جنسيًا، ربما لم ينجذبا لبعضهما البعض، لكن وجد كلُّ واحدٍ منهما مع الآخر تكاملًا على اختلافهما. ومن المؤرق بعد قراءتك للرسائل أن تجد اختفاءًا شبه كليًا لأسرتي الكاتبين إلى جانب اعتبار كاواباتا سببًا في زواج ميشيما ليغدق عليه والد ميشيما بالهدايا تقديرًا لموقفه.

اقرأ أيضًا: الانتحار والموت من العمل.. حقائق لا تعرفها عن شعب اليابان

رسائل حب حقيقي: أنت ملجئي

«فتح هذه الرسالة جيش الاحتلال الأمريكي وتحمل ختم للتحقق من قبل الرقابة»، ستجد هذه الملاحظة على معظم رسائل الكاتبين، ولكن هذا لم يبعدهما عن غايتهما في التعزية، تعزية كل روح للأخرى.

وحتى العزلة، لا يسعني أن أحبها إلا لبرهةٍ وجيزة. لا يسعني البقاء في مكاني فريسة هذه العزلة المشحونة بالقلق. أنتظر مجيء صديق. لكن الصديق لا يأتي. ألعن من أعماق قلبي هاتين الذراعين المخلوقتين للاحتضان. أودُّ لو أتخلَّص من يدي. وأن أفقد حاسة اللمس. في مثل هذه الحالة الروحية، لن أحتمل لقاءك. لأنك ستطفئ دون شك هذه النار التي تحرقني بنفخة. ميشيما إلى ياسوناري 1946

لم يتوانَ كاواباتا عن مساعدة الشاب على التطور، ولم يتردد ميشيما عن الكشف عن نفسه أمام من اختاره مُعلمًا في التفكير، كاواباتا الذي اعتبر كلّ فنان مستلهم للحقيقة والخير والجمال كأساسٍ لسعيه الممسوس حتمًا بالرغبة لاقتحام العالم الخفي، الفكرة التي أخفاها ولم يظهرها إلى ميشيما. لم تكن رسائل كاواباتا في البداية بنفس حميمية ميشيما الذي ما إن عرف عنوان بيت كاواباتا حتَّى راح يزوره حتى في غيابه ويغدق عليه بالهدايا، ولكن ما أثار كاواباتا في ميشيما قوته وإرادته التي يفتقدها هو بصفته عجوزٌ هرم.

«فوجئت وأنا أقرأ لمحةً عن سيرتي الذاتية على ظهر رواية بلد الثلوج: … اكتشف ورعى كاتبًا شابًا واعدًا مثل ميشيما يوكو. وشعرت فجأةً بالخجلِ منك. لعل اسمي سيبقى مستقبلًا في تاريخ الأدب بسبب سوء فهمٍ يُشرفني. على أية حال، حين يتعلق الأمر بي يراودني انطباعٌ بأنني لا أسبب لك إلا السأم، انطباعٌ عزَّزه قراءة بحثك: هل ستدرك السلحفاة الأرنب؟» رسالة كاواباتا إلى ميشيما عام  1956.

في رسائله كان ميشيما كثير الاعتذار. يعتذر عن زيارته منزل كاواباتا في غير حضوره، وعن صمته في حضوره، وعن تجرؤه التقديم لأحد أعمال كاواباتا الفعل الذي كلما أقدم عليه أحسّ بالعار والضآلة، حتى أنه في كل رسالة يعتذر عن كتابته للرسالة نفسها وتعبيره عن نفسه، يقول ميشيما في رسالته إلى كاواباتا عام 1946:

« حين أوجِّه لك غالبًا رسائل التماس، فذلك لأنني أشعر دومًا برغبةٍ في الحديث معك ذات يوم عن قضايا شخصية، لكنَّنِي لا أفلح في التعبير عن نفسي مشافهةً إلا برعونة، ولهذا السبب اخترتُ أن أكتب إليك. وهو ما قاله هولديران في رسالته إلى سيشلر: «سعيت دومًا إلى رؤيتك، ولم أرك قط إلا لأشعر بأنني أعني شيئًا إليك» وفي فقرةٍ أخرى: «حين كنت أمامك، كاد قلبي يتوقَّف، وعندما استأذنت بالانصراف، لم يعد يسعني كبح جماح انفعالي«». قلبي أنا أيضًا يبدي كل علامات هذا الانفعال الذي تحدَّث عنه هولديران. رسالة ميشيما إلى ياسوناري 1946.

وطني.. أزمتي وقضيتي ونفسي التي قتلوها

طوكيو أيضًا ليست بعد إلا ميدان خراب، ومع تجدُّد البرد، لم تكد أشجار الخوخ في العاصمة تزهر، حتى بدأت تذبل، وهي تفقد الآن بالتدريج حيويتها المبشرة بالربيع. *رسالة من كاواباتا إلى ميشيما مارس (آذار) 1945

في التاسع من مارس (آذار) 1945 تعرضت طوكيو لأعنف قصف كان الأكثر تدميرًا نهاية الحرب العالمية الثانية. وتلته حملة جوية أخرى أمريكية في 24 أبريل (نيسان) على العاصمة. قضى هذان الهجومانِ على حياة أكثر من 100 ألف شخص. لقد صرَّح كاواباتا بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها بأنَّه لن يكتب بعد الآن سوى المراثي الكونية الشاملة. فكانت روايته «أستاذ الـ غو» واحدة من أفضل نماذجه وأحبها إلى نفسه وأخطرها كما رأى ميشيما يوكو. لقد أسماها «رواية وقائع أمينة» وتجاوز فيها مفهوم الرواية المعروف إلى شيء من ثراء وشمول السيرة الذاتية وحرارة تسجيل ذاكرة فاصلة جرت فعليًا وحضرها بنفسه في عمل رثائي حزين

بدا فيها البطل رمزًا نبيلًا مأساويًا، رمم تحصيناته في آخر قلاع التراث الياباني ثم خاض معركةً ضارية ضد اجتياحٍ متحضر «تقني» متحلِّل من القيم والأصول وبارد لا يرحم. لذا تتحوَّل هزيمة الأستاذ في لعبة الـ غو إلى هزيمة لمجمل الإرث الأرستقراطي الذي كان حتى حرب 1945 أساس الأخلاق في اليابان.

تبرز مشكلة ازدواج الشخصية اليابانية على مستوى الحسّ والنُسك الموروثَين. وأيضًا مشكلة الصراع بين الروح اليابانية القومية والاحتلال الأمريكي لجزر اليابان العريقة، فبعد هزيمة اليابان العسكرية في الحرب العالمية الثانية، ظهرت تيارات متناقضة بين أبناء الأمة اليابانية خاصة بين مثقفيها وطبقاتها المتوسطة والمترفة، وقد اهتم كاواباتا مثل سائر أدباء اليابان الذين شهدوا الهزيمة والدمار الذري في هيروشيما وناغازاكي، بشخصية المثقَّف من الطبقة الوسطى أو الغنية وبعلاقاته بمعطيات الحضارة الغربية الوافدة بكل طروحاتها وبكل سلبياتها مع جنود الاحتلال.

نظر كاواباتا وبعض أبناء جيله إلى الثقافة الغربية نظرتهم إلى شبح، لا يمكن الإمساك به أو جعله يتمازج مع جوهر الروح الياباني، وآمنوا بعجز هذا الشبح عن التأثير في تراثهم الشعبي وفنونهم الكلاسيكية. وبعد الحرب طغت بين أوساط المثقفين وجيل الشباب الجديد الذي شهد في طفولته ويلات الحرب، موجة من التنكر العصابي لكل ما هو ياباني نتيجة الاهتزاز الذي تعرضت له الشخصية اليابانية، وشيوع حالة من الخواء الروحي، والنزعة العدمية بعد القيامة النووية الرهيبة.

اختلطت المفاهيم والقيم في تلك الفترة اختلاطًا مفزعًا، وتفاوتت المواقف بين مثقفي الأمة اليابانية تجاه الاحتلال الأجنبي ما بين قبول استسلامي له، ورفضٍ قاطع تؤججه الروح القومية التي بدأت تلوح في أفق اليابان بعد صحوتها من الهزيمة. ووقف الفريق الرافض من المثقفين بكلّ عناده القوميّ منددًا بالاحتلال والثقافة الغربية، ومستنهضًا الهمَّة والتقاليد اليابانية الثقافية العريقة على كل صُعُد الحياة. ولم تخلُ أعمال هؤلاء المبدعين من المرارة الجارحة والحزن الكثيف، بالرغم من روح الأمل التي تثير كتاباتهم.

خطاب ترشيح ميشيما لكاواباتا لجائزة نوبل

مُنح الجائزة لأسلوبه القَصصي البارع الذي يُعبر بحساسية عظيمة عن جوهر الفكر الياباني. *قرار منح كاواباتا جائزة نوبل للآداب 1968.

ياسوناري كاواباتا بالزي الياباني في مراسم تسليمه جائزة نوبل

طلب كاواباتا من ميشيما كتابة برقية مختصرة توصي بترشيحه لنيل جائزة نوبل للآداب ليرسلها للأكاديمية في ستوكهولم. فكتب ميشيما: «… تَقرن أعمال كاواباتا اللطف بالقسوة، الرشاقة مع الوعي بخفايا الطبيعة البشرية؛ يخبيء وضوحها حزنًا لا يمكن سبر أغواره، وهي حديثة مع أنها استوحيت من فلسفة الزهد عند رهبان اليابان في العصر الوسيط.. يستطيع أسلوبه الفريد بحيويةٍ مؤكدة أن يذهب إلى الموضوع مباشرة للتعبير عن جوهره. سواء كان يتناول براءة فتاة صغيرة أو البغضاء الكبيرة لطاعن في السن».

حين هاتفوه لإخباره نبأ فوزه بجائزة نوبل ردّ كاواباتا بتواضعٍ جمّ: «قد لا أكون جديرًا بالجائزة، ففي اليابان أدباء أفضل مني، وأنا لم أنجز كل مشاريعي الأدبية بعد، وعلى أية حال أنا سعيد بها». حضر كاواباتا حفل تسلُّم جائزة نوبل بالزيّ الرسمي الياباني «الكيمونو»، وألقى محاضرة عنوانها «أنا واليابان الجميلة» قال فيها: «….إنّ مثل هذه العلاقة الوثيقة بين الإنسان والطبيعة هي من أبرز سمات الأدب الياباني، فالطبيعة أيضًا من الدوافع الإيحائية للأدب، عندما نرى جمال الثلج وجمال القمر، وعندما نرى جمال الزهر المتفتح، وعندما نحس بجمال الفصول الأربعة، حينئذ نفكر في أقرب الناس إلينا، ونتمنى لو شاركونا متعتنا).

صدمة الانتحار بطريقتين دراميتين

ما أخشاه ليس الموت، وإنما ما قد يصيب شرف عائلتي بعد موتي(….) إنني واثق أنك الوحيد الذي يمكنه أن يحميهم من ذلك، وأفوِّضك بهذا الأمر كليًا في المستقبل. *رسالة وجهها ميشيما إلى كاواباتا 1969، وقرأها كاواباتا خلال جنازة ميشيما الرسمية في 1971.

موت ميشيما مدوَّنٌ في حياته. يصف أدبه كل التنويعات الممكنة التي قد تتخذها غريزة التدمير الذاتي: هلعٌ من الشيخوخة، رغبةٌ ببلوغ أقصى حدود الجمال تمتزج باللحظة النهائية للحياة، سحر الموت، الرغبة ببلوغ الموت مع شخص محبوب في نفس اللحظة – صديقه المشكوك فيه موريتا – بطريقة الهاغاكوري التي تتطلب من المرء أن يسيطر على جسده بشق بطنه بالسكين من اليسار إلى اليمين. يقول ميشيما في رسالةٍ وجهها إلى كاواباتا قبل انتحاره بسنة:

«من المتوقَّع تمامًا ألا يفضي كل هذا إلى شيء، وأن كل هذه الجهود وهذا الكد يتضاءل إلى العدم، وأن كل شيء ينتهي إلى ضجر الهجران، فضلًا عن ذلك، هذه الفرضية بالنسبة لروحٍ تتميز بالحس السليم هي التي تمتلك الحظ الأوفر في إمكانية الحدوث، لكنني أجاهد عبثًا وأرفض أن أنظر إلى هذه الحقيقة وجهًا لوجه. لذلك من المحتم أن يتهمني البعض بالفرار خارج الواقع، بسبب أنانيتي، بينما لا أكره شيئًا في العالم أكثر من وجوه الواقعيين المتورمة والمرتدية النظارات».

إلى أي مدى صََدَمَ كاواباتا انتحار صديقه الدراميّ؟ فقد صار عليه أن يترأس مأتمه خلال الجنازة بعد أن كان شاهد زواجه. لم يخفِ كاواباتا تحفظاته المتعلقة بالانتحار: «مهما كانت حالة الاغتراب التي يبلغها المرء، فإن الانتحار ليس شكلًا للتجلي، وحتى لو بدا الإنسان الذي ينتحر جديرًا بالإعجاب، يظل بعيدًا عن بلوغ ملكوت القدس».

الأقوى بيننا هو كاواباتا! هذه قناعتنا جميعًا ولا يمكن زعزعتها بسهولة. *مقتطف من رسالة ميشيما إلى كاوابات اعام  1969

تقول لطفية الدليمي- مقدمة رواية بلاد الثلوج عن كاواباتا: «عاش كاواباتا حياته وفارقها كحالة يابانية متميزة. كان يمسك بالحياة الثمينة مثلما يمسك إنسان ذاهل بثمرةٍ يانعة من ثمار الرمان تكاد تتفجر حبوبها الدموية على أصابعه وهو يتأمل انعكاس الضوء على نتوءات قشرتها. مفكرًا بمئات اليواقيت الصغيرة المتوهجة: الجمرات والمتع وشطحات العقل، وبغتة تستحيل ثمرة الرمان التي تتوسط راية اليابان إلى شمس، وإلى روحٍ مشتعلة تذهب بعيدًا وتدعوه للحاق بها عبر الزمن، فيمضي الناسك مسحورًا بالنداء الخفي ويخرج من جسده الوثني ليحتل ذاكرة الأجيال ويستريح قرب أسلافه المنتظرين».

لكنّ كاواباتا انتحر عام  1972 في محترفه الصغير على شاطئ البحر في مدينة كاموكارا بوضع أنبوبِ الغاز في فمه دون أن يترك رسالةً لأحد، فقد شاء أن يظلّ الغموض سره وخياره الأخير ويدع فرصة التأويل للآخرين، كما فعل في أعماله الأدبية الرائعة القابلة للتأويلات متعددة الوجوه بعد أن أرهقت الشهرة الوافدة هذا الكاتب المحب للعزلة والجمال الغامض والروح اليابانية المشرقة.

ينتحر كاواباتا مثل ياباني شريف – ساموراي – هاربًا من خواء الشهرة والانحدار السريع نحو الشيخوخة ووعيه الحادِّ الجارح بالفترة التاريخية الصعبة التي تجتازها اليابان دون أن يهمس لأحدٍ بكلمة وداع أو يقول لأحد إنني ذاهب لأستريح بين أرواح أسلافي.