أحكام مثيرة للجدل، ذلك الوصف الأفضل الذي يمكن أن يلخص حالة بعض الأحكام الجريئة التي أصدرها »مجلس الدولة« المصري، حيث أصدرت أحد تشكيلاته «محكمة القضاء الإداري» حكمًا اعتبره البعض تاريخي ببطلان التنازل عن جزيرتي »تيران وصنافير« للمملكة العربية السعودية.

الحكم لم يكن الأول الصادر عن المجلس ضد رغبة نظام سياسي قائم في مصر، فتلك الجهة القضائية »مجلس الدولة«، معتادة طوال تاريخها وعلى مدار الـ70 عامًا منذ إنشائها أن تتصادم أحكامها ويتصادم رجالها مع النظم السياسية المختلفة، وخاصة بعد يوليو(تموز) 1952، كما أنه في بعض الأحيان يتصادم مع أمنيات معارضي النظام.

كان من الطبيعي في ظل حالة التشكك القائمة في مصر ضد القضاء من قبل قطاع من الشعب المصري، والتي تزايدت خلال سنوات ما بعد 30 يونيو (حزيران)، وصدور العديد من الأحكام التي رآها البعض غير منطقية وغريبة على القضاء المصري، حيث ترفضها بعد ذلك محكمة النقض المصرية لأسباب بدائية وغير معتادة، مثل عدم سماع الشهود أو منع الدفاع من تقديم مرافعته، كان من الطبيعي في ظل تلك الحالة، أن يثير حكم الإدارية العليا برفض تسليم الإدارة المصرية جزيرتي »تيران وصنافير«، دهشة البعض، وذلك لغياب بعض المعلومات حول »مجلس الدولة« وتاريخه من إصدار أحكام على عكس رغبة أنظمة حكم سابقة.

صدمة البعض لم تكن فقط من الحكم نفسه، ولكنها كانت من حيثياته والمقدمة التي ألقاها المستشار أحمد الشاذلي، نائب رئيس مجلس الدولة، في 16 يناير (كانون الثاني) الجاري، وكان أبرز ما فيها قوله: »جيش مصر لم يكن أبدًا، قديمًا أو حديثًا، جيش احتلال، وما أخرجته مصر خارج أرضها إلا دفاعًا عن أمنها وأمن أمتها. الحكومة لم تقدم أي وثيقة تغير عقيدة المحكمة بشأن مصرية الجزيرتين«.

كلمات أنهت جدلًا طويل استمر لأكثر من ستة أشهر حول أحقية امتلاك جزيرتي »تيران وصنافير«، وبالرغم من أن الحكم نهائي وبات وصادر من المحكمة الإدارية العليا في مجلس الدولة المصرية، إلا أن هناك تخوفًا لدى البعض من الحسم النهائي للقضية في ظل رغبة النظام المصري تسليم الجزيرتين للمملكة العربية السعودية.

ما هو مجلس الدولة؟

بموجب قانون صادر عام 1946 تحت رقم 112، أنشئ مجلس قضائي مصري يختص بنظر القضايا المتعلقة بالمنازعات الإدارية بين الدولة والإدارات المختلفة والأفراد ويفصل في الدعاوى التأديبية والمنازعات المختلفة، ويعد المجلس جزءًا من السلطة القضائية، ويتكون من عدة أقسام من بينها القسم التشريعي لدراسة القوانين التي تصدرها الحكومة والقسم القضائي، وقسم الفتوى.

ويتشكل القسم القضائي من: »المحكمة الإدارية العليا، ومحكمة القضاء الإداري، والمحاكم الإدارية والمحاكم التأديبية ويضاف لهم هيئة المفوضين«، وخلال السنوات اللاحقة على إنشاء المجلس انتقلت تبعية المجلس بين وزارة العدل ورئاسة الجمهورية، إلى أن صدر القانون رقم 136 عام 1984 باعتبار مجلس الدولة »هيئة قضائية مستقلة« غير تابعة لجهة.

ومن ضمن التعريفات التي وضعها المجلس لنفسه على موقعه الرسمي: »كان المجلس عند حسن الظن به فقد قدم الدليل القاطع والبرهان الساطع على أنه أقوى من الظلم، وأشد من البطش، وأعتى من الطغيان، ولم تفرق لغة أحكامه، منذ بداية عهده إلى الآن، بين المالك والمملوك أو الأبيض والأسود، أو الغني والفقير، أو القوي والضعيف، ولم يمالئ المواطن على حساب الدولة، ولم يجامل الدولة على حساب المواطن«.

من كتاب التاريخ: الاعتداء على »السنهوري«

المستشار عبدالرازق السنهوري يعد واحدًا من أبرز قضاة مجلس الدولة المصري، ليس فقط لكونه قاضيًا ومفكرًا وله مؤلفات عامة وشارك في وضع دساتير عدد من الدول العربية، ولكن أيضًا لأنه تصدى لأحد أبرز محاولات الأنظمة السياسية التعدي على مجلس الدولة والقضاء بشكل عام.

مع قيام ثورة 1952، ساهم »السنهوري« في وضع عدد من القوانين والمخارج القانونية للضباط ويرجح البعض ذلك التأييد وإيجاد المخارج القانونية من جانب »السنهوري« للعداء الشديد بينه وبين حزب الوفد، ولكن سرعان ما بدأت المشاكل تدب بين »السنهوري« من جهة ومجموعة جمال عبدالناصر في مجلس قيادة الثورة من جهة أخرى.

في بداية عام 1954 كانت الأزمة اشتغلت بين محمد نجيب رئيس الجمهورية وقتها، ومجموعة جمال عبدالناصر المسيطرة على مجلس قيادة الثورة في ظل تعطيل دستور 1923، وحل الأحزاب السياسية بقرار في 1953، وحظر النشاط الحزبي ومع ارتفاع الخلاف بين رفقاء الثورة أعلن نجيب في فبراير(شباط) 1954 تقديم استقالته وتبع ذلك مظاهرات لتأييده، وتراجع عن الاستقالة بعد عدة أيام.

صدر بعد ذلك ما عرف بقرارات (مارس (آذار) 54) حين وعد مجلس قيادة الثورة بعودة العمل الحزبي قريبًا، وانتخاب جمعية تأسيسية لوضع الدستور، وتسليم البلاد لإدارة مدنية منتخبة لتخرج بعدها مظاهرات في 28 و29 مارس (آذار) من نفس العام لتهتف »تسقط الديمقراطية وتسقط الأحزاب« وتتوجه أحد تلك المظاهرات لمجلس الدولة وتهتف ضد رئيسه »السنهوري« – باعتباره من مؤيدي نجيب ضد مجموعة ناصر- وتعدى مجموعة من المتظاهرين على »السنهوري« في واقعة قال البعض إن قيادات الجيش متورطة فيها.

ويقول المستشار السنهوري عن تلك الحادثة : »توقفت المسيرة خارج بوابة المجلس المغلقة بسلاسل الحديد، فدخل أحد الضباط إلى مكتبي وطلب مني الخروج إلى حديقة المحكمة، لمخاطبة المتواجدين بها والتهدئة من روعهم، وحينئذٍ اقتحمت جموع المتظاهرين فناء المجلس وانقض بعضهم عليّ بالسب والضرب، وحينئذٍ أدركت أن الأمر لم يكن مظاهرة أخاطب فيها المتظاهرين ــ كما ادعى الضابط، بل أمر اعتداء مبيت عليّ، وما لبث المتظاهرون أن دفعوني دفعًا إلى الحديقة وتوالى الاعتداء«.

وبعد شهور، تولى عبدالناصر رئاسة الجمهورية، وعُدِّل قانون مجلس الدولة وأطيح بعدد من المستشارين القريبين للسنهوري، وأنشئت المحكمة الإدارية العليا بوصفها درجة ثانية للتقاضي في مجلس الدولة.

أحكام سياسية ضد رغبة السلطة

وصف رئيس مجلس الدولة الأسبق عبد الرزاق السنهوري عمله ودوره قائلًا: »مجلس الدولة هو الغوث الذي يفزع إليه الأفراد والجماعات متي ظن أحد منهم أنه مسلوب الحق«، ومن أزمة السنهوري إلى عصر السيسي كان لمجلس الدولة دور كبير في رفض عدد من القرارات الإدارية التي عدتها بعض الأنظمة الحاكمة في مصر مسألة حياة أو موت بالنسبة لها، أو على أقل تقدير مسائل ضرورية لتحقيق مصالحها، وظهر ذلك بشكل واضح مع الرئيس الأسبق حسني مبارك.

بدأ الصراع بين المجلس، وخاصة محكمة القضاء الإداري، ونظام مبارك من عام 1987 بحكم من القضاء الإداري ببطلان فوز 78 مرشحًا من الحزب الوطني الحاكم في انتخابات البرلمان، ورفض وقتها الدكتور رفعت المحجوب –رئيس مجلس الشعب- تنفيذ الحكم واعتبر المجلس صاحب القرار في الفصل في صحة عضوية أعضائه، واستمر المجلس حتى صدور حكم من المحكمة الدستورية ببطلان انتخابات عام 1990، لعدم دستورية بعض مواد قانون الانتخابات.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 1992، رفضت تحويل المدنيين للمحاكم العسكرية، وتكرر الأمر مرة أخرى في مايو (آيار) 2007 عندما قضت محكمة القضاء الإداري برئاسة المستشار محمد الحسيني ببطلان قرار إحالة عدد من قيادات جماعة الإخوان للمحكمة العسكرية في القضية المعروفة بمليشيات الأزهر، وكان من أبرز المتهمين فيها وقتها خيرت الشاطر وحسن مالك وآخرين.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2008، صدر حكم من محكمة القضاء الإداري بوقف قرار الحكومة بمنع حملة كسر حصار غزة من الوصول إلى معبر رفح البري، وفيما يخص العلاقات المصرية الإسرائيلية أيضًا في الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) 2008 قضت محكمة القضاء الإداري بوقف قرار النظام المصري بتصدير الغاز الطبيعي لإسرائيل بسعر أقل من السعر العالمي.

وفي نفس الشهر من نفس العام، صدر أحد أبرز الاحكام التي صدرت عن القضاء الإداري والخاص بإلغاء قرار وزارة الداخلية بإنشاء وحدة الحرس الجامعي داخل جامعة القاهرة.


انتصار للحقوق الاجتماعية في عهد مبارك

قضت المحكمة في 23 ديسمبر(كانون الأول) 2008 بوقف تنفيذ قرار وزير التعليم العالي، ورئيس جامعة الإسكندرية، بنقل وبيع مقر جامعة الإسكندرية بحي الشاطبي إلى منطقة أبيس، كما أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمًا ببطلان بيع وزير الإسكان السابق محمد إبراهيم سليمان مساحة 20 كيلومترا المعروفة بـ»مدينتي« لرجل الأعمال هشام طلعت مصطفى بالأمر المباشر، كان ذلك في 22 يوليو(تموز) 2010، كما أقرت محكمة القضاء الإداري في 29 مارس (أذار) 2010 رفع الحد الأدنى للأجور ليصل إلى 1200 جنيهًا وقتها (250 دولارًا)، وأصدرت حكمًا آخر بإلزام الدولة بالحد الأدنى في 26 أكتوبر (تشرين الأول) 2010.

أحكام ما بعد ثورة 25 يناير 2011

كان أبرز الأحكام التي صدرت عن مجلس الدولة فيما يخص مواجهة مباشرة مع المجلس العسكري الحاكم في مصر عقب ثورة 25 يناير(كانون الثاني) 2011، هو حكم كشوف العذرية الصادر في ديسمبر (كانون الأول) 2011، وقضت محكمة القضاء الإداري حينها بوقف الكشف عن عذرية الفتيات المقبوض عليهن عقب المشاركة في مظاهرات مارس (آذار) 2011، وقالت المحكمة في حكمها: »لا يجوز للقوات المسلحة، في سبيل حماية أفرادها من ادعاء محتمل بالاغتصاب من قبل المحتجزات، أن تلجأ لأعمال مخالفة للدستور والقانون، تنتهك بها الحرمات وتفضح بها الأعراض الواجب سترها« معتبرًة الفعل: »ينطوي على إذلال متعمد وإهانة مقصودة«.

وفي 26 يونيو (حزيران) 2012 قررت محكمة القضاء الإداري وقف تنفيذ قرار منح سلطة الضبطية القضائية لأفراد الشرطة العسكرية والمخابرات الحربية، في التعامل مع الجرائم التي يرتكبها المدنيون.

وفيما يخص قرارات المجلس حول نظام مبارك ومؤسساته فقد صدر من القضاء الإداري أحكام بحل الحزب الوطني في 16 إبريل (نيسان) 2011، وحل المجالس المحلية المشكلة من أغلبية أعضاء سابقين في الحزب الوطني، كما أصدر القضاء الإداري ستة أحكام قضائية بعودة ستة من شركات القطاع العام: »شركة عمر أفندي، وطنطا للكتان، والنصر للمراجل البخارية، وغزل شبين، والشركة العربية للتجارة الخارجية والنيل لحليج الأقطان« وبطلان بيعهم.

وفي عهد الرئيس الأسبق محمد مرسي رفض القضاء الإداري قراره بعودة مجلس الشعب بعد صدور حكم من المحكمة الدستورية بحل المجلس.

https://www.youtube.com/watch?v=w-ErG-VE3H4

نظام السيسي ومحاولات السيطرة

وفي عهد الرئيس المصري الحالي عبدالفتاح السيسي كان هناك عدد من الأحكام على غير رغبة النظام يعد أبرزها في 19 يناير (كانون الثاني) 2016، برفض محكمة القضاء الإداري دعوى منع أعضاء حركة حماس من دخول مصر، كما يأتي حكم جزيرتي تيران وصنافير ليعد الأبرز.

وقبل أيام من حكم الإدارية العليا حول تيران وصنافير يناير (كانون الثاني) الجاري أعلنت الرقابة الإدارية – هيئة رقابية ولها سلطة الضبط في مصر- ضبطها لمدير إدارة المشتريات في مجلس الدولة في قضية رشوة، وتبع ذلك إعلان تورط الأمين العام للمجلس في نفس القضية والقبض عليه وتوفي داخل زنزانته، وقالت الجهات الأمنية أنه انتحر.

تراكم الأحداث المثير دفع البعض لاعتبار ذلك محاولة من الدولة لاستغلال القضية للضغط على المجلس، مع الوضع في الاعتبار الأزمات القانونية ومحاولة تعديل بعض مواد القانون المتعلق باختيار رئيس مجلس الدولة.

وظهر ذلك من خلال تدوينه للمحامي والمرشح الرئاسي السابق خالد علي، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي على صفحته الشخصية على الفيس بوك وقال: »دافعوا عن منصتكم الشامخة بحق.. يعد مجلس الدولة المصري أحد المدارس القضائية الفريدة على مستوى العالم، فأحكامه جاءت صونًا للحريات ودفاعًا عن حقوق الشعب المصري من تعسف السلطة التنفيذية«.

وعدد »خالد« خلال التدوينة أهم وأبرز ما قام به مجلس الدولة، كما أشار إلى أبرز ما يتعرض له مجلس الدولة من ضغوط من بينها: »تبني حملة إعلامية شرسة ضد المستشار يحيى الدكروري بعد إصداره حكمًا ببطلان اتفاقية التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، ومحاولة الدولة إصدار تشريع ينال من اختصاصات المجلس، ومحاولة استغلال جريمة الرشوة المتهم فيها أحد موظفي المجلس للنيل من مجلس الدولة ذاته وتشويه صورته«.

وأبرز ما حذر منه »خالد« وفقًا لما نشره سعي الدولة لاستصدار تشريع يضرب أحد أهم أركان استقلال مجلس الدولة، وهى طريقة اختيار رئيس المجلس، فالتشريع الحالي يمنح الجمعية العمومية لمجلس الدولة وحدها سلطة اختيار رئيس المجلس، ويرسل القرار لرئيس الجمهورية لاعتماده وإصداره، والمشروع الجديد الذي تتبناه الدولة يتوسع في سلطات رئيس الجمهورية ويحد من سلطة الجمعية العمومية، حيث يلزمها باختيار ثلاثة أسماء وإرسالها للرئيس الذى يصبح هو صاحب الحق في اختيار رئيس المجلس من بينهم.

ومن المتوقع أن تظهر خلال الفترة القادمة حقيقة نوايا النظام تجاه المجلس إما باستمرار المجلس بشكله الحالي، أو كما توقع البعض تعديل شكل وطبيعة عمل مجلس الدولة للسيطرة عليه.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد