هذا المقال هو خلاصة بحث قام به ديفيد جومبرت وجون جوردون بعنوان “الحرب بطرق أخرى .. بناء قدرات كاملة ومتوازنة لمحاربة التمرد المسلح”. يشير البحث إلى أنه بالرغم من أن التمرد المسلح في دول مثل باكستان وأفغانستان والعراق يمثل تهديدًا للأمن القومي الأمريكي؛ فإن حكومة الولايات المتحدة لا تمتلك الإمكانات اللازمة لمواجهة حركات التمرد المتأثرة بالمتطرفين الإسلاميين. والبحث المقدم يرى أن الاستخدام الواسع للقوة العسكرية في العالم الإسلامي هو في أحسن الأحوال غير مناسب وفي أسوئها يؤدي إلى نتائج عكسية وهو في المجمل حل غير عملي. يقدم هذا البحث الذي استغرق سنتين تحليلًا جديدًا لحركات التمرد المسلحة ويدعو إلى تغيير كبير في أولويات الاستثمار لتمكين الولايات المتحدة من مواجهة تلك الحركات.

التطرف الإسلامي كشكل جديد للتمرد المسلح

يؤكد البحث على أنه من الضروري ملاحظة أن النمط الحالي من العنف في العالم الإسلامي هو نوع من أنواع التمرد المسلح، وإن كان نوعا جديدا لا يعتمد على النعرات القومية. هذا النوع الجديد هو في حقيقته منافسة على ولاء السكان المحليين في مناطق التمرد. وبالتالي فإن مواجهته عن طريق جيوش أجنبية لا يمكن أن يكون بديلا عن حكم محلي ناجح وشرعي يقدم الخدمات العامة الأساسية وقوات أمن محلية. بالنظر إلى تاريخ تسعين حركة من حركات التمرد المسلح منذ الحرب العالمية الثانية يصل البحث إلى أن هذه الحركات تفشل في الأغلب أمام الحكومات التي يراها المواطنون ممثلة لهم وعلى قدر كبير من الكفاءة.

يضيف البحث أنه بعكس حركات التمرد التقليدية، فإن هذا النوع الجديد الذي يهدد العالم الإسلامي من شمال أفريقيا إلى الشرق الأوسط إلى جنوب وجنوب شرق آسيا، يدمج الحركات القومية بأهداف ووسائل الجهاد العالمي الممثل في فكر تنظيم القاعدة. ويضيف البحث أنه عندما تصاب حركات التمرد المحلية بداء التطرف الديني، فإنها تصبح أكثر عنفا وأقل استعدادا للتسويات السلمية وأصعب في المواجهة وتصبح لديها قدرة أكبر على التمدد والانتشار.

المعادلة: إمكانيات متوازنة + تدخل مبكر

يشير البحث إلى حتمية وجود حكومة محلية فعالة وشرعية للقضاء على التمرد المسلح، كما يشير إلى أن الاحتلال الأمريكي للبلاد الإسلامية له حدود ويصاحبه مخاطر عديدة. وبالتالي فإن الوضع الحالي في كل من العراق وأفغانستان يشيران إلى حاجة الولايات المتحدة إلى إمكانيات أكثر توازنا مما هو مستخدم حاليا. ويؤكد البحث أنه من الخطأ تصور أن كل ما تحتاجه الولايات المتحدة لهزيمة حركات التمرد الإسلامية هو المزيد من القوة العسكرية. فبينما لا يمكن استبعاد تواجد قوات عسكرية أمريكية في العالم الإسلامي، فإنها وحدها لا تمثل حلا مستداما. كما أن الاعتماد عليها يمكن أن يؤدي إلى إهمال الحاجة إلى إصلاح مواضع خلل غير عسكرية.

يؤكد البحث أن اكتشاف حركات التمرد والتعامل معها مبكرا يقلل كثيرا من الحاجة إلى التدخل العسكري الأمريكي. ويضيف أن حركات التمرد المحلية تأخذ وقتا قبل أن يصيبها “داء الجهاد”. ويمكن القول أن فرصة احتواء حركة تمرد محلية تمثل أكثر من تسعين بالمائة، بينما في حالة حركات التمرد ذات الفكر الجهادي العالمي فإن الفرصة تكون أقل من النصف. ويضيف البحث أن التاريخ يؤكد على أن التدخل العسكري الواسع مثل ما فعلت فرنسا في فيتنام والجزائر ومثل ما فعل الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، قليلا ما ينجح. والسبب في ذلك هو أن الحكومات الضعيفة وغير الشرعية يصعب إنقاذها إذا بدأ تمرد مسلح ضدها. تحويل هذه الحكومات يحتاج إلى سنوات، ويجب أن يبدأ مبكرا ويحتاج إلى إمكانيات مختلفة عن قوات عسكرية أجنبية. وبالتالي فإن التدخل العسكري الواسع يمكن اعتباره نتيجة لفشل استراتيجية التعامل مع التمرد، وعند اللجوء إليه فإنه لا يضمن النجاح. ويؤكد البحث بعد ذلك أنه مع وجود إمكانية للتمرد المسلح في كثير من دول العالم الإسلامي التي تحكمها حكومات ضعيفة، فإنه من الضروري للولايات المتحدة أن تطور أنظمة الإنذار لديها وتطور قدرتها على التدخل السريع غير العسكري عند وجود بوادر تمرد مسلح.

نقاط الضعف الأمريكية : الإمكانيات المدنية وإمكانيات الأمن المحلي والمعلومات

يرى البحث أن الولايات المتحدة تستطيع أن تكون أكثر فاعلية وأقل اعتمادا على استخدام القوى العسكرية في مواجهة حركات التمرد في العالم الإسلامي عن طريق تصحيح الخلل في ثلاثة مواضع أساسية:

  • القدرات والإمكانيات المدنية في بناء حكومات محلية فعالة وشرعية.
  • القدرة على تنظيم وتدريب وتجهيز قوات الجيش والشرطة المحلية.
  • القدرة على جمع المعلومات ومشاركتها واستثمارها.

 

المواجهة المدنية للتمرد المسلح

يشير البحث إلى أن مهام الحكومات المحلية تشتمل على ثلاث مهام حاسمة في مواجهة التمرد المسلح وهي التأهيل لسوق العمل وإيجاد عمل للمقاتلين السابقين، وإيجاد نظام قضائي عادل وفعال، وبناء نظام تعليم أساسي متاح للجميع. ويرى البحث أن قدرة الولايات المتحدة على بناء هذه القدرات المدنية في الخارج ضعيفة للغاية. ولمعالجة هذا فإن البحث يرى أنه يجب تطوير هذه القدرات الأساسية ثم نشرها عن طريق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية تحت إشراف وزارة الخارجية.

يضيف البحث أن الفجوة في القدرات المدنية ضخمة سواء كان من ناحية توافر المتخصصين أو توافر التمويل اللازم لهم. يشير البحث إلى أن حوالي 20% من القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان تقوم بأعمال مدنية. ويشير البحث بعد ذلك إلى البرنامج الكبير والناجح الذي تم تطبيقه أثناء حرب فيتنام لتطوير الأعمال المدنية والمناطق الريفية. إذا تم اتخاذ ذلك البرنامج كمؤشر لما هو مطلوب؛ فإن الولايات المتحدة تحتاج إلى ثلاثة أمثال العدد الحالي (حوالي 1500) من موظفي طريق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وإلى ضعف الموازنة السنوية الحالية (حوالى 25 مليار دولار) لمعونات التطوير الأجنبية. ويرى البحث أنه يمكن لهذه المتطلبات أن تقل إلى النصف إذا استطاعت الولايات المتحدة أن توجد نظام تحذير جيد يسمح باستخدام هذه الإمكانيات بشكل وقائي ضد حركات التمرد المسلح في بدايتها وإذا قام حلفاء الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بالمشاركة بالإمكانيات.

بناء ودعم قوات الأمن المحلية

يؤكد البحث أنه بالإضافة إلى الخدمات المدنية الأساسية فإن أي حكومة يجب أن تكون قادرة على توفير الأمن لمواطنيها لكي تحصل على ثقتهم وتعاونهم. الاعتماد على القوات الأمريكية في الأمن المحلي يجب أن يكون مجرد حل مؤقت أو ملاذ أخير. ولكن الوضع في العراق وأفغانستان كشف أن الولايات المتحدة ليست قادرة حاليا على إعداد قوات محلية بكفاءة جيدة وبأعداد كافية في وقت معقول للقيام بمواجهة حركات التمرد المسلحة. لذلك فيجب على الجيش الأمريكي أن يطور من قدراته على تنظيم وتدريب وتجهيز القوات العسكرية من أهل البلاد الأصليين. أما بالنسبة لقوات الشرطة المحلية، فيجب أن يتم تدريبهم على يد متخصصين مدنيين لا قوات عسكرية.

ويضيف البحث أنه إلى جانب ذلك فإن الجيش الأمريكي يجب أن يهتم بالقدرات المطلوبة لمساندة القوات المحلية في القيام بالمهمات التي لا تستطيع القوات المحلية القيام بها. تتضمن هذه المهمات مراقبة الحدود والشواطئ وجمع المعلومات والقيام بالضربات والإنزالات الجوية والعمليات الخاصة التي تستهدف قادة حركات التمرد. ويضيف كذلك أنه إذا فشلت جهود بناء قوات محلية جيدة وتطلب الأمر وجود قوات أمريكية على الأرض؛ فإن هذه القوات يجب أن تكون مدربة على مواجهة حركات التمرد المسلحة وأسرع في الحركة وأقل اعتمادا على القوة مما هو موجود حاليا. وذلك يتطلب استثمارات لتحسين أنظمة شبكات المعلومات ولتطوير أسلحة يمكن التحكم في قدرتها التدميرية ومركبات أسرع وأقوى. كمان أنه على قيادة القوات الخاصة الأمريكية أن تضع المعايير وتقوم باختبار القدرات الجديدة وتتعاون مع القوات الاعتيادية الأمريكية والمحلية في المواجهات الفعلية مع حركات التمرد.

استغلال المعلومات

يرى البحث أن مستخدمي الإنترنت من المتمردين الإسلاميين متميزون في ما يفترض أن يكون نقطة قوة للولايات المتحدة مثل 1- بناء شبكات الاتصال التي تسهل الوصول إلى المعلومات وتشاركها، 2- استخدام المعلومات بشكل فعال لإدراك حقيقة الأوضاع على الأرض بشكل دقيق، 3- معرفة السكان المحليين والقدرة على التأثير عليهم.

يشير البحث إلى أن المعلومات المهمة في العراق وأفغانستان تنتقل ببطء شديد بين الجيش الأمريكي والاستخبارات والمدنيين والقوات الحليفة. ويرى البحث أن التعلق الشديد بسرية المعلومات يؤدي إلى حجبها عن القوات المحلية كما يستبعد السكان المحليين بالرغم من كونهم المصدر الأهم للمعلومات. يعرض البحث منظومة جديدة لتشارك المعلومات في مواجهة حركات التمرد. تعتمد المنظومة على إدراج جميع الأطراف وتكامل المعلومات وإعطاء أولوية لمستخدم المعلومة وهو عكس الموجود حاليا من احتفاظ كل طرف بمعلوماته وعدم مشاركتها والعمل بمبدأ أن منشئ المعلومات هو المتحكم فيها. كما تشجع المنظومة الاعتماد على السكان المحليين في مشاركة المعلومات عن طريق الهواتف المحمولة والـ”ويكيز”. ويؤكد البحث كذلك أن المتطلبات التقنية لهذه المنظومة متاحة حالية وتكلفتها في تناقص ولكن الممارسات الجامدة في شراء المعدات الحكومية تعوق اعتمادها.

ويضيف البحث أنه على الجانب النفسي، يجب على الولايات المتحدة أن تتخلص من شعارات الهيمنة الأمريكية وتعمل في المقابل على تقوية صورة الحكومات المحلية، وفي نفس الوقت عليها أن تسلط الضوء على أن الجهاديين، عند الوصول للسلطة، يفشلون في توفير الحاجات المادية للمواطنين.

يرى البحث في النهاية أنه لكي تتحصل الولايات المتحدة على الإمكانيات المدنية المطلوبة لمواجهة حركات التمرد وبناء قوات أمن محلية فإن عليها أن تتوسع في التعاون مع شركائها وأن تعيد النظر في أولويات الاستثمار لديها.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد