صار اسم عُمر البشير جزءًا من الماضي، ونال توصيفًا جديدًا في النشرات الإخبارية كرئيس معزول، بعدما أعلن الفريق أول عوض محمد بن عوف، وزير الدفاع السوداني، القبض عليه والإطاحة به إثر احتجاجات عمت شوارع السودان، وتصاعدت وتيرتها، حتى وصل المتظاهرون بأعداد كبيرة أمام القصر الرئاسي ومقار القيادة العسكرية.

طيلة سنوات حُكم البشير، قام بنسج علاقات نافذة مع العديد من الدول، ربطت مصالحها ببقائه واستمراره، وسعت لدعمه بوسائل سياسية وعسكرية في أيامه الأخيرة؛ غير أن مساعيهم لم تنجح، وغادر الرجل بلا رجعة باب القصر الرئاسي، وقد ينعكس ذلك على شكل تغيير دراماتيكي يرجحه الكثيرون في سياساتهم مع الخرطوم.

صلاح قوش.. «ظل البشير» الذي لا يثق فيه ويراهن عليه لقمع الاحتجاجات

من يخلف البشير؟ الحلفاء العرب ينقسمون

على رأس هذه الدول التي خشيت من سقوط البشير في ظل التشابكات السياسية الحالية مصر، خلافًا لما قد يعتقده البعض من أن إزاحة البشير ستنعكس على القاهرة إيجابًا في عدد من الملفات الإقليمية التي كان البشير يناور بها تجاهها، وأدت لتوتر في العلاقات الثنائية بين الجانبين، قبل أن يتم احتواؤها في الشهور الأخيرة للبشير في السلطة.

بنت القاهرة على ما يبدو قبل ثلاثة أعوام تصورات لمرحلة ما بعد البشير من خلال الإطاحة بالرئيس السوداني المعزول، تمهيدًا للدفع بالصادق المهدي على رأس السلطة، وهو الذي قضى في العاصمة المصرية نحو عامين وسط ترحيب من السلطات المصرية، واحتفاء وسائل الإعلام المصرية به.

كانت بوصلة القاهرة قائمة على الدفع بالمهدي بديلًا للبشير، دون استدعاء للجيش في المشهد السياسي، مُحققة بذلك أكثر من مكسب في قضايا عديدة، أبرزها عزل الإخوان المسلمين من السلطة، كونهم شريكًا حاليًا في الحُكم، وحليفًا للبشير، إلى جانب التعويل عليه في حصار النفوذ القطري التركي داخل الخرطوم، باعتبارهما خصمين للقاهرة.

يؤشر على ذلك حديث مصطفي الفقي، المسؤول السابق بوزارة الخارجية المصري، ورئيس مكتبة الإسكندرية الحالية، الذي ذكره في مقال منشور بجريدة «الأهرام»، قبل أكثر من عامٍ، قائلًا: «هو أفضل الساسة التقليديين في السودان، لا لأنه سليل بيت المهدي الكبير، ولكن لأنه ملك الشجاعة على التحول إيجابيًا في علاقته هو وحزبه بالقاهرة، نتيجة فهمه للظروف السياسية واستيعابه للبيئة المتغيرة والمناخ الجديد الذي يسود العوالم العربية والأفريقية والإسلامية».

مع بداية عام 2019، واندلاع الاحتجاجات، تبدلت هذه البوصلة قليلًا بعدما أدركت القاهرة أن صعود المهدي بديلًا للبشير أمر غير محسوم، ويواجهه صعوبات كبيرة من أجنحة داخل السُلطة، ودعم هذا التغيير تجاوب حقيقي من البشير معها في الكثير من القضايا الخلافية، واتفاق على دعم بلاده لمصر في قضية المياه في اللجنة الثلاثية، إلى جانب إدراك السلطات المصرية أن رحيل الأخير دون أن يكون هناك بديل سيؤدي لفوضي قد تنعكس على مشاكل حدودية بين البلدين.

وفي سبيل ذلك عملت القاهرة، وفق تقارير صحافية، في الأيام الأولى للاحتجاجات، لتزويد البشير بمعلومات استخباراتية والضغط على زعيم غربي وآخر عربي لإبقائه في السلطة، غير أن تصاعد الاحتجاجات، واتساع رقعتها، أفشل مساعي السلطات المصرية؛ لتجد نفسها أمام شخص جديد على رأس السلطة هو الفريق أول عوض محمد بن عوف 62 عامًا، وزير الدفاع السوداني، وهو القائد العسكري الذي أعلن القبض على الرئيس السوداني عمر البشير، وسعي القوات المسلحة لاقتلاع «النظام».

لا يبدو موقف القاهرة محسومًا تجاه دعم ابن عوف من عدمه؛ وإن كان هناك من يرجحون الدعم لأسباب تفسرها لعلاقات السابقة بين ابن عوف والقاهرة؛ كونه عمل قنصلًا عسكريًا لسفارة بلاده في القاهرة لسنوات، فضلًا عن كونه خريجًا من الكلية الحربية المصرية في الدفعة 23، وأكمل بعدها تدريبه العسكري في مؤسسات عسكرية مصرية.

تبدو الإمارات والسعودية على الكفة الأخرى، فكلاهما سعيا لعزل البشير عبر تقديم صلاح قوش، مدير المخابرات السودانية، كبديل له، غير أن صعود ابن عوف جعلهما يستمران في الضغط المستمر للإطاحة ببن عوف. يؤشر على ذلك التغطية الإعلامية لقناتي «سكاي نيوز» الإماراتية، و«العربية» السعودية، في تعزيز وجهة النظر التي تتعامل مع ما حدث في السودان بوصفه «انقلابًا عسكريًا»، والدفع عبر استضافة محللين ونشطاء سياسين سودانيين للإطاحة بابن عوف من أجل استكمال الثورة، كما تحاول التهيئة لذلك.

«السودان.. الاحتجاج يتواصل والمعارضة ترفض بيان الجيش» كان هذا أحد الأخبار المنشورة، التي تتصدر الصفحة الرئيسة لموقع قناة «العربية» السعودية، والتي تعكس بدرجة كبيرة موقف السعودية من ابن عوف.

فيما تظل دول أخرى كقطر ملتزمة الحياد السياسي تجاه ما يحدث في الخرطوم، عبر بيان يستم بمفردات دبلوماسية، لا يتضح منه موقفها تجاه ابن عوف، وإن كانت هي من الدول التي تجاهلت مطالب البشير لها بتقديم دعم مالي له في الأيام الأولى للاحتجاجات.

من التي يغازلها البشير بزيارة الأسد.. إيران أم دول أخرى؟

 

الصين وروسيا سيفتقدون «عدو واشنطن»

قبل شهور ذهب البشير إلى سوريا، ليكون أول رئيس عربي يزور دمشق، منذ منذ اندلاع الانتفاضة السورية ضد حكم الأسد في 2011 ، على متن طائرة روسية، ويكسر بهذه الزيارة العزلة الإقليمية والدولية على سوريا.

كان ذلك مؤشرًا على صلات لم تنقطع بين الأسد والبشير، وزيارات في السر بين مسئولي البلدين تمحورت حول دعم بقاء الأسد، عزز من ذلك اتهام السودان للولايات المتحدة الأمريكية بـ«دورها التخريبي التي نفذته في سوريا»، خلال زيارة البشير لموسكو نهاية العام الماضي، والتي أشار فيها كذلك إلى «تطابق الموقفين الروسي والسوداني بشأن ضرورة التوصل إلى حل سياسي للأزمة في سوريا، والتأكيد على أن تسوية الأزمة فيها غير ممكنة دون الرئيس بشار الأسد».

للأسباب السابقة، تبدو سوريا واحدة من الدول التي انزعجت من سقوط حليف لرئيسها، خصوصًا أن الإطاحة به تمت في سياق التجاوب مع مطالب المتظاهرين الرافضين لبقائه، وهي قضية مرفوضة من الجانب السوري الذي لديه حساسية من المظاهرات التي تُجبر القادة على التنحي، في ظل الثورة الرافضة لبقاء الأسد منذ ما يزيد عن سبع سنوات.

الدولة الأخرى التي تبدو منزعجة من عزل البشير هي روسيا، التي حدث تقارب كبير بينها والسودان خلال العامين الأخيرين، بعدما اقترح الرئيس السوداني تأسيس قاعدة عسكرية روسية على ساحل البحر الأحمر السوداني، والتوسع الروسي في الإمداد العسكري للجيش السوداني، إلى جانب توقيع مؤسسة «روس جيولوجيا» الحكومية الروسية اتفاقية مع وزارة النفط والغاز السودانية؛ للتنقيب عن النفط والغاز والاستثمار في «مربع 15» على الجرف القاري في البحر الأحمر.

الدليل الأكيد على هذا الانزعاج الروسي هو تحرك موسكو لدعم البشير تجاه الاحتجاجات المطالبة لعزله، من خلال التقارير التي تحدثت عن إرسال مرتزقة روسيين لدعم الرئيس السوداني في قمعه للاحتجاجات، وتقديم الدعم والتدريب العملي لقوات الأمن والاستخبارات في السودان، عبر شركة «فاجنر» العسكرية الروسية، المملوكة ليفغيني بريغوجين، الذي تحول بشكل غير رسمي، على مدار السنوات القليلة الماضية إلى أحد أهمّ مستشاري بوتين.

الصين هي الأخرى على قائمة هذه الدول التي سعت بكل الوسائل لاستمرار البشير، كان على رأسها تقديم دعم مالي سخي له بعدما رفضت دول خليجية مساندته في أزمات بلاده الاقتصادية؛ حيث أعفت السودان من ديونها الحكومية لديها، وأمهلتها سنوات للسداد، فضلًا عن تقديمها للخرطوم مبلغًا تصل قيمته لـ90 مليون دولار كمنح وقروض لدعم مشارع التنمية في السودان.

حلفاء البشير في أفريقيا

إلى جانب الحلفاء السابقين للبشير؛ ممن مثل عزله عن الحُكم انزعاجًا،  تبرز دول أفريقية هي الأخرى، أبرزها إثيوبيا، وجنوب أفريقيا، الذي تكثفت الزيارات بين مسئوليها والبشير في الشهور الأخيرة من أجل دعم نظام البشير في ظل استقرار العلاقات الثنائية، وتخوف أديس أبابا من أن أي تغيير ربما يؤدي لاضطراب التحالف وضرب هذه المصالح.

ولعل الدور الذي لعبته إثيوبيا في رفع العقوبات الأمريكية عن السودان كان مؤشرًا شديد الأهمية على حرصها على استمرار هذا التحالف الذي يُمثل البشير رمزًا له من وجهة النظر الإثيوبية التي تطابقت مواقف الخرطوم معها في القضايا الأمنية والسياسية، وكان أبرزها مشروع سد النهضة.

«إن الأمن القومي الإثيوبي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي السوداني، وأي تهديد لأمن إثيوبيا هو تهديد مباشر لأمن السودان»، يُشير التصريح السابق للبشير، قبل شهور من عزله، إلى العلاقة الثنائية التي تجمع الخرطوم وأديس أبابا، ودور البشير في تحول إثيوبيا لحليف له، وداعم لبقائه، ربما يبدأ فيما سيفعله بعدما تمت الإطاحة بحليفهم في السودان.

إلى جانب إثيوبيا، تبرز دولة جنوب أفريقيا، التي كانت من أوائل الدول التي دافعت عن البشير ضد تحركات المحكمة الجائية الدولية للقبض على البشير في ظل اتهامات طالته حول جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية، وانتهاكات خلال حرب في دارفور (غرب السودان) وجهتها للأخير، إذ أعلنت في السابق انسحابها من المحكمة، كدعم للبشير.

وكانت حكومة جنوب أفريقيا رفضت مطالبات المحكمة ودول أوروبية توقيف البشير خلال زيارته لها، في مؤتمرات تتبع الاتحاد الأفريقي.

لماذا يُصرّ الخليج على إنقاذ نظام البشير؟ 4 أسباب تشرح لك

 

المصادر

تحميل المزيد