تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، من اسمه تستطيع بسهولة استنتاج كبرى الحكومات التي تظهر العداء له، وهما الحكومتان: السورية والعراقية، أما عالميًّا فيتبادر إلى ذهنك مباشرةً الولايات المتحدة الأمريكية التي أسست وقادت تحالفًا دوليًّا ضخمًا خُصص لمحاربة التنظيم في سوريا والعراق.

ولكن هل يمكن لتلك الحكومات نفسها أن تكون ساهمت بطرق مباشرة أو غير مباشرة في نشأة «داعش» وإطالة أمدها، ودعمها بالمال والسلاح والحاضنة الشعبية؟ قد يبدو السؤال «تآمريًا» بعض الشيء، ولكن في الواقع، فهناك العديد من الدلائل والقرائن والحقائق التي أظهرها عدد من التحقيقات والتحليلات الصحافية، إذ تُظهر استفادة تنظيم الدولة الإسلامية من بعض ممارسات تلك الحكومات.

«الغزو الأمريكي» يغرز النواة الأولى لـ«داعش» في العراق

أخوك هو من أسس داعش.

قال ذلك الطالب الجامعي «إيفي زيدريتش»، في مايو (أيار) 2015، موجهًا حديثه مباشرةً إلى جيب بوش، شقيق الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن، لافتًا إلى قراره بالغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ذلك التدخل العسكري الأمريكي- البريطاني، الذي أسقط الرئيس العراقي صدام حسين، واعتذر عنه لاحقًا في 2016 توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا، ولكن بوش أصّر على صحة قراره بالغزو.

وأوضح إيفي مبررات اتهامه بحل الجيش العراقي، وتحول آلاف المجندين بالجيش العراقي بين ليلة وضحاها إلى مجموعة من العاطلين، الذين لا يمتلكون دخلًا، ولديهم إمكانية الحصول على السلاح، مبررات إيفي التقطها الصحافي الاستقصائي البريطاني مهدي حسن، في مقاله على موقع «ذا إنترسيبت» الأمريكي، الذي وصف حل الجيش العراقي بـ«الخطوة الغبية والمتهورة» بتحويل أمريكا أكثر من نصف مليون جندي عراقي مدربين ومُسلحين جيدًا إلى عاطلين عن العمل.

ومع تمسك بوش بصحة قراره بالغزو الأمريكي للعراق، فإن وزير خارجيته والجنرال السابق بالجيش الأمريكي، «كولين بول» قد أقر بأن جنود الجيش العراقي المنحل، أصبحوا لاحقًا «عناصر رئيسية بالتمرد»، وذهب تحقيق لوكالة رويترز إلى ما هو أبعد،عندما كشف في نهاية 2015، أن العديد من كبار القادة في «داعش»، كانوا ضباطًا سابقين في جيش صدام حسين!

ولفت المهدي في مقاله أيضًا إلى أن اعتقال أمريكا عشرات الآلاف من المدنيين في سجن «بوكا» بالعراق، مكّن الجهاديين الموجودين من تجنيد عناصر جديدة داخل السجن، المعلومة الأبرز أيضًا في ذلك الصدد، والتي قد تختصر الكثير من الحديث في الأمر، أن «أبا بكر البغدادي» ذاته، الذي يعتبر نفسه خليفة للتنظيم، هو من «خريجي» سجن بوكا العراقي!

أسلحة أمريكية تروي شجرة «داعش»

بعد نحو عقد من الغزو الأمريكي للعراق، نشأ تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، ومع توسع سيطرته في سوريا والعراق خلال السنوات الماضية، أنشأت الولايات المتحدة الأمريكية وقادت تحالفًا دوليًّا كبيرًا ، في سبتمبر (أيلول) 2014، ضم أكثر من 20 دولة، لمحاربة «داعش» في سوريا والعراق، ومواجهة النفوذ المتصاعد للتنظيم الجديد الذي أضحى شجرة تمتد في سوريا والعراق.

وأظهرت واشنطن جدية في مواجهة تنظيم الدولة بإطلاق التحالف الذي تقوده نحو 30 ألف هجمة في العراق والشام، منذ بدء الحملة، تضمنت أكثر من 105 آلاف قذيفة، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 6136 مدنيًا، بحسب إحصاء موقع «Airwars» المتخصص في مراقبات ضربات التحالف الدولي في سوريا والعراق.

إحصاءات عن الحملة ضد «داعش» من موقع Airwars

ومثلما تسببت غارات أمريكا في قتل المدنيين على عكس الأهداف المعلنة لحملتها ضد «داعش»، فإن حملتها تسببت أيضًا في وقوع الكثير من الأسلحة الأمريكية في أيدي التنظيم، وبالأخص بعد استيلاء التنظيم على أسلحة كانت واشنطن قدّمتها لمن تعتبرهم «المعارضة المعتدلة».

وقد بلغ حجم قطع السلاح والذخيرة نحو 40 ألفًا، بحسب توثيق مجموعة «أبحاث التسلح في الصراعات» التي تتخذ من لندن مقرًا لها، في تقرير خرج للنور في ديسمبر (كانون الأول) 2017، ووصفه باحثون بالبحث الأكثر شمولًا عن كيفية وصول الأسلحة إلى «داعش»، واستمرت التحقيقات فيه ثلاث سنوات من الاستقصاء الميداني، وغطته صحيفة «واشنطن بوست» ولفتت إلى استخدام التنظيم تلك الأسلحة الأمريكية؛ بل وتطويرها أيضًا.

وفي واقعة أكثر وضوحًا، لوقوع أسلحة أمريكية في أيدي مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية، كانت وزارة الدفاع الأمريكية أقرّت في أكتوبر (تشرين الأول) 2014، بأن اثنين من طرود الأسلحة التي كانت تنزلها المظلات الأمريكية لوحدات حماية الشعب الكردية، أخطأت هدفها ووقعت في أيدي «داعش»، خلال الحرب الطويلة لاستعادة مدينة «عين العرب- كوباني» من سيطرة التنظيم.

انتهاكات العراق تدعم «داعش» معنويًّا

«سنحرر الموصل من تنظيم الدولة قبل نهاية عام 2016»، هذا ما صرّح به رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، في مقابلة له مع وكالة «أسوشيتد برس»، أجراها في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، محددًا موعد نهاية المعركة التي بدأت في 17 أكتوبر 2016، ومرّ على تلك التصريحات شهر وشهران، وستة أشهر، دون أن تتحقق، قبل أن يعلن العبادي رسميًّا استعادة الموصل في 10 يوليو (تموز) 2017، أي بعد نحو 10 أشهر من بدء المعركة التي طالت كثيرًا عن الوقت المتوقع لإنهائها.

ويرجع طول مدة المعركة ليس فقط لتمسك التنظيم بأكبر معاقله في العراق، وإنما -بحسب خبراء- للدعم المعنوي العكسي الذي يتلقاه التنظيم من «بعض» السكان السنة، نتيجة الانتهاكات التي يمارسها بعض أفراد الجيش وحلفائه من قوات الحشد الشعبي الشيعي، ضد المدنيين السنة، بتهم جاهزة وهي الانتماء إلى «داعش»، في البلدات التي كانت خاضعة لسيطرة التنظيم، فالذين ينجون من حملة الحكومة العراقية ضد التنظيم ويفرون من المدينة، يلاحق الكثير منهم الانتهاكات والتعذيب والاعتقالات تحت وازع الحرب على الإرهاب.

«كانت هناك دماء على الجدران، ضربوني وضربوا الآخرين بأي شيء كانت تقع عليه أيديهم: بالقضبان المعدنية، والمجارف، والأنابيب، وأسلاك الكهرباء.. داسوا على جسدي ببساطيرهم، رأيت شخصين يموتان أمام عيني»، هكذا يحكي أحد الناجين من تعذيب «الميليشيات الشيعية» الذين فروا من الفلوجة، مُضيفًا لمنظمة العفو الدولية بأنه أُهين وتعرّض للتعذيب لاتهامه بالانتماء إلى «داعش».

Embed from Getty Images

صورة للموصل بعد انتهاء الحرب ضد «داعش»

وكل هذه انتهاكات يستغلها التنظيم ليس فقط لجلب التعاطف معه باعتباره المقاوم للميليشيات الشيعية، وإنما أيضًا قد يتعدى مرحلة الدعم المعنوي، ويتمكن التنظيم من تجنيد بعض العناصر الجديدة التي فضلت المواجهة المسلحة، بدلًا من الانتهاك المتوقع ضدهم من الميليشيات الشيعية أو القوات الحكومية، وشعورهم الحتمي بتلقي مصير التنظيم نفسه حتى وإن كانوا من معارضيه.

وقد وصلت تلك الانتهاكات ضد المدنيين في الموصل إلى حالات اغتصاب النساء، كشفها تحقيق صحافي لصحيفة «دير شبيجل» الألمانية، وُصِف فيه محررو الموصل من داعش بـ«وحوش وليسوا أبطالًا»، كاشفًا الكثير من الانتهاكات التي تتضمن اغتصابًا وتعذيبًا وقتلًا.

اقرأ أيضًا: العراق يعلن النصر.. بالأرقام تعرف على خسارة العراق في حربه ضد «داعش»

النظام السوري يمول داعش بشراء الوقود منه

تصاعد نفوذ «داعش» بشدة في سوريا خلال أعوام 2014- 2016، ليسيطر على أغلبية الأراضي السورية مع نهاية عام 2016، لتتعدى مساحة سيطرته أكثر من 50%، قبل أن يمثل العام الماضي 2017، عام سقوط «داعش» في سوريا، بفعل النظام وحلفائه، وأمريكا وحلفائها من الوحدات الكردية.

خريطة محدثة حتى يوم 28 ديسمبر 2017 للمرصد السوري لحقوق الإنسان، تظهر الفارق بين يناير (كانون الثاني) 2017 (يمينًا)، وديسمبر 2017 (يسارًا).

ولكن الأمد الطويل الذي عاشه «داعش» في سوريا والذي امتد سنوات، لم يكن يصل إلى تلك المدة إذا نضبت مصادر تمويله، تلك الدولارات التي تُعيد له الحياة من جديد، فمع سطوع نجم التنظيم في سوريا، تمكن التنظيم من السيطرة على آبار للنفط ومحطات للغاز في سوريا، ولكن المعضلة الأكبر كانت في آلية بيعه.

اقرأ أيضًا: أكبر استثمار فرنسي في سوريا.. تفاصيل تمويل عملاق الأسمنت «لافارج» لـ«داعش»

هذه المشكلة تم حلها من جهة النظام السوري؛ إذا بحث أكثر من تقرير وتحقيق لصحف عالمية، تتضمن: «ذا ديلي بيست»، و«فورشن»، و«التيليجراف»، عن مصدر تمويل «داعش»، ووصلوا إلى نتائج متطابقة، مفادها أن النظام السوري كان أكبر ممول لتنظيم الدولة من خلال شرائه النفط والغاز الذي كان تحت سيطرته.

وأوضح تقرير لصحيفة «فورشن»، أن «داعش» كان يكسب مليون دولار يوميًّا لبيعه الوقود لزبائن على رأسهم النظام السوري، بعد سيطرته على حقول للنفط والغاز في 2014، وفي المقابل كان يحصل «داعش» على بعض الفوائد بإمداد النظام السوري الكهرباء إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة التنظيم.

ولا يتوقف تمويل «داعش» في سوريا على القطاع الحكومي فقط، وإنما امتد أيضًا للقطاع الخاص، والحدث الأشهر في هذا الصدد، هو ما كشفته صحيفة «لوموند» الفرنسية في منتصف 2016، بتورط الفرع السوري لشركة «لافارج» الفرنسية في تمويل التنظيم، بدفعه ضرائب للتنظيم من أجل سماحه بالعمل في مصنع الإسمنت للشركة، وتأمين طريق الوصول إليه خلال عامي 2013 و2014، أثناء سيطرة «داعش» على الطرق المؤدية إلى المصنع.

اقرأ ايضًا: 5 دلائل على أن داعش والنظام السوري ليسوا أعداء كما يبدو

المصادر

تحميل المزيد