ارتبطت كلمة انقلاب عسكري تاريخيًّا بصورة لضباط متعطشين للسلطة وجهوا مدافعهم للإطاحة بالنظام القائم وتولوا الحكم إلى الابد، أشهر أبطالها جنرالات فاسدون في أمريكا اللاتينية، وأفريقيا، وصلوا للسلطة بدماء متفرقة ليلعبوا نفس أدوار الطغاة الذين انقلبوا عليهم.

معروف أن الديموقراطية لا تأتي إلا بانتخابات حرة ونزيهة، لكن هل جميع الانقلابات معادية للديموقراطية؟ وهل لا يمكن لنا الفصل بينها طبقًا للإجابة عن سؤال محدد: هل يمهد الانقلاب للديموقراطية أم يؤصل للاستبداد؟ ففي السنوات الخمس الأخيرة ظهر مفهوم “الانقلاب الديموقراطي” وعمل باحثون على التأسيس لنظرياته وأثبتوا بنماذج قريبة أن لبعض الانقلابات نتائج إيجابية أيضا دون ادعاء أن الانقلاب العسكري هو أفضل الأساليب لتغيير نظام مستبد، بل على العكس فإن ثورة شعبية بعيدًا عن تدخل الجيش تكون أفضل، لكننا نتحدث عن حالات كان فيها التدخل العسكري هو الخيار الوحيد للانتقال إلى الديمقراطية والتخلص من ديكتاتور عنيد.

يعرف “الانقلاب غير الديموقراطي” بأنه النوع الأسهل لتغيير الرأس والإبقاء على النظام السياسي كما هو بغرض الاستحواذ على السلطة مثل انقلاب معمر القذافي على الملك السنوسي في ليبيا عام 1969 أو عندما قام عمر البشير بانقلابه في السودان عام 1989.

النوع الثاني المدعوم بتأييد الشعب هو “الانقلاب الديموقراطي” ولمنحه الشرعية جاءت تعريفات أكاديمية وشروط تقننه، فهو يسعى للإطاحة بنظام شمولي أو استبدادي، وإحداث تغيير إيجابي في هيكل النظام السياسي من خلال تسهيل إجراء انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة في غضون فترة قصيرة من الزمن. وينتهي بنقل السلطة من قبل ضباط الجيش إلى حكومة منتخبة ديمقراطيا، لكن في الواقع تسعى الجيوش عادة لتحصين أفرادها كشرط لتسليم السلطة للمدنيين والاطمئنان على المصالح الذاتية للمؤسسة العسكرية والنص عليها في الدستور الجديد قبل الرحيل.

وضع “أوزان فارول” أستاذ القانون بكلية «شيكاغو كينت» للقانون في دراسة نشرها بمجلة “هارفارد” للقانون الدولي 7 شروط أساسية للانقلاب “الديموقراطي” 1- أن يسعى الانقلاب للإطاحة بنظام شمولي استبدادي ، 2- أن يستجيب الجيش إلى معارضة شعبية مستمرة ضد حاكم مستبد أملا في التحول للديموقراطية ، 3- يظل الديكتاتور في مواجهة المعارضة الشعبية المستمرة رافضًا للتخلي عن السلطة ومتحديًا لإرادة الجماهير، 4- لا بد أن يكون الانقلاب من جانب جيش يحظى باحترام كبير داخل الأمة، وغالبا ما يكون ذلك نتيجة نظام التجنيد الإلزامي 5- يستجيب الجيش لدعوة الناس له لتغيير النظام الاستبدادي الشمولي، 6- يجري الجيش انتخابات نزيهة وحرة لنقل السلطة لحكومة مدنية منتخبة خلال فترة قصيرة، 7- بعد الانتخابات الحرة ينقل الجيش على الفور السلطة للحكومة المنتخبة بغض النظر عن هويتها، ويجب أن يحاكم الجيش، من قبل القضاء المدني، على أي انتهاكات للقانون الجنائي أثناء عملية الانتقال.

في الجانب الآخر يؤرق القائمين بالانقلاب تعريف فعلتهم خوفًا من رد الفعل الدولي فلا تزال الولايات المتحدة الأمريكية تنفق الملايين على دعم الانتخابات الأجنبية وتستدعي عقوبات صارمة على تلك التي لا تراها متوافقة مع قواعدها في الانتقال الديموقراطي للسلطة، ليكون الحل بين ثلاثة: إما التأكد من قدرة الدولة على تحمل قرارها بالانقلاب ديموقراطيا والتخلي عن المساعدات الدولية، أو اللجوء للمنظمات الدولية وفتح الباب أمام التدخل الاجنبي عسكريًّا، أو الامتناع عن تداول المفهوم الحقيقي لما حدث والوقوف بين ثورة وانقلاب.

1- بعد اليوم الأول من انقلاب البرتغال 1974: «شكرا للقوات المسلحة»

لأكثر من 40 عامًا خضعت البرتغال لحكم مستبد قاده “أنطوني دي أوليفيرا سالازار” منذ 1930، عانت فيها الأصوات المعارضة من القمع وعانى العمال من تدني الأجور وطفت على الحياة السياسية صورة للمنافسة الصورية دون أحزاب مع تجريم الإضرابات وتعقيد إجراءات تسجيل الناخبين حتى اقتصرت الجداول على 15% فقط من قاعدة الناخبين في انتخابات عام 1973.

كلف سالازار المؤسسة العسكرية البرتغالية في حروب استعمارية مكلفة في أنجولا وغينيا بيساو وموزمبيق صعدت من غضب الجيش إلى جانب غضب الشعب حتى دبر 200 من صغار الضباط انقلابا على النظام في 25 أبريل 1974 استجاب له الشعب فخرج آلاف في الشوارع يضعون زهرة القرنفل على فوهات بنادق الضباط رمزًا لدعمهم، فسميت بثورة القرنفل.

بدأت البرتغال بعد الاحتفال فترتها الانتقالية واستمرت لعامين، فقد أصدر ضباط الجيش بيانًا أوضحوا فيه سبب انقلابهم وتعهدوا بإجراءات إصلاحية سياسية واقتصادية واجتماعية تؤسس لدولة ديموقراطية، تم صياغة الدستور دون عرضه على الشعب بعد عام من الانقلاب وتلته انتخابات برلمانية ورئاسية، وبعد الموافقة على ترشيح عسكري واحد للانتخابات الرئاسية فاز بها القائد العام للقوات المسلحة “أنطونيو إيانس” وتعهد الجيش بإيجاد حل سياسي للحروب التي أنهكت البرتغال، استمر الجيش في خطته فأحكم سيطرته على الدستور الجديد ومنح لمجلس الثورة الذي يرأسه رئيس الدولة الحق في الحكم على دستورية القوانين التي يصدرها البرلمان، وهو الوضع الذي تغير في عام 1982 بعدما طالب البرلمان المنتخب بتعديل الدستور وتقليص صلاحيات الرئيس، وألغى “مجلس الثورة” وحل مكانه “مجلس مدني استشارى” ومحكمة دستورية، وأجريت تعديلات دستورية سمحت للحكومة المنتخبة بإخضاع المؤسسة العسكرية لها كبداية لالتقاط ثمار الديموقراطية.

2- السودان: انتفاضة سوار الذهب 1985

منذ استقلال السودان عام 1956 وحتى تاريخ اليوم وقع في السودان أكثر من 11 انقلابًا أو محاولة انقلاب، وثورتان شعبيتان أطاحتا بحكمين عسكريين قويين. وحكم العسكر منذ الاستقلال 45 عاما على ثلاث فترات انقلابية، مقابل 11 عامًا لحكومات مدنية ديمقراطية لثلاث فترات أيضا. كما حدثت انقلابات أخرى خلال فترات حكم العسكر والمدنيين.

انقلاب أبريل 1985 أو “الانتفاضة الشعبية” كانت أكثرهم تأثيرًا في التاريخ الثوري للسودان وثاني ثورة شعبية تطيح بحكم عسكري تحدث في السودان والعالم العربي وأفريقيا بعد ثورة أكتوبر 1964.

وهناك عوامل عديدة أسهمت في التذمر الشعبي من نظام العقيد جعفر النميري، منها الضائقة الاقتصادية التي أطبقت على البلاد ابتداءً من عام 1979، وتضييقه على الحزب الشيوعي وإعدام رموزه وإعدام من شارك من طلاب الجامعة في الانقلاب عليه، إضافة إلى تأييده اتفاقية كامب ديفد بين مصر وإسرائيل، وتورطه في تهريب اليهود الفلاشا الإثيوبيين إلى إسرائيل سرًّا ولقائه رئيس وزراء إسرائيل آنذاك أرييل شارون في كينيا 1982.

ألقى فقراء المدن الأحجار على موكب النميري أثناء توجهه للمطار يوم 23 مارس 1985 في طريقه إلى أمريكا. وعقب ذلك اشتعلت المظاهرات وهاجم الشباب الغاضب المحلات الفاخرة وحطم السيارات ومباني الأغنياء وتوالت الانتفاضات والعصيان المدني بمشاركة مختلف الطوائف الشعبية من طلبة وأساتذة الجامعات وأطباء ونقابيين وغيرهم، حتى شلت مفاصل الدولة بينما كان النميري يصف ما يحدث بأنه مؤامرة يقودها البعثيون والشيوعيون والإخوان المسلمون فأعلن القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الرحمن سوار الذهب عام 1985 أن القوات المسلحة قررت الاستيلاء على السلطة حقنًا للدماء وحفاظًا على استقلال الوطن ووحدة أراضيه.

كان عبد الرحمن سوار الذهب وقتها وزيرًا لدفاع النميري، وحكم لمدة عام في الفترة الانتقالية وسلم الحكم طواعية بعد انتخابات حرة جاءت بحكومة الصادق المهدي المنتخبة في عام 1986 ثم اعتزل العمل السياسي ليتفرغ لأعمال الدعوة الإسلامية من خلال منظمة الدعوة الإسلامية كأمين عام لمجلس الأمناء.

3- النيجر 2010: انقلاب الجيش ضد بعضه

انقلاب النيجر الأخير هو الانقلاب “القياسي” لكونه الأسرع في التنفيذ بأقل الخسائر والأكثر تأييدًا ودعمًا في صفوف النيجريين، بالمقارنة بالانقلابات السابقة ببلد اليورانيوم.

جرى الانقلاب كعملية عسكرية محدودة لم تستغرق سوى بضع دقائق بعد اجتماع حكومي موسع برئاسة الرئيس النيجري المخلوع مامادو تانجا يوم 18 فبراير 2010، أطلق العقيد دجيبو – قائد الانقلاب – رصاصة واحدة من مسدسه كانت كلمة السر لبدء التحركات، فاقتحم صغار ضباط الجيش مقر رئاسة الجمهورية وأطلقوا النار على من رفض تسليم سلاحه.

في عام 2009 أجرى مامادو تانجا استفتاءً شعبيًّا لتعديل الدستور عبر مواد مطاطة يسمح له بالبقاء في السلطة لما بعد ولايته الدستورية وتعزيز صلاحياته مع توقيعه لصفقات يورانيوم ونفط عالمية مع بعض الدول والعواصم، ومنحها فيها الكثير من الامتيازات بما يتعارض مع حسابات ومصالح بعض القوى الإقليمية والعالمية الأخرى، تحديدًا إيران صاحبة المصلحة الإستراتيجية مع النيجر بسبب مخزونها من اليورانيوم، مما أدخل النيجر بين تكتلين دوليين يتحاربان للهيمنة على موادها الطبيعية “حلف إيراني – صيني، وآخر أمريكي – أوروبي”.

تلاعب مامادو بالإرادة الشعبية، فجمع المواطنين للالتفاف حول انقلاب أعاد السيطرة المدنية بعودة الجيش لثكناته بعد فترة انتقالية قصيرة نسبيا، فأجريت الانتخابات في عام 2011 وأسفرت عن انتخاب زعيم المعارضة مامادو إيسوفو.

بعد الانقلاب والانتخابات، برزت النيجر كحليف ضد تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وحركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا ما رجح أن الصورة كانت لتختلف تماما لولا انقلاب 2010 ، ثالث انقلاب تشهده النيجر منذ التسعينيات.

4- تركيا 1960: العودة للعلمانية فوق ديكتاتور أطلق الرصاص على شعبه

منذ عام 1932 وحتى 1950 حكم حزب الشعب الجمهوري تركيا، فكانت الدولة والحزب شيئًا واحدًا يسيران وفقًا للنظريات الحداثية والعلمانية لمصطفى كمال الدين أتاتورك – مؤسس الحزب – حتى انتقلت الدولة من نظام الحزب الواحد إلى التعددية الحزبية وفاز الحزب الديموقراطي “الشعبوي” بأغلبية ساحقة في برلمان 1950 فشكل الحكومة، لكن قرابة عشرين عاما جعلت رفع يد الحزب الجمهوري عن الجيش والبيروقراطية المدنية شبه مستحيلة.

حكم الحزب الوطني طوال عشر سنوات استبد فيها فور توليه السلطة فسن قوانين لقمع المعارضة السياسية، واستغل الدين للتأثير على الجمهور، وأنشأ لجنة برلمانية من أعضاء الحزب للتحقيق في “أنشطة تخريبية” اتهم بها الأحزاب المعارضة، ما اعتبره أساتذة القانون انتهاكًا للدستور التركي وأثار الاحتجاجات، لكن الحزب الحاكم رد بزيادة صلاحيات اللجنة وأعلن الأحكام العرفية لقمع الاحتجاجات وسمح للجيش بإطلاق الرصاص على المتظاهرين.

انحاز الجيش التركي للشعب ورفض إطلاق الرصاص على المتظاهرين في إسطنبول وانقلب على الحزب الحاكم وأطاح به في 27 مايو 1960، بعد استيلاء القوات المسلحة على السلطة، أصدرت بيانًا أعلنت فيه هدفها من الانقلاب “بإنقاذ الديمقراطية التركية من الوضع المؤسف الذي وصلت إليه”.

بعد قيادته انقلاب تركيا 1960 تولى الجنرال “جمال جورسيل” الحكم حتى 17 شهرًا قبل أن ينقل السلطة لحكومة مدنية منتخبة، أشرك الجيش معه أساتذة الجامعات لصياغة الدستور الجديد وحكموا بشرعية الانقلاب العسكري في العام الأول له، ووقع المجلس العسكري مع قادة الأحزاب السياسية إعلانًا مشتركًا بحماية مبادئ أتاتورك والكف عن استخدام الإسلام كأداة سياسية و الامتناع عن التشكيك في شرعية انقلاب 27 مايو 1960 أو انتقاد نتائج المحاكم العسكرية التي ستقرر مصير رموز النظام السابق والتي انتهت بالحكم عليهم جميعًا بالإعدام في 15 سبتمبر 1960 لاعتزامهم قلب النظام العلماني وتأسيس دولة دينية، لكن وكحال أغلب الانقلابات لم يعد الجيش لثكناته قبل أن يطمئن بفرض رؤيته على الدستور الجديد الذي عرف بدستور 1961 وصدق الشعب عليه بالإيجاب، فأنشأ المحكمة الدستورية التركية وما سمي بـ”مجلس الأمن القومي”، اللذين لعبا دورًا خطيرًا في الحياة السياسية التركية لعشرات السنوات وحتى الآن.

في عام 1961 تم إجراء الانتخابات التشريعية العامة وانتقلت البلاد إلى النظام الديمقراطي مرة أخرى. ولم يسمح الشعب للحزب الجمهوري بالحصول على الأغلبية والتفرد بالسلطة ثانية وحصل حزب العدالة الذي كان يعتبر شبه امتداد للحزب الديمقراطي على أكثر من نصف مقاعد البرلمان.

وهكذا تشكلت أول حكومة ائتلافية في تاريخ تركيا برئاسة عصمت إينونو. كانت النخبة العسكرية التي قامت بالانقلاب ترى في تولي إينونو منصب رئاسة الوزراء ضمانًا لها، ليتولى إينونو هذا المنصب في كافة الحكومات الائتلافية عدا مرة واحدة.

المصادر

تحميل المزيد