أثارت الإجراءات التي يتخذها الإنتربول منذ سنوات تساؤلات المراقبين من كونه بات أداة بيد الدول الاستبدادية لملاحقة خصومها وتنفيذ أجنداتها الخاصة؛ إذ يبدو أن شعار «لعالم أكثر أمانًا» لا يشمل أولئك الذين يجرؤون على الوقوف في وجه حكوماتهم التي خلقت، عبر استغلال الإنتربول، «مناخًا من الخوف» لمعارضيها في الخارج؛ كما يقول جاجو راسل الرئيس التنفيذي لمنظمة «فير ترايلز».

واليوم تتزايد هذه المخاوف مع الأنباء التي تشير إلى النصيب الوافر الذي ينتظر اللواء الإماراتي ناصر أحمد الريسي، المتهم بارتكابه انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في بلاده، لتولي رئاسة المنظمة الدولية، وفقًا لتقرير ديلي تلجراف البريطانية. 

وهذه ليست المرة الأولى التي يقترب فيها شخص تشتهر بلاده بإساءة استخدام الصلاحيات التي يمنحها الإنتربول؛ إذ تصاعدت المخاوف عام 2018 بشأن إمكانية انتخاب الجنرال الروسي ألكسندر بروكوبتشوك رئيسًا للمنظمة، لما عُرف عن روسيا من محاولات قمع وملاحقة مستمرة لمعارضيها في الخارج. 

الأمر، بحسب الناشط الروسي بيل برودر، «أشبه بتكليف ثعلب بحراسة حظيرة دجاج!». إذن، كيف أصبحت هذه المنظمة أداة بيد حكومات القمع؟ وما هي الاختلالات التي تسكن أنظمة الإنتربول؟ 

قمع عابر للحدود.. النشرات الحمراء تصبغ حياة المعارضين 

نشأت فكرة الإنتربول الدولي في بدايات القرن الماضي لتهيئة أرضية تعاون مشتركة بين مؤسسات إنفاذ القانون، كان هدفها الأول مكافحة جرائم تزوير العملات وجوازات السفر وملاحقة السجلات الجنائية والإشراف على طلبات الاعتقال. 

قبل عام 2002، لم تكن مسألة استغلال المنظمة مطروحة على الطاولة؛ إذ كانت المطالبات بإدراج أسماء مطلوبين في قوائمها تجري برمتها على الورق، «فلم تكن المسألة تستحق الاستغلال» كما يرى ثيودور بروموند، كبير الباحثين في مؤسسة هيريتاج فاونديشن. 

إلا أن إدخال نظام اتصالات جديد على شبكة الإنترنت عام 2002 أدى إلى تبسيط عملية تقديم الإشعارات الحمراء (وهي طلب يقدم إلى أجهزة إنفاذ القانون في جميع أنحاء العالم لتحديد مكان المجرم واعتقاله مؤقتًا في انتظار تسليمه أو اتخاذ إجراء قانوني مماثل).

وكذلك الأمر بالنسبة للتنبيهات الدولية وطلبات التعاون التي تسمح لشرطة الدول الأعضاء في الإنتربول بتبادل المعلومات الهامة المتعلقة بالجرائم. تذكر الإحصائيات أن عدد هذه النشرات الحمراء ارتفع من 1418 عام 2001 و1378 عام 2003 إلى 13048 عام 2017 و13377 عام 2019، بينما ارتفعت طلبات التعاون والتنبيهات الدولية من 19338 عام 2015 إلى 26645 عام 2016 لتصل إلى 50530 عام 2017. 

وتذكر منظمة «فير ترايلز» ومقرها المملكة المتحدة، أنه لا توجد معلومات موثقة حول المكان الذي صدرت منه هذه المطالبات، إلا أنها تؤكد وجود مطالبات مقلقة من جميع أنحاء العالم بدءًا من تركيا وآسيا الوسطى إلى جيبوتي وفنزويلا.

(رسم بياني يوضح ارتفاع أعداد الإشعارات الصادرة عن الإنتربول وكذلك تنبيهات دول الأعضاء في الأعوام بين 2003 – 2017) 

جزء من الارتفاع الكبير في أعداد الإشعارات يعود بحسب مراقبين إلى الأحداث الساخنة في الشرق الأوسط، لا سيما سوريا والعراق، والتي أدت إلى سفر المقاتلين الأجانب للمشاركة بالنزاعات المسلحة هناك، إلا أن الأنظمة الاستبدادية وجدت بغيتها في هذه الإشعارات أيضًا لإسكات المعارضة في الخارج عبر مضايقتهم وإرهابهم على بعد آلاف الأميال حتى داخل المجتمعات الحرة والديمقراطية، وإن لم تستطع في نهاية المطاف اعتقالهم. 

يواجه المستهدفون خطر الاعتقال في حال سفرهم كما حدث مع محمد محسوب، وزير الدولة للشؤون القانونية في عهد الرئيس السابق لمصر محمد مرسي، والذي اعتقلته السلطات الإيطالية بسبب مذكرة توقيف من الإنتربول قبل أن تطلق سراحه ليعود إلى مقر إقامته في فرنسا، وكذلك الحال مع لاعب كرة القدم البحريني حكيم العريبي الذي فرّ إلى أستراليا واعتقلته السلطات التايلندية عندما دخل البلاد بموجب مذكرة توقيف من الإنتربول، وظل محتجزًا هناك لمدة شهرين قبل أن تفرج عنه. 

كما يواجه هؤلاء الأشخاص المستهدفون صعوبة في إصدار تأشيرات أو فتح حساب بنكية أو الحصول على وظيفة، إضافة إلى الإساءة لسمعتهم، إذ تستعمل الدول اسم الإنتربول لإيصال رسالة أن الشخص المعني مذنب من وجهة النظر الدولية. 

ليست الدول الكبرى والغنية فقط.. خارطة المطالبات تشمل دولًا عديدة

يحق لأي دولة عضو في الإنتربول الدولي التقدم بطلب إصدار نشرة حمراء، وإن كان دستور المنظمة يمنعها من التدخل في أي نشاط ذي طابع سياسي أو عسكري أو ديني أو عرقي، إلا أن الكم الكبير من الطلبات المقدم من الدول الأعضاء يجعل من الصعب بمكان على المنظمة مراجعة كل هذه الطلبات والتحقق من عدالة مطالبها. 

دولي

منذ 3 أسابيع
إماراتي متهم بالتعذيب قد يرأسه.. ما معايير الترشح لمنصب رئيس «الإنتربول»؟

تمهد هذه السمة الفضفاضة، إضافة إلى سهولة الوصول إلى المعلومات ومشاركتها بين الدول الأعضاء الطريق أمام تسييس ممارسات الإنتربول. هذا ما تؤكده لويز شيلي، الأستاذة بجامعة جورج ميسون في فرجينيا والخبيرة في العدالة الدولية والجريمة العابرة للحدود، قائلة: «يدرك الأشخاص في الإنتربول أن الأمر أصبح مسيّسًا، ولكن لا توجد عملية مناسبة لمراجعة كل الطلبات، إذ بدأ الأمر مع الدول الاستبدادية الصغرى ولكن استخدامه من جانب دول أكبر في تزايد مستمر». 

في عام 2016 على سبيل المثال، حاولت تركيا استصدار 60 ألف مذكرة اعتقال ضد خصوم السلطة بعد محاولة الانقلاب الفاشل في البلاد، وهو رقم أكثر بأربعة أضعاف من الرقم الإجمالي الذي صدر فعليًا في جميع أنحاء العالم في ذلك العام. في حين أصدرت طاجكستان البلد الصغير 2528 نشرة حمراء بما فيها تلك الخاصة بملاحقة زعيم المعارضة محي الدين كبير. 

ورفض الإنتربول طلبًا من المملكة العربية السعودية في يوليو (تموز) الماضي استصدار نشرة حمراء بحق مسؤول المخابرات السابق سعد الجابري الذي يعيش في كندا بعد أن فشلت في إغرائه بالعودة إلى الرياض عبر وعد بمنصب جديد، وفقًا لصحيفة نيويورك تايمز

عربي

منذ شهرين
بحوزته تسجيلات خطيرة.. قصة الجبري الذي يخشى منه ابن سلمان

وجاء الرفض للدوافع السياسية الواضحة التي تقف وراء الطلب وهو أمر منافٍ لقوانين المنظمة، وهو السبب نفسه الذي جعلها ترفض طلبًا تقدمت به إيران لإصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي تتهمه إيران بالوقوف خلف الضربة الجوية في يناير (كانون الثاني) والتي أسفرت عن مقتل القيادي البارز قاسم سليماني. 

وكشف تقرير حصري نشره موقع ميدل إيست آي في أواخر عام 2019 عن استهداف السلطات المصرية لمعارضيها عبر الإنتربول الدولي خاصة المقربين من حزب الرئيس السابق محمد مرسي؛ إذ اعتقلت مجموعات منهم في بلدان مختلفة كالهند وألبانيا وأوكرانيا بموجب نشرات حمراء. 

وأشار التقرير إلى سهولة تقديم طلبات التوقيف هذه وافتقارها للأدوات اللازمة للتأكد من خلو الطلب من الدوافع السياسية، بينما لا تتيح للمتهم الدفاع عن نفسه وإثبات بطلان التهم الموجهة ضده. ناهيك عن صعوبة حذف اسم أي شخص من قائمة النشرات الحمراء والذي قد يستغرق شهورًا وربما سنوات. 

المال لتأمين النفوذ.. الإمارات نموذجًا

إلى جانب السيولة التي يتسم بها نظام الإنتربول، وتسمح باستغلاله لتعزيز استبداد الدول القمعية بمواطنيها، تسلك بعض الدول طريقًا آخر لتأمين النفوذ، وتقزيم الدول الأخرى من أجل تحقيق أجنداتها المستترة بغطاء القانون والنظام الدولي. 

في الندوة التي عقدتها المنظمة العربية لحقوق الإنسان في المملكة المتحدة عام 2018 تحت عنوان: «الإمارات العربية المتحدة والإنتربول.. السياسة والإجراءات وانعدام الشفافية»، أشار المحامي ريس ديفز إلى أن الإمارات وعلى الرغم من صغر حجمها إلا أنها من أكبر الجهات المانحة للإنتربول إذ تقدم مبالغ مختلفة كل عام كان آخرها 50 مليون يورو قدمتها عام 2017، وهي مساهمة تقزّم كل ما تقدمه الدول الأخرى في محاولة منها لممارسة نفوذها عبر القنوات غير الرسمية وإضفاء الشرعية على النشرات الحمراء التي تستصدرها. 

في حين ركّز المحامي مالكوم هوكس على العلاقات التجارية التي تربط الإمارات بالمملكة المتحدة؛ إذ هي ثالث أكبر سوق تصدير للمملكة المتحدة خارج الاتحاد الأوروبي الأمر الذي يخلق تصورًا بأن الاقتصاد أهم من حقوق الإنسان. 

ويقترب اليوم ممثل الإمارات اللواء ناصر أحمد السيري من رئاسة المنظمة، الأمر الذي يثير قلق المدافعين عن حقوق الإنسان حول العالم والملاحقين من جانب النظام الإماراتي على حد سواء، كما يفتح باب الأسئلة مشرعًا عن مدى استقلالية المنظمة الدولية. 

حقوق إنسان

منذ 3 أسابيع
«ميدل إيست آي»: متهم بتعذيب بريطانيين! تعرّف على مرشح الإمارات لرئاسة الإنتربول

وبعدما كانت المنظمة تتلقى الدعم المالي من الولايات المتحدة وفرنسا فقط، فإنها اليوم تتلقى مزيدًا من الأموال من دول وكيانات مثل الإمارات والفيفا واللجنة الأولمبية الدولية وشركة الأمن السيبراني الروسية كاسبرسكي لابس؛ وهو ما يقلص النفوذ الغربي على ميزانية الإنتربول، وفقًا لتيد بروموند الخبير في الإنتربول والزميل الأقدم في مؤسسة هيريتاج فاونديشن، ويمنح في الوقت ذاته نفوذًا أكبر للمستبدين في هذه المنطقة المحمومة من العالم. 

محاولات إصلاح لا تنبئ بالكثير

يقول جوناثان رايش المحامي المدافع عن منشقين روس أن الإنتربول أصبح مثالًا لانهيار المؤسسات متعددة الأطراف إذ لم تقدم المنظمة ضمانات وآليات تمنع استغلالها من جانب الممثلين السيئين؛ وعليه «فعندما تفتح لهم الباب، فلا شيء يمنعهم من تسميم البئر». 

ومنذ أن بدأت منظمات مثل فير ترايلز ومنظمات أخرى عام 2012 بتسليط الضوء على ممارسات الدول القمعية التي تستغل عضويتها في الإنتربول، بدأت المنظمة باتخاذ سلسلة إصلاحات بدأتها عام 2015، إذ أعلن الإنتربول عن إخضاع النشرات الحمراء للمزيد من التدقيق بحيث لا تُنشر إلا بعد مراجعة رسمية. وأدخلت المنظمة هيكلية جديدة وافقت عليها الجمعية العامة عام 2016 ودخلت حيز التنفيذ العام التالي لضمان سلامة آليات الإنتربول في معاملة المعلومات، لا سيما النشرات الحمراء والتعاميم. 

تقول منظمة فير ترايلز إن بين 30 -40 شخصًا يشاركون في مراجعة النشرات ومذكرات التوقيف ولكن ليس هناك معلومات كافية عن آلية إجراء هذه المراجعة أو مدى قدرتها على التعامل مع آلاف النشرات الصادرة كل عام. 

الغموض والافتقار للمساءلة لا يزال يكتنف المنظمة، إذ حلّ الإنتربول في المرتبة الأخيرة ضمن الكيانات العشر التي شملها تقرير المساءلة العالمية الصادر عن «ون وورد ترست» 2007 ضمن فئة المنظمات الحكومية الدولية؛ أي في درجة أقل من بعض المنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الأفريقي.

مصير مجهول ينتظر النشطاء السلميين في العالم

في ظل عدم كفاية الإجراءات التي تتخذها المنظمة الدولية للشرطة، ومع سخونة الأحداث الجارية في العالم والشرق الأوسط بلا شك، يبدو أن مصير النشطاء في أنحاء العالم سيبقى معلقًا بيد أنظمة لا تتقن سوى فن تكميم الأفواه، ومنظمات لا تملك الاستقلالية الكافية والردع اللازم لتلك الأنظمة المستبدة دون حلول حقيقية وعدالة مستحقة تلوح في الأفق.

المصادر

تحميل المزيد