في أوائل الشهر الجاري؛ وبعد انقضاء ما يقارب الثلاثة شهور من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن عقوبات اقتصادية أمريكية تجاه طهران؛ دخلت هذه الإجراءات حيّز التنفيذ في مرحلتها الأولى، بينما يُنتظر دخول المرحلة الثانية منها في نوفمبر (تشرين الثاني)، والتي تشمل فرض عقوبات على الدول التي تستورد النفط الإيراني بدءًا من الرابع من نوفمبر 2018.

يحاول التقرير التالي التعرف على قائمة الدول التي لم تعبأ بعقوبات ترامب، وأعلنت استمرارها في استيراد النفط الإيراني، دون النظر لتهديدات واشنطن، كما نرسم أوجه التباين بين هذه العقوبات ومثيلاتها التي فرضتها دول الاتحاد الأوروبي وأمريكا على طهران في عام 2011.

ليست المرة الأولى.. فعلتها أمريكا وأوروبا في عام 2011

لا يعد التلويح بالعقوبات الأمريكية حيال أي دولة تستورد النفط الإيراني أمرًا جديدًا؛ إذ سبق لواشنطن فرض عقوبات مماثلة على طهران خلال ولاية الرئيس الإيراني أحمدي نجاد؛ وذلك على خلفية استئنافه برنامج بلاده النووي، وذلك قبل توقيع الاتفاق النووي مع الدول الغربية وأمريكا والذي أُلغيت بموجبه هذه العقوبات.

Embed from Getty Images

 

لم تكن العقوبات آنذاك مقتصرة على أمريكا فحسب، بل شملت كذلك عقوبات من جانب الأمم المتحدة والدول الأوروبية بعدما حظر الاتحاد الأوروبي عملية استيراد النفط الخام الإيراني وشرائه ونقله، والذي كان يمثل حتى ذلك الوقت ما يقرب من 20% من صادرات إيران من النفط وذلك في في يوليو (تموز) عام 2012.

 

كان الأثر البالغ لهذه العقوبات آنذاك هو الصعوبات الكبيرة التي وجدتها طهران في بيع نحو ربع إنتاجها من النفط الذي قُدر بحوالي 500 ألف برميل يوميًا، وهو ما يمثل 23% من صادراتها، ما أدّى إلى بلوغ صادرات إيران من النفط أدنى مستوياتها، إلى جانب انخفاض قيمة الريال الإيراني أيضًا إلى مستوى قياسي مقارنة بالدولار الأمريكي.

وقُدر حجم خسائر إيران من انخفاض عائدات صادرات النفط نحو 160 مليار دولار بين عامي 2012 و2016. كما تسببت هذه العقوبات بآثار كبيرة من قدرة طهران على بيع نفطها؛ إذ عجزت عن بيع نحو ربع إنتاجها من النفط أي حوالي 500 ألف برميل يوميًّا، وهو ما يمثل 23% من صادراتها.

 

التباين الوحيد للعقوبات التي فرضتها أمريكا في العام 2011 والمرحلة الحالية، هو دعم أوروبا للعقوبات الأولى على خلاف هذه المرة، إذ أعلن الاتحاد الأوروبي دعم الاتفاق النووي مع إيران، وقال إنه سيحمي الشركات التي تجري تعاملات تجارية مشروعة مع طهران في دلالة رمزية عن موقف الدول الأوروبية.

لم تقف إيران صامتة أمام هذه العقوبات في المرة الأولى؛ وسعت للتحايل عليها عبر بيع أكبر قدرٍ ممكن من النفط في أعالي البحار أو في بعض الموانئ بعيدًا عن الرّقابة الدوليّة، ودعم تجار ورجال أعمال قريبين من السلطات الإيرانية لاستيراد كافة متطلباتهم في مصانعهم بوثائق وفواتير مزورة، وعن طريق دول وسيطة، تتمتع بعلاقات وثيقة لنقلها إلى طهران، مما خفف أثر هذه العقوبات.

كان الحصار الاقتصادي والمالي المفروض من جانب أوروبا وأمريكا هذه المرة أشد على الاقتصاد الإيراني؛ بعدما أدى إلى تعّمق العجز الاقتصادي الداخلي وفقد الرّيال الإيرانيّ نحو 80% من قيمته أمام الدولار الأمريكيّ، إلا أن طهران نجحت كذلك في تجاوز هذه الأزمة، والصمود أمام هذه الخسائر الكبيرة على الأقل على مستوى تماسك السلطة السياسي.

وتُشير قائمة مستوردي النفط من إيران بالترتيب لكُل من الصين والهند والاتحاد الأوروبي وتركيا واليابان وكوريا الجنوبية، جنبًا لدول أخرى تشتري كميات ضئيلة مثل روسيا والنظام السوري.

ويعزز موقف الاتحاد الأوروبي من عدم توافقه مع العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران من استمرارية أربع دول أوروبية في  استيراد النفط الإيراني، وهي إيطاليا (180 ألف برميل)، وفرنسا (110 آلاف برميل)، واليونان (100 ألف برميل)، وإسبانيا (70 ألف برميل).

لكن هذه الاستمرارية المحتملة تقف أمامها صعوبات تحول دون ذلك؛ بعدما انسحبت كبرى الشركات الأُوروبيّة العِملاقة مِثل «توتال» الفرنسيّة النفطيّة، وذلك تجنبًا للعقوبات الأمريكية، خصوصًا أن حجم استثماراتها في الأسواق الأمريكية أكبر منها في الإيرانية.

 

دليلك المبسط لفهم العقوبات الأمريكية الجديدة على إيران 

قائمة أبرز الدول التي لم تلتزم بالعقوبات الأمريكية على إيران

1-الصين.. أكبر مشترٍ للنفط الإيراني

تُعد الصين أكبر مشتر للنفط الإيراني، إذ قُدر حجم ما استوردته الصين من إيران نحو 623 ألف برميل يوميًا من النفط في المتوسط، وذلك في عام 2017.

Embed from Getty Images

 

لم يقف الأمر عند استمرار الصين في استيراد النفط الإيراني فحسب؛ بل سعت كذلك للاستحواذ على حصص الشركات العالية التي خرجت من سوق النفط الإيراني تحت ضغط العقوبات الأمريكية. واحدة من هذه الاستحواذات تمثلت في شراء شركة شرمي «سي.إن.بي.سي» الصينية على حصة «توتال» الفرنسية في مشروع حقل غاز بارس الجنوبي الإيراني، أكبر حقل غاز في العالم، بعدما خرجت بشكل رسمي من أكبر مشاريعها الاستثمارية في إيران، تحت ضغط العقوبات الأمريكية، والذي قدرت قيمته نحو 4.8 مليارات دولار.

كما تحركت الصين بشكل أكثر فاعلية للتحايل على العقوبات الأمريكية وإيجاد بديل للناقلات التي رفضت نقل النفط إلى الصين؛ لتبدأ الصين في تحويل شحناتها من النفط الإيراني إلى سفن مملوكة لشركة الناقلات الوطنية الإيرانية لنقل جميع وارداتهم تقريبًا، بديلًا لناقلات النفط الأجنبية التي قرر مالكوها رفض التعامل مع النفط الإيراني.

 

وحسب مسئول صيني في قطاع النفط لرويترز، فإن شركتي تشوهاي تشنرونغ كورب ومجموعة سينوبك، أكبر شركة تكرير في آسيا، سعت للتغلب على انسحاب الشركات المالكة لناقلات النفط الإيراني إلى الصين بتفعيل بند في اتفاقيات التوريد الطويل الأجل المبرمة مع شركة النفط الوطنية الإيرانية يسمح لهما باستخدام ناقلات تشغلها الشركة الإيرانية.

 

ولا يُعد عدم التجاوب الصيني مع التهديدات الأمريكية أمرًا جديدًا؛ إذ سبق لبكين عدم إيلاء أهمية للعقوبات الأمريكية على إيران قبل توقيع الاتفاق النووي وذلك في عام 2011؛ بعدما امتنعت عن تخفيض وارداتها من النفط الايراني، وتحايلت على صعوبة عملية الدفع بالدولار نتيجة لهذه العقوبات عبر شراء الخام الإيراني باليوان الصيني.

يُذكر أن العقوبات التي فرضتها أمريكا على طهران في العام 2011 جعلت استقبال إيران لعوائد تصدير النفط بالدولار أمرًا شديد الصعوبة خصوصًا للدول التي لم تجد بديلًا عن الدفع بالدولار كحال الصين.

 

 

«فورين بوليسي»: من هو الرجل الغامض الذي يتحكم فعلًا في سياسة إيران الخارجية؟

 

2-عُمان.. الدولة الخليجية الوحيدة التي تستورد النفط الإيراني

من بين كافة الدول الخليجية التي رحّبت بعقوبات الرئيس الأمريكي تجاه إيران، وأيّدت القرارات الخاصة بفرض عقوبات على أي دولة تستورد النفط من طهران، بقيت عُمان الاستثناء الوحيد الذي لم يعلن رسميًا إيقاف استيراد النفط؛ إذ تُعد واحدة من الدول المستوردة للنفط من إيران، كما أنّ هنالك مشاريع ضخمة بشأن نقل الغاز الطبيعي من إيران لمسقط.

Embed from Getty Images

 

وبدأت عُمان استيراد الغاز الطبيعي من إيران في مارس (آذار) 2014، حين وقّعت الدولتان اتفاقيةً اقتصاديةً مهمة خلال زيارة الرئيس حسن روحاني إلى مسقط، والتي جرى بموجبها شروع طهران في تصدير نحو 350 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا إلى عمان بدايةً من عام 2015، وتستمر لمدة 25 عامًا من خلال خط أنابيب استراتيجي يبلغ طوله 420 ميلًا يمر أسفل الخليج العربي بقيمة تُقدر بحوالي 60 مليار دولار.

ويُحقق هذا المشروع أهمية كُبرى لكلا البلدين؛ إذ يتحقق لمسقط من هذه الاتفاقية تأمين حصتها من الغاز الطبيعي مقارنة ببقية الدول المحاذية لها، فضلًا عن أهميته المُضاعفة لإيران من خلال إعادة تصدير الغاز الذي سيتحول جزء منه إلى دول ثانية.

وتعتقد وجهات نظر بحثية أن عمان لن تجمد علاقاتها مع إيران المتضمنة استيرادها للنفط؛ لاعتبارات تاريخية وسياسية ودينية تجمع البلدين منذ عشرات السنوات؛ وتحاول عبر صيغة جديدة تسويق علاقاتها مع إيران خصوصًا لأوروبا ودوائر أمريكية فاعلة مثل الدوائر الاستخباراتية والأمنية.

 

يعزز ذلك عدم خروج تصريح رسمي من جانب مسئولي السلطنة بالإذعان لقرارات الرئيس الأمريكي؛ فهي التزمت الصمت تجاه هذه الفرمانات، مع التزامها باستمرار التعاون مع حليفتها السياسية، والتي تأكدت من واقع اجتماعات مشتركة بين مسئولي البلدين من أجل تعزيز التعاون الاقتصادي والعسكري، غير عابئين بتهديدات ترامب التي لوح بها أكثر من مرة.

 

 

«مدافع آية الله» ما تزال صامدة.. لماذا لم يسقط النظام في إيران منذ 40 عامًا؟

 

3-تركيا.. وسيط إيران في التخفيف من العقوبات

تبرز تركيا ضمن قائمة الدول التي تجاهلت عقوبات الرئيس الأمريكي تجاه أي مستورد للنفط الإيراني؛ إذ أعلن وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو أن بلاده لن تقطع علاقاتها التجارية مع إيران بإيعاز من دولة أخرى. كما أفاد وزير الاقتصاد نهاد زيبكجي بأن المطالب الأمريكية بوقف التجارة النفطية مع إيران ليست ملزمة لتركيا.

Embed from Getty Images

 

وتُشير البيانات الرسمية إلى أن أنقرة اشترت في الأشهر الأربعة الأولى من العام أكثر من 3 ملايين طن من النفط من إيران، أي 55% تقريبًا من إجمالي وارداتها من الخام.

ويَبلُغ حجم التبادل التجاري بين البَلدين حوالي 11 مِليار دولار سَنويًّا، وجرى الاتِّفاق على رَفعِه إلى 35 مليار دولار في السنوات الأربَع القادِمة. وعزز من هذا الرفض التصعيد السياسي بين أمريكا وتركيا الشهر الجاري، وذلك على خلفية رفض أردوغان الإفراج عن القس الأمريكي برونسون الذي يحاكم بتهمة إقامة صلات مع منظمات إرهابية منذ عامين.

ويُرجح أن تكون تركيا هي أحد المنافذ الاقتصادية لإيران للتحايل على العقوبات الأمريكية، وذلك من خلال وساطتها للعمليات التجارية أو من خلال رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين الفترة المقبلة.

وسبق لتركيا خرق العقوبات المفروضة علي إيران من جانب الأمم المتحدة، عبر بيع منتجات وتكنولوجيا لها صلة بتطوير البرامج النووية، فضلًا عن استخدام إيران المصرف الحكومي التركي «خلق بنك» في تعاملاتها التجارية.

يعزّز هذا الموقف التركي تجاه إيران التقاطع في المواقف في أكثر من قضية مثل الترتيبات المتعلقة بالوضع في سوريا، والموقف شبه الموحد من الأزمة الخليجية الأخيرة، خصوصًا مع تباعد تركيا عن السعودية، وارتفاع حجم التبادل التجاري بين الجانبين.

 

«مصائب قوم عند قوم فوائد».. كيف استفاد العراقيون من عقوبات واشنطن على إيران؟

 

المصادر

تحميل المزيد