بلدٌ بحكومتين .. وإلى إشعار آخر في ظل اتساع رقعة الفوضى وتعقيد الوضع! لا تستغربوا، الأمر يتعلق بليبيا التي حُكمت لأزيد من عقدين من الزمن من طرف ديكتاتور اسمه معمر القذافي لم يكن يرى في كل الأنظمة السياسة القائمة ما يصلح لأن يطبقه في بلاده، فانبرى يضع نظامًا أطلق عليه اسم “الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى”، يؤطرها دستورٌ “أخضر” كان يحوي بين صفحاته من الضحك والسخرية أكثر مما يضم أفكارًا دستورية وقانونية جدية.

حكومتان !

عبد الله الثني رفض تسليم السلطة لأنه رأى طريقة تعيين خلفه معيتيق غير قانونية

اليوم الشعب الليبي وربما ساسته فقط يؤكدون للعالم أنهم يعجزون، على الأقل إلى اليوم وبعد مرور أزيد من ثلاث سنوات على ثورتهم، على أن يمضوا قُدما ببلادهم إلى جو الديمقراطية البعيدة عن الأنانية السياسية العقيمة والعصبية القبلية المقيتة والهواجس الشخصية المرضية الخبيثة، التي سكنت رجلا مثل القذافي طيلة أربعة عقود ولم تؤد إلا إلى بلد عديم المؤسسات رغم أنه يزخر بالثروات الطبيعية، ورغم أنه كان ذات يوم قادرًا على إنجاب رجال من حجم ونوعية المناضل عمر المختار الذي قهر الاستعمار الإيطالي ذات أيام!

رئيس الحكومة الليبية المؤقت، عبد الله الثني، يرفض تسليم السلطة لرئيس الوزراء الجديد المنتخب أو بالأحرى المعين من طرف المؤتمر الوطني العام في جلسة صاخبة ولقيت الكثير من الانتقاد، أحمد معيتيق؛ وشكك الثني في شرعية انتخاب معيتيق، وطالب المؤتمر الوطني العام (البرلمان) بحل ما سماها “الأزمة السياسية” التي تعصف بالبلاد. والتي جعلت وزارة العدل الليبية هي الأخرى أيضًا تعتبر انتخاب أحمد معيتيق غير قانوني.

رئيس الوزراء المعين أحمد معيتيق يتهمه معارضوه بقربه من الإسلاميين

الثني قال، في مؤتمر صحفي، إن رئيس البرلمان طلب منه تسليم السلطة غير أن النائب الأول للبرلمان أمره بالبقاء في منصبه. واعتبرت فصائل مسلحة متصارعة أيضًا انتخاب معيتيق غير شرعي. وبعد تعيينه مباشرة، في الأسبوع الماضي، هاجم مسلحون موالون للجنرال المتقاعد خليفة حفتر مقر البرلمان لمطالبة النواب بتسليم السلطة للجنة من القضاة لحين إجراء الانتخابات لاحقًا.

عبد الله الثني دعا أعضاء البرلمان إلى بحث الخلاف بينهم وتنحية مصالحهم جانبًا وإعطاء الأولوية لمصالح البلاد لتجنب إراقة الدماء.

ولكن السؤال المطروح هو هل تجد مثل دعوات الثّنِي وغيره التي تحض الأطراف بليبيا إلى التهدئة، من يُعر لها أدنى اهتمام؟

صوتُ الرصاص أقوى

مجموعة من ثوار ليبيا (أرشيفية)

ويبدو أن ليبيا اليوم تعلو فيها لعلعة الرصاص في الأجواء أكثر من أي شيء آخر، في ظل استمرار تقدّم قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وخروج قادة “أنصار الشريعة” المتشددة والتي تعتبر هدفاً رئيسًا لفوهات بنادق حفتر بتصريحات تحذر من أي تدخل أجنبي في ليبيا وتتوعد “حليف الغرب” و”أحد أذناب” النظام السابق، في إشارة إلى حفتر، بهزيمته واندحاره.

في ظل هذه التطورات أعرب وزراء خارجية دول الجوار مع ليبيا وهي الجزائر وتونس والنيجر وتشاد والسودان ومصر، المجتمعين في الجزائر، بحر الأسبوع، عن “قلقهم العميق” إزاء تطورات الوضع الأمني في هذا البلد، كما جاء في بيان توج لقاء لدول الجوار على هامش الاجتماع الوزاري لدول حركة عدم الانحياز في الجزائر.

الجماعات المتشددة كانت السبب الرئيسي وراء انتشار السلاح والفوضى في ليبيا

وذكر البيان الذي نشرت مضمونه وكالة الأنباء الجزائرية أن المشاركين “أعربوا عن قلقهم العميق إزاء التطورات التي تشهدها ليبيا وتداعياتها على أمنها واستقرارها وتأثيرها المباشر على دول الجوار”، مؤكدين “تضامنهم الكامل مع الشعب الليبي الشقيق” و”على الحفاظ على سيادة ليبيا واستقلالها ووحدة أراضيها”، و”رفض أي تدخل في شؤونها الداخلية”.

ودعا هؤلاء جميع الأطراف والقوى الفاعلة الليبية إلى “وقف أعمال العنف بكل أشكاله والاحتكام إلى الحوار (…) والتصدي لكل أشكال المحاولات التي تستهدف زعزعة استقرار ليبيا، وتهديد أمن دول الجوار والمنطقة”.

طرابلس!

هذا الوضع جعل العديد من الدول تعبر عن خشيتها من تزايد تدهور الأوضاع، وهو ما كان سببًا كافيًا لعديد من الدول إلى الإسراع بإجلاء رعاياها من هذه البلاد، لاسيما بعد تقدّم قوات حفتر وبدء الحديث عن أن طرابلس باتت هدفه المقبل، في ظل خروج مظاهرات مؤيدة لعمليته بالعاصمة.

اللواء خليفة حفتر بدأ حملته على الإرهاب وعينه الآن على طرابلس

إلى ذلك وفي الوقت الذي حركت فيه بارجة من بوارجها الحربية على السواحل المقابلة لليبيا استعدادًا لأي إجلاء محتمل لرعاياها بهذا البلد، أبدت الولايات المتحدة الأمريكية ما يشبه “التحفظ” إزاء ما يجري في ليبيا؛ ونقلت شبكة “سي.إن.إن” الإخبارية الأميركية، عن الناطقة باسم الخارجية، جين بساكي، قولها “نحن لا نعلق على الدول والأماكن التي كان الناس يعيشون فيها، ولكن بالنسبة إلى الوضع على الأرض يمكننا القول إننا نرقب الأحداث عن كثب، وهناك الكثير من التحديات التي تواجه ليبيا ولا يمكن تجاوزها من دون الحوار والعمل المشترك”.

وحول ما إذا كانت أمريكا تدين تحركات حفتر، قالت بساكي “نحن ندين العنف من أي طرف كان، ولا نعتقد أنه الطريقة المثلى لحل الخلافات”، ولدى سؤالها عما إذا كانت أعماله تمثل انقلابًا عسكريًا، قالت “نحن لسنا على اتصال بحفتر ولا يمكننا دعم أو إدانة ما يجري على الأرض، كما أننا لم نتدخل أو نساعد في ما يحصل ونناشد جميع الأطراف الابتعاد عن العنف.

ومهما تكن المواقف الدولية ومواقف دول الجوار التي في الغالب تتراوح ما بين التحفظ وبين إبداء التخوف من جر المنطقة برمتها إلى الفوضى، فإن المؤكد هو أن أي انفراج في الساحة الليبية بات ليس سهل المنال، على الأقل في الأفق القريب. ويبدو أن أبناء وأحفاد عمر المختار يلزمهم وقت ليس بيسير لكي يتخلوا عن الأنانية والعصبية والوصولية التي اغتصبت منهم البلد لأزيد من أربعة عقود.

عرض التعليقات
تحميل المزيد