شهد العالم في العقد الأخير الكثير من المحاولات الانقلابية للسيطرة على السلطة في العديد من البلدان، بعضها تكلَّل بالنجاح، ومن آخرهم انقلاب مالي عام 2020، وميانمار في فبراير (شباط) 2021، والملاحظ أن هذه الانقلابات والمحاولات الانقلابية تحدث في البلدان التي ليس لها ماضٍ عميق مع الممارسة الديمقراطية، في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، أو تلك التي تشهد انتقالًا ديمقراطيًّا لم تُثبَّت أركانه بعد، في الوقت الذي تمتلك فيه المؤسسات العسكرية سلطات واسعة في هذه البلدان.

وتملك الدول الديمقراطية آليات مؤسساتية من أجل ضمان عدم حدوث انقلابات على السلطة المنتخبة، مثل الرقابة على الأجهزة الأمنية، وضمان التحكُّم الديمقراطي في القوات المسلَّحة، وأولوية المدنيين المنتخبين على العسكريين التنفيذيين. لكن السؤال الذي قد يُطرح: هل شهدت الدول الديمقراطية محاولات انقلابية جدية في تاريخها؟ في هذا التقرير نتطرَّق إلى ثلاثة نماذج لمحاولات انقلابية منسية في بلدان ديمقراطية خلال القرن الماضي.  

1- بريطانيا.. أقدم ديمقراطية في العالم مهددة بانقلاب مخابراتي!

في السادس عشر من مارس (آذار) 1976، أعلن رئيس الوزراء البريطاني استقالته من منصبه، بعد مسيرة طويلة ما بين 1964 و1970، ثم العودة مجددًا ما بين 1974 و1976، وبعدها بأشهر قليلة، وخلال لقائه مع مجموعة من الصحافيين، قدَّم تصريحه المثير للجدل، متهمًا الأجهزة الأمنية بالعمل ضد الحكومة المنتخبة، وقد أشار ويلسون في لقائه مع الصحافيين البريطانيين إلى وجود مؤامرة للانقلاب على حكومته المنتخبة، وأن عناصر داخل المخابرات البريطانية «MI5» كانت تملك خطَّة لإطاحته، وقد أثارت هذه التصريحات الصادمة جدلًا كبيرًا في المجتمع البريطاني، ولا تزال مثار جدل عميق بين المؤرِّخين، وقد اتُّهم رئيس الوزراء حينها بالبارانويا والخرف؛ ووصفت تصريحاته بأنها مجرَّد مبالغات أو نظريات مؤامرة.  

 هارولد ويلسون 

لكن تفاصيل هذه المؤامرة المزعومة بدأت تتَّضح بعدها بسنوات، من خلال مذكِّرات ضباط المخابرات السابقين وتصريحات مسؤولين أمنيين، إذ تأكَّد أن الشكوك بدأت تحوم حول ويلسون من طرف مجموعة داخل المخابرات البريطانية، بسبب رحلاته المتكررة إلى بلدان المعسكر الشرقي خلال الأربعينيات والخمسينيات، بالإضافة إلى علاقاته مع رجال أعمال من المعسكر ذاته، كما أن منشقًّا من الاتحاد السوفيتي أخبر نظراءه البريطانيين بأن ويلسون «جاسوس سوفيتي»، وأن سلفه في قيادة حزب العمَّال، هيو جاتسكيل، قد جرى اغتياله من أجل إفساح المجال لويلسون للوصول إلى قيادة الحزب، ثم رئاسة الوزراء.

وفي سنة 1975 جرى استدعاء مدير المخابرات «MI5» من أجل الشهادة حول شكوك رئيس الوزراء ويلسون؛ واعترف بأن هنالك «مجموعة صغيرة من أعضاء داخل الجهاز الأمني الذين كانوا مقتنعين بأن هنالك خلية شيوعية في مكتب رئيس الوزراء، لكنَّه أكَّد لويلسون أن هذه المجموعة (تحت السيطرة)» حسب السيرة الذاتية التي حرَّرها المؤرخ بين بيملوت. 

مذكِّرات بيتر رايت، الضابط السابق في المخابرات البريطانية التي عنونها بـ«صائد الجواسيس»، والتي بيعت منها ملايين النسخ، أثارت المزيد من علامات الاستفهام حول مخطَّط الانقلاب الذي تحدث عنه ويلسون، إذ أكَّد بأن رئيس الوزراء السابق كان ضحيَّة لمؤامرة من طرف جناح متمرِّد داخل الأجهزة الأمنية، عملوا على هز استقرار حكومته وإخراجه من السلطة، وذلك بسبب تخوُّف هذه الأجهزة، بالإضافة إلى المخابرات الأمريكية «سي آي إيه» من أن يكون ويلسون «عميلًا سوفيتيًّا» بسبب سياساته اليساريَّة، أو تكون له ارتباطات مع المخابرات السوفيتية «كي جي بي».

وبسبب هذه الشكوك، عملت المخابرات البريطانية «أم 15» على التجسس على جميع مساعديه، كما أطلقت حملة إعلامية لتشويه صورته في وسائل الإعلام، ومن ضمن هذا التشويه كان اتهامه بأنَّه متعاطف مع «الجيش الإيرلندي الجمهوري».

في ظل المدِّ اليساري الذي اجتاح بريطانيا في تلك الفترة، والأزمة الاقتصادية الخانقة التي كانت تعانيها من جرَّاء التضخُّم وارتفاع الضرائب؛ اجتمع مسؤولون أمنيون متقاعدون وعسكريُّون بريطانيُّون من أجل التخطيط لانقلاب ضد حكومة ويلسون وإزاحته عن السلطة بالقوَّة، وذلك من خلال السيطرة على مطار هيثرو الدولي بالعاصمة لندن، بالإضافة إلى إذاعة «بي بي سي»، وتنصيب اللورد ماونتباتن رئيسًا مؤقتًا للوزراء، على أن تقرأ الملكة خطابًا للشعب تدعوه إلى دعم القوَّات المسلحة.

فترة السبعينيات سادها جوٌّ من المؤامرات والخطط داخل الأجهزة الأمنية البريطانية من أجل إطاحة الحكومة المنتخبة، بسبب تخوُّف العسكريين من مدِّ الأيديولوجيا اليسارية داخل النقابات العمَّالية، وتعاطف الكثير من قياداتها مع الاتحاد السوفيتي، وقد صرَّح مسؤولون عسكريون في وثائقي لـ«بي بي سي» سنة 2006 بعنوان «المؤامرة ضد ويلسون» عن أطروحات حقيقية داخل الأجهزة الأمنية من أجل السيطرة على السلطة. 

كان رئيس الوزراء البريطاني مقتنعًا أن الأجهزة الأمنية تتجسَّس عليه وعلى مساعديه المقرَّبين، أما أخطر الشواهد حسب تصريح مساعدته الشخصية البارونة فالكندر، فهو تمرين للجيش البريطاني في مطار هيثرو الدولي، والذي عدَّ «إمَّا محاولة انقلابية أو فردًا للعضلات» موجَّهًا ضد رئيس الوزراء بشكل مباشر.

هل شهدت «أقدم ديمقراطية في العالم» محاولة انقلابية من داخل الأجهزة الأمنية؟ إلى الآن لا تزال تصريحات رئيس الوزراء السابق تثير الكثير من الحيرة لدى المؤرخين، بين من يقلِّل من شأنها ويعدها مجرَّد مؤامرات وحتى «بارانويا» من طرف رئيس الوزراء السابق، وآخرون يعدون أن هنالك أدلَّة متناثرة وتصريحات من مسؤولين عسكريين سابقين ترجِّح أن هنالك مخطَّطًا حقيقيًّا، كان يجري في الخفاء، لكن حجمه ومدى جديَّة أصحابه أو قدرتهم على تنفيذ هذا المخطط تبقى محلَّ أخذٍ وردٍّ. 

2- الانقلابيون يسيطرون على الإذاعة في الجزائر.. انقلاب فرنسا

في سنة 1961 كانت قد مرَّت أكثر من ستِّ سنوات على انطلاق الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، وبدا من الواضح أن الثورة في طريقها للانتصار وافتكاك الاستقلال من فرنسا، فعلى المستوى الداخلي، انتشرت الثورة وحصلت على دعم شعبي منقطع النظير، وبدا من الواضح أن شعبية «جبهة التحرير الوطني» لا ينازعها فيها أحد، أما على الصعيد الدولي فقد اكتسبت القضية الجزائرية دعمًا منقطع النظير أيضًا، سواء من طرف الدول العربية أم بلدان ما يسمى بـ«كتلة عدم الانحياز».

الداخل الفرنسي أيضًا كان يشهد غليانًا غير مسبوق بسبب القضية الجزائرية، فقد كانت العاصمة باريس تشهد فوضى أمنية بسبب دعم الجالية الجزائرية لجبهة التحرير الوطني، التي نجحت في القيام بعمليات عسكرية في الداخل الفرنسي، واستطاعت القضية الجزائرية أن تحصل على تأييد مثقفين فرنسيين من ذوي الأسماء الثقيلة، مثل فيلسوف الوجودية جون بول سارتر وغيره. 

 الرئيس الفرنسي ديجول 

كما أن وصول الجنرال ديجول إلى السلطة واقتناعه بأن لا مستقبل للاستعمار الفرنسي في الجزائر، خصوصًا في ظلِّ موجة التحرُّر التي تشهدها أفريقيا والعالم، ودخول الفرنسيين في مفاوضات مع «جبهة التحرير الوطني»؛ كل هذا أثار سخطًا عارمًا في أوساط المعمِّرين والجنرالات العسكريين في الجزائر، خصوصًا وأنَّ خروج الاستعمار يعني خسارتهم لأملاك وثروات توارثوها منذ 132 سنة.

هذا السخط من خسارة الجزائر حفَّز مجموعة من الجنرالات في الجيش الفرنسي للقيام بانقلاب عسكري من أجل منع استقلال الجزائر، وقد كانت دوافع الانقلاب مختلطة بمشاعر الغضب من تراجع نفوذ «الإمبراطورية الفرنسية» التي خسرت حرب الهند الصينية بهزيمة ساحقة، ثم ها هي تخسر مجدَّدًا الجزائر، بعد اعتراف ديجول بحق الجزائريين في تقرير مصيرهم.  

وبتاريخ الحادي والعشرين من أبريل (نيسان) 1961، استهلَّ أربعة جنرالات فرنسيين: موريس شال، وإدمون جوهو، وأندريه زيلر، وراؤول سالان انقلابهم العسكري ضد سلطة ديجول في الجزائر، فسيطروا من خلال القوَّات الخاصة والمظليين على الجزائر العاصمة، وكان من المقرَّر أن تسيطر مجموعة أخرى على السلطة في باريس بقيادة أنتوان أرجو، ولكن أجهزة الاستخبارات الفرنسية اكتشفت الخطَّة وأجهضت العمليَّة. 

بدأ الجنرالات نشاطهم كما هي عادة الانقلابات العسكرية بالسيطرة على مقرِّ الإذاعة والهاتف والتلغراف، ثم اعتقال المسؤولين السياسيين: المندوب العام للحكومة جان موران، ومجموعة من الوزراء والقادة العسكريين، وفور وصول أخبار الانقلاب إلى القيادة في باريس، أمر الرئيس ديجول، في خطاب متلفز، وهو يرتدي اللباس العسكري للحرب العالمية الثانية، الجنود الفرنسيين بعصيان أوامر الانقلابيين: «أمنع أي فرنسي، وقبل كل شيء، أي جندي من تنفيذ أي أمر من أوامرهم». 

لكن التصدُّع سرعان ما بدأ يظهر في معسكر الانقلابيين؛ إذ رفض المجنَّدون في وهران وقسنطينة الخضوع لأوامر الجنرالات الأربعة، ثم بدأت الوحدات العسكرية التابعة للانقلابيين بالاستسلام تدريجيًّا بعد أن اتضح فشل العملية، خصوصًا وأنَّ الانقلاب قوبل برفض شعبي فرنسي هائل.  

بعد القبض عليهم، حوكم قادة الانقلاب الأربعة في محكمة عسكرية، وجرى الحكم عليهم بأحكام تراوحت بين 15 سنة والإعدام، وجرى التخفيف بعد ذلك إلى السجن المؤبد، ثم عفى عنهم الجنرال ديجول بعد ذلك وأعاد لهم رتبهم العسكرية. 

3- اليابان.. محاولة انقلابية قادها روائي مشهور!

25 من نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 1970، هو تاريخ وفاة الكاتب ميشيما يوكيو، أحد أشهر الروائيين اليابانيين خلال القرن الماضي، وهو أيضًا تاريخ إحدى أغرب المحاولات الانقلابية في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، ففي اليوم ذاته، توجَّه الروائي الشهير المعروف بروايات «بحر الخصوبة»، رفقة أربعة من رفقائه إلى مقر القيادة الشرقية لقوات الدفاع الذاتي البرية بطوكيو. 

الخطَّة كانت تنص على أن يصعد ميشيما إلى سطح المبنى، ويُلقي على الجنود اليابانيين خطبة يحضُّهم فيها على تنفيذ انقلاب عسكري، من أجل إعادة الصلاحيات للإمبراطور وإعادة بناء الجيش، وهو ما تمنعه اتفاقيات ما بعد الحرب العالمية الثانية إثر خسارة اليابان أمام الولايات المتحدة الأمريكية. 

صعد ميشيما فوق سطح البناية، وألقى خطبة حماسية على جنود الثكنة العسكرية، ولكن بدلًا من أن يلقى الدعم والتأييد من طرف الجنود، قوبل بالسخرية والتهكُّم، وسرعان ما اتضح أن الخطَّة قد فشلت فشلًا ذريعًا، ممَّا أدى به إلى وضع حدٍّ لحياته. 

 ميشيما أثناء إلقائه خطبة على الجنود 

لم يكن يتوقَّع قرَّاء هذا الروائي الذي يوصف بأنَّه «أهمُّ روائي ياباني في القرن العشرين» والذي رُشِّح لجائزة نوبل ثلاث مرَّات، أنَّ نهايته ستكون بهذه الصورة التراجيدية على طريقة «سيبوكو» التي يُنهي بها الساموراي حياتهم انتحارًا عبر طعن المُقاتل لنفسه بالسكِّين من أجل الحفاظ على شرفه، وعدم منح خصمه الفرصة لقتله؛ وذلك بعد شهور قليلة من إنهاء رباعيَّته الشهيرة «بحر الخصوبة» التي ستصبح إحدى أشهر الروايات اليابانية.  

كانت اليابان خلال الستينيات تشهد غليانًا سياسيًّا كبيرًا من خلال الحركات القومية اليمينية، خصوصًا في ظلِّ احتجاجات «أنبو» الرافضة للاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وتحوَّل يوشيما إلى صوت للوطنيين اليمنيين الممتعضين من الشروط الأمريكية التي حوَّلت الإمبراطور الياباني إلى مجرَّد منصب رمزي دون صلاحيات حقيقية، وفكَّكت الجيش، ومنعت عن اليابان الحق في إعلان الحرب. 

قبل هذه المحاولة الانقلابية المثيرة للشفقة، كان يوشيما يخطِّط لتحريض قوَّات الدفاع العسكري اليابانية على الثورة ضد النظام، من خلال مليشيا تسمَّى «مجتمع الدرع» مكوَّنة من شباب آمنوا بأفكاره اليمينية، المعادية للهيمنة الأمريكية على البلاد.

التنظيم شبه العسكري الذي أنشأه الروائي ميشيما يوكيو ضمَّ حوالي 100 عضو آمنوا بأفكاره، وبضرورة استرجاع اليابان إرثها الإمبراطوري الذي دنَّسه الأمريكيون حسب اعتقادهم، خصوصًا مع امتعاض الكثير من اليابانيين من التغييرات التي طرأت على اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، من مظاهر الرأسمالية والمادية والتبعية المطلقة للمجتمع الغربي.

أجرى ميشيما تدريبًا عسكريًّا داخل الجيش الياباني سنة 1967 تحضيرًا للعملية «الانقلابية»، وبدأ في تكوين تنظيمه السرِّي المشكَّل أساسًا من بعض الطلبة والناشطين اليمينيين المعادين لليسار الجديد، الذي رأوا أنه بدأ في التغلغل في المجتمع الياباني.

في لقاء بين يوشيما والكاتب الأمريكي سكوت ستوكس قبل أشهر من انتحاره، عبَّر الروائي الياباني عن امتعاضه من حال اليابان وتأثير الثقافة الأمريكية في مجتمعه بقوله: «لقد فقد اليابان تقاليده الروحية، وسيطرت عليه المادية بدلًا  من ذلك. اليابان يقبع تحت لعنة الثعبان الأخضر (الدولار الأمريكي)، إن الثعبان الأخضر يعضُّ صدر اليابان، لا يوجد أي مهرب من هذه اللعنة». كانت هذه المحاولة الانقلابية بمثابة الفصل الروائي الأخير من أعمال ميشيما الأدبية، لكن بدلًا  من أن يكتبها بالحبر والورق فقد فضَّل أن تكون بالدماء.

المصادر

تحميل المزيد