مع استمرار الحراك الشعبي الذي دخل شهره الثامن، والمطالب برحيل رموز نظام بوتفليقة ومحاكمة الضالعين في الفساد في عهده، انطلقت بالأمس جلسات المحاكمة الأكثر ترقب في تاريخ الجزائر لأبرز أربع شخصياتٍ في عهد نظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وأمام المحكمة العسكرية بالبليدة مَثُلَ كلٌ من السعيد بوتفليقة مستشار الرئيس السابق، والجنرال محمد مدين المعروف باسم الجنرال توفيق قائد المخابرات الأسبق، الجنرال بشير طرطاق المنسق السابق لأجهزة الاستخبارات إضافة إلى لويزة حنون الأمينة العامة لـ«حزب العمال»، في المحاكمة التي وصفتها وسائل الإعلام المحلية والدولية بـ«محاكمة القرن».

كما يحاكم في ذات القضية غيابيًا كل من وزير الدفاع الأسبق الجنرال خالد نزار وإبنه لطفي نزار، إضافة إلى فريد حمدين الذين أصدرت في حقّهم مذكرات اعتقال دولية، ويواجه المتهمون في هذه المحاكمة التاريخية اتهاماتٍ تخص قضيتي المساس بسلطة الجيش وتآمر لتغيير نظام الدولة.

ولا يزال موعد انعقاد أولى جلسات المحاكمة والذي حُدد بتاريخ الأمس – 23 سبتمبر (أيلول) – يُسيل الكثير من الحبر، وهو التاريخ الذي يصادف ذكرى واحدة من أبشع المجازر التي شهدتها الجزائر في العشرية السوداء والذي يتهم الجنرال توفيق بتدبيرها، إضافةً إلى أنّ موعد المحاكمة يأتي بعد أيّامٍ من إعلان رئيس الدولة عبد القادر بن صالح عن موعد الانتخابات القادمة، وعودة نسبية للزخم الثوري للحراك الشعبي. 

في هذا التقرير نسلط الضوء على المحاكمة التاريخية التي تشهدها الجزائر ونستطلع مدى تأثيرها على المشهد السياسي في البلاد. 

هل تعيد الانتخابات الجزائرية القادمة فلول بوتفليقة إلى الحكم؟

على ماذا يحاكم أركان نظام بوتفليقة؟

لم تكن نهاية شهر مارس ( آذار) عاديةً بالجزائر ففي الوقت الذي وصل فيه الحراك الشعبي مرحلة لا عودة، بخروج أكثر من نصف الجزائريين إلى الشارع في شهر مارس الماضي للمطالبة بإسقاط نظام بوتفليقة، اتخذت قيادة الأركان في 26 من مارس موقفها الصريح بالوقوف إلى جانب المتظاهرين ومطالبةً بوتفليقة بالاستقالة.

دفع ذلك القرار كلًا من مستشار الرئيس السابق السعيد بوتفليقة إلى نسيان خلافاته مع الفريق محمد مدين واللواء بشير طرطاق، والإجتماع بعد يومٍ واحدٍ من خطاب قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح الشهير؛ مع عناصر من المخابرات الفرنسية قصد وضع خطة لإبطال تفعيل المادة 102 من الدستور التي تطالب بوتفليقة بالاستقالة.

السعيد بوتفليقة

كانت خطة الرباعي (السعيد، والتوفيق، وطرطاق، ولويزة حنون)  تقوم على حلّ البرلمان بغرفتيه، ثم استقالة رئيس الجمهورية من أجل إحداث فراغ قانوني، ويتم بعدها عرض رئاسة الدولة على الرئيس الأسبق اليامين زروال وتعيين الفريق توفيق مدين مستشارًا أمنيًا له، غير أنّ رفض الرئيس الأسبق الجنرال اليامين زروال وكشفه المخطط لقيادة الأركان أجهض الخطّة.

وبدأ فصل المحاسبة.بحيث تمّ  في الخامس من مايو (آيار) اعتقال كل من السعيد بوتفليقة شقيق الرئيس الجزائري السابق وقائدي المخابرات السابقين الفريق محمد مدين و اللواء بشير طرطاق وإيداعهم الحبس الاحتياطي بتهمة «المساس بسلطة الجيش، والمؤامرة ضد سلطة الدولة» ليتمّ إلحاق رئيسة «حزب العمال» لويزة حنون بهم بعد أربعة أيّام فقط. 

وطيلة خمسة أشهر من التحقيق تعاقب كلٌ من المتهمين على قاضي التحقيق للتحقيق في التهم المنسوبة إليهم، وحسب محامي مولود إبراهيمي محامي الدفاع؛ فإنّ المتهمين الأربعة في القضية أنكروا كل التهم المنسوبة لهم بالمساس بسلطة الجيش والتآمر ضد سلطة الدولة.

إحدى المحاكم الجزائرية مصدر الصورة (الجزيرة)

وكان فاروق قسنطيني محامي الجنرال توفيق قد صرّح أن موكله فقد 14.5 كجم من وزنه، بعدما تعرض لحادث سقوط على مستوى الكتف ما اضطره إلى التحرك فوق كرسي متحرك، كما أشار بيان لـ«حزب العمال» إلى تدهور صحة رئيسته القابعة في السجن لويزة حنون، ولم تصدر المؤسسة العسكرية أي بيان يؤكد أو ينفي الحالة الصحية للمتهمين الأربعة، غير أنّ فحص المتهمين من طرف أطباء عسكريين نفى تدهور حالتهم الصحية. 

كواليس «محاكمة القرن»

في تفاصيل المحاكمة التاريخية التي انتظرها الجزائريون كثيرًا، مثل المتهمون الأربعة أمام قاضي التحقيق بالمحكمة العسكرية بالبليدة وسط إجراءاتٍ أمنية غير مسبوقة، حيث استمع في اليوم الأول من المحاكمة إلى شقيق الرئيس الجزائري السابق السعيد بوتفليقة، الذي أنكر كلّ التهم الموجهة له ورفض الردّ على أسئلة القاضي، وغادر الجلسة بدعوى إضافة وثائق جديدة لملفه لم يطلع عليها الدفاع، ليسمح له القاضي في الأخير بالخروج من الجلسة مؤكدًا أن ذلك لن يمنع محاكمته.

كما شهدت المحاكمة رفض مثول اللواء بشير طرطاق أمام الجلسة في بداية المحاكمة، وتوقف الجلسة بطلبٍ من دفاع المتهمين للنظر  في صحة كلٍ من الجنرال توفيق ولويزة حنون اللذين طلبا مغادرة الجلسة لأسبابٍ صحية، ليتم عرضهما بأمرٍ من القاضي العسكري على ثلاثة أطباء عسكريين أثبتوا قدرتهما على مواصلة المحاكمة.

الفريق أحمد قايد صالح قائد الأركان الجزائري

وشهدت الجلسة التي استمرت لأكثر من 11 ساعة حضور كلٍ من رئيس المجلس الدستوري السابق الطيب بلعيز ومحمد روقاب مستشار الرئيس السابق علي بوغازي مستشار رئاسة الجمهورية سابقًا كشهودٍ في القضية، كما رفض  القاضي استقدام الرئيس الأسبق الجنرال يامين زروال للشهادة لكونها لا تضيف شيئًا للمحاكمة. 

وأشارت مصادر مطلّعة لـ«ساسة بوست» أن اليوم الثاني من المحاكمة سيشهد استماع القاضي لكلٍ من الفريق محمد مدين ولويزة حنون، وكذلك إلى الشهود الذين لهم علاقة باللواء بشير طرطاق الذي رفض الخروج من زنزانته مفضلًا  مقاطعة المحاكمة، وأضافت ذات المصادر إلى عزم دفاع الفريق توفيق طلب تأجيل المحاكمة. 

وتوقّع محامي الدفاع فاروق قسنطيني أن تنتهي المحاكمة يوم الخميس القادم؛ على أن يتأخر صدور  الحكم النهائي لعدة أسابيع نظر للفترة الحساسة التي تمرّ بها البلاد.

وعن الجدل المثار حول اختصاص المحكمة العسكرية بالحكم في هذه القضية أكّد المحامي حسن درويش في حديثه مع «ساسة بوست» أنّ «المادة 25 من قانون القضاء العسكري تسمح للجهات القضائية العسكرية بمحاكمة مدنيين في حالة ارتكابهم الجريمة داخل المقرات العسكرية، أو مشاركتهم في الجريمة مع أطراف عسكرية وهو ما ينطبق على الرباعي المتهم».

هل ستنقذ تلك المحاكمة الانتخابات الرئاسية المقبلة؟

أثار موعد انعقاد أولى جلسات المحاكمة الكثير من الجدل، بين من رآه خطةً من السلطة لإلهاء الرأي العام عن مواصلة الحراكهم والدفع نحو إجراء الانتخابات في موعدها، وبين من رأه موعدًا لتأكيد قيادة الأركان الحالية على بُعدها الثوري الرافض للمسار الذي انتهجته القيادة السابقة المتهمة بالولاء لفرنسا، وذلك باختيار الذكرى 22 لمجزرة بن طلحة، والتي يتهم الفريق توفيق بالوقوف وراءها. 

وشهدت المحاكمة التاريخية بعد يومٍ واحدٍ من انعقادها تباينًا في آراء الجزائريين حولها غير أنّ مشاعر التشفي والفرح بالمحاكمة لم تغب على تعليقات الجزائريين على مواقع التواصل الاجتماعي. 

وأبرز «إبرهيم .م» أحد الناشطين وسط الحراك فرحته بالمحاكمة التاريخية لأركان النظام السابق، معتبرًا أنّ تلك المحاكمة ما كانت لتتمّ لولا انتفاضة الشعب ضد النظام السابق، ولم يخف تخوفه من تأثير المحاكمة على الحراك، بالقول: «الأكيد أن الوقت الحالي للمحاكمة هو وقت حساس، بحيث إن السلطة تراهن على إجراء الانتخابات في موعدها رغم رفض الحراك، ومن المحتمل أن تشوش هذه المحاكمة على الحراك الشعبي بعد أن شوّش اعتقال المتهمين الأربعة على الحراك قبل ذلك».

 الحراك الطلابي يرفض اجراء الانتخابات مصدر الصورة (ساسة بوست)

الحراك الطلابي يرفض إجراء الانتخابات مصدر الصورة (ساسة بوست)

أمّا صالح، وهو أحد المؤيدين لإجراء الانتخابات، فيرى أنّ «المحاكمة أتت في وقتها، وأن القيادة الحالية للأركان تعمدت إذلال المتهمين باختيار يوم المجزرة التي ارتكبوها بدايةً لمحاكمتهم، وأضاف صالح أن جزءًا كبيرًا من الجزائريين يرون أن المحاكمة تلك هي تجسيد لمطالبهم، فبالتالي لم يبق لنا سوى مطلب الانتخابات النزيهة التي ستجري في ديسمبر (كانون الأول) المقبل».

تجدر الإشارة إلى أنّ الانتخابات الرئاسية المزمع تنظيمها في 12 ديسمبر (كانون الأوّل) المقبل تشهد حملة رفض واسعة من الحراك الشعبي، رغم تأكيدات المؤسسة العسكرية على ضمان نزاهتها من خلال تأسيس «السلطة الوطنية للانتخابات». 

هل يصبح عبد المجيد تبون مرشح الجيش في الانتخابات الرئاسية الجزائرية؟

المصادر

تحميل المزيد