في العديد من الثقافات والتقاليد الدينية القديمة، لم يكن للحكام ونخبة المجتمع زوجات فقط، بل كان لديهم محظيات أيضًا، وأقرب تعريف للمحظية في ذهن المجتمع العربي هو الجارية، وعادة ما تخدم المحظية غرضًا مزدوجًا وهو إشباع رغبات الملك الجنسية، بجانب إثبات قدرته على إنجاب العديد من الأطفال.

ولكن تظل الزوجة الأولى وأبناؤها هم الأعلى مرتبة والأكثر ظهورًا مع الملك أو الإمبراطور، فلم يكن من المتعارف عليه الزواج من المحظية، لأنها عادة ما تكون من طبقة اجتماعية أقل من مكانة الملك، وامتلاك الحاكم المحظيات لم يكن ينظر له بعين ناقدة من جانب الشعب، بل كان يعتبر دليلًا على قوته بوصفه رجلًا وفي بعض الثقافات كان امتلاك المحظيات يعتبر أداءً مشرفًا للواجب الديني للملك.

وعلى الرغم من اشتهار بلاد ما بين النهرين القديمة وبابل والعرب بامتلاك الملوك للمحظيات، إلا أن للصين تاريخًا حافلًا وربما أكبر مع محظيات الملوك، وخلال فترة حكم السلالات القديمة في الصين عادة ما كان الإمبراطور يختار المحظية من أسرة فقيرة، ولكن خلال فترة حكم سلالة تشينج؛ بحث الأباطرة عن محظيات من عائلات نبيلة وثرية، وعلى الرغم من نفور بعض الأسر النبيلة من هذا إلا أن رفضهم لهذا الطلب لم يكن اختيارًا متاحًا حينذاك. وخلال تاريخ الصين القديم؛ عاشت أكثر من محظية بجوار الإمبراطور عشيقة وأمًّا لأبنائه، ولكن قلائل من المحظيات اللاتي تركن أثرًا وخُلد اسمهن في التاريخ، وفي هذا التقرير نحكي لكم قصص ثلاث محظيات كان لهن تأثير في تشكل تاريخ الصين.

العشق الممنوع الذي أسقط الإمبراطور

عاش الإمبراطور الصيني شوان زونج، والذي يعرف باسم مينج من تانج في القرن الثامن الميلادي، وكان الإمبراطور السابع لسلاسة تانج الحاكمة، كان عمره فوق الـ50 عامًا عندما وقع نظره عليها للمرة الأولى، يانج يوهوان فتاة تتحسس طريقها لتكون امرأة شابة، يفصلها عن الـ20 عامًا أقل من شهور، عذبة الصوت، محترفة لعزف الموسيقى، وجسدها بض بالحياة، ولكنها أيضًا المحظية المفضلة لابنه.

الأمر لم يحتج الكثير من الإمبراطور ليقرر أنه يريد هذه المحظية لنفسه، خاصة وأنها كانت تابعة لأحد أبنائه غير المفضلين، ولكنه وفقًا لقوانين الإمبراطورية لا يستطيع انتزاع محظية ابنه لنفسه، ولذلك أمر بأن تكون خادمة في أحد المعابد الدينية، ونقلت وفقًا لهذا الأمر، ولكن لم يمر الكثير من الوقت، حتى بدأت زيارات المحظية السرية لغرفة الإمبراطور العجوز.

على عكس ما يتخيل البعض لم تكره يانج هذه العلاقة، ففرق السن بينهما عوضها عن وفاة أبيها المبكرة، فقد وجدت مع الإمبراطور الحب الناضج، وحنان الأب، والاحتواء، ووجد الإمبراطور معها طريقًا مبطنًا بالحب للشعور بشبابه وحيويته مرة أخرى.

الإمبراطور الصيني شوان زونج

جعلها الإمبراطور محظيته المفضلة بعد أن خرجت علاقتهم من السر للعلن، ورغم بعض الخلافات التي طرأت على العلاقة، وطرد الإمبراطور لها من القصر، فلم يتحمل سوى أيام قليلة ليعيدها إليه مرة أخرى، الأمر الذي جعل كل من في القصر يدرك سيطرة تلك المحظية على الإمبراطور، ومدى عشقه لها، وكما استغلت هي تلك المكانة، استغلها الآخرون أيضًا.

كانت البداية عندما أراد الإمبراطور أن يضع يانج وأسرتها في مكانة أرقى، فأصبح يوزع المناصب المهمة والحساسة لأقاربها مما أغضب الكثير من قياداته، وتوغلت أسرة يانج في القصر والإمبراطورية ككل، في المقابل كان للإمبراطور أعداء أدركوا جيدًا أن نقطة ضعفه هي يانج، وأنهم إذا أرادوا الإطاحة به وتدميره فعليهم بها.

وهنا جاء دور آن لوشان، والذي كان جنرالًا عسكريًا للمناطق الحدودية؛ سعى إلى كسب ود يانج وثقتها، وبعد أن نجح طلب منها أن تمهد له الطريق ليتولى منصبًا مهمًا في الإمبراطورية، ودون أن تعلم أن لوشان يطمع في العرش لنفسه، ويحلم بإسقاط الإمبراطور، توسطت له عند حبيبها وعليه أصبح للوشان العديد من السلطات التي منحته الفرصة لتجنيد جيش كاملً بغرض إعلان تمرد على القصر وتخليصه من وزراء الشر بحسبهم.

تمثال المحظية يانج الموجود في الصين

واستطاع لوشان بجنوده أن يستولى على العاصمة تشانجان ونصّب نفسه إمبراطورًا عليها، ما دفع الإمبراطور ويانج للهروب ومعهم رئيس الوزراء وهو أحد أقرباء يانج، ولكن لحق بهم لوشان وقتل رئيس الوزراء، وطالب بقتل يانج أمام عين الإمبراطور وإلا سيكون قتله هو البديل، وتحت وطأة الخوف والإذلال وافق الإمبراطور على موت حبيبته، وطلب منها أن تشنق نفسها، ولكنه بعد ذلك لم يتحمل الندم وعاش حالة دائمة من الحزن، وحاول تخليد ذكراها من خلال اللوحات التي رسمت لها.

في الثقافة الصينية لم يذكر اسم يانج على أنها المحظية التي أسقطت الإمبراطور زونج فقط، بل على كونها المحظية التي أسقطت أسرة تانج كاملة، وهذا لأن تمرد لوشان كان مجرد البداية لسلسلة من المؤامرات والانقلابات ضد الأسرة الصينية الحاكمة، حتى تلاشت السلاسة ببطء وسقطت عام 907 ميلاديًا.

محظية تسقط أسرة وتقيم أخرى

خلال القرن السابع عشر، شهدت الصين قصة حب أخرى لمحظية أثرت تأثيرًا جوهريًا في تاريخ الصين، عاشت شينج هوان حياة فقيرة معدمة منذ طفولتها، ولذلك باعها عمها الذي تولى رعايتها بعد وفاة أسرتها إلى واحدة من الفرق الموسيقية، والتي تعلمت من خلالها العزف والغناء في سن صغيرة، ولكن سرعان ما انقلبت الأمور واشتراها أحد الرجال المهمين في الصين، والذي كانت ابنته واحدة من محظيات الإمبراطور في ذاك الوقت، ولكن بعد وفاة ابنته، شعر أن نفوذه بين رجال الدولة يتلاشى، واحتاج بديلة لابنته.

كان الإمبراطور تشونجتشين من أسرة مينج ليس في مزاج جيد لقبول هدية الرجل، ولذلك رفض أن تكون شينج محظية له، وهذا نظرًا لانشغاله بالأمور السياسية والدولة التي تعاني من عدم الاستقرار، ولذلك سعى الرجل لرجل من الرجال البارزين في الإمبراطورية وهو وو سانجي، ودعاه إلى منزله، حيث غنت له شينج وفتن بها، فأهداها له الرجل وبدأت قصة الحب بينهما.

تمثال المحظية شينج هوان الموجود في الصين

في العام السابع عشر من حكم الإمبراطور؛ قاد لي تسيشنغ جيشًا من الثوار بغرض إسقاطه، ونجح بالفعل في احتلال بكين، في هذه الأثناء حاول لي كسب ود سانجي لأنه ورجاله البالغ عددهم 40 ألف جندي يحرسون مدخل مدينة شانهاقوان وهي من المناطق الاستراتيجية في الصين، وحاول إقناعه بالانضمام إليه في تلك الثورة مؤكدًا له أن أسرة مينج تسقط بالفعل، وأغراه بالمال والمناصب، وطلب منه الحضور لبكين حتى يستسلم له ويعترف به إمبراطورًا للصين، وكانت الأمور تسير على ما يرام حتى وصل لسونجاي خبر أن لي استحوذ على محظيته المحبوبة شينج، فتغير كل شيء، وبدلًا من أن يذهب إليه ويستسلم، تواصل مع دورجون الممثل الرسمي لأسرة تشينج وبدأت حرب بين الطرفين؛ لي وسنجاي بسبب حبه للمحظية.

ولذلك كان يهتف رجاله أثناء معاركهم مع رجال لي :«إن لم يستطع الرجل حماية امرأته؛ فكيف يحمي الآخرين»، وأطلق على هذا الغضب أيضًا مصطلح «غاضبين من أجل الجمال» في الثقافة الصينية (إشارة إلى جمال المحظية المخطوفة)، وكان هذا الخلاف بسبب المحظية واحدًا من أهم الأسباب الرئيسية لوقوع حرب شانهاقوان، والتي فاز فيها دورجون بمساعدة العاشق الغاضب سانجاي، ومنذ هذه اللحظة تأسست الأسرة الحاكمة تشينج في الصين، ولذلك يقال عن المحظية شينج هوان أنها كانت واحدة من أسباب سقوط أسرة حاكمة في الصين، وقيام أسرة جديدة.

تسيشي.. المحظية التي أصبحت ملكة 

تلك المحظية تختلف عن الآخرين، ولدت في العام 1835، وأظهرت منذ صِغر سنها تميزًا وذكاءً جعل والدها يعاملها معاملة الابن الذكر ويستشيرها في الكثير من الأمور، ولكن احترام والدها لها، ومكانتها وسط أسرتها البسيطة لم تحقق لها المكانة بين الرجال الآخرين أو خارج مجال الأسرة، ولذلك مثل معظم الفتيات في هذا السن – 16 عامًا – كان يجب على عائلتها أن تقدمها محظية للإمبراطور الصيني شيان فنج، وتركت أسرتها وعاشت في بكين والتي كانت مخصصة في ذاك الوقت للمحظيات، وكان يطلق عليها المدينة المحرمة إذ تسكنها محظيات الإمبراطور.

استطاعت تسيشي بذكائها ولباقتها كسب ود زين وهي من الزوجات الأعلى مرتبة للإمبراطور، وزادت مكانتها – تسيشي- عندما أنجبت للإمبراطور الابن الوحيد في العام 1856، وهو الحدث الذي وضعها على بداية طريق السلطة.

في وقت مبكر من عهده واجه الإمبراطور شيان فنج مشاكل كثيرة على الجبهتين المحلية والأجنبية، وكان قد وصل للسلطة في الثامنة عشر في العام 1850 وهو العام نفسه الذي تسببت فيه المجاعة المنتشرة في الصين في تمرد تايبينج وهي انتفاضة ضخمة للفلاحين في المقاطعات الجنوبية للإمبراطورية الصينية، هذا التمرد الذي استمر بلا هوادة ست سنوات وترك ثلث الصين تحت سيطرة المتمردين، في ذاك الوقت غزت فرنسا وبريطانيا الصين وبدأت حرب الأفيون الثانية وفرضت ضغطًا هائلًا على موارد البلاد.

المحظية تسيشي

تحت ضغط كل هذه الاضطرابات توفي الإمبراطور شيان فينج في عام 1861، وأصبح ابن تسيشي البالغ من العمر خمس سنوات فقط وريثًا للإمبراطور، وكان الإمبراطور قبل وفاته قد اختار ثمانية من رجاله ليشكلوا مجلس الأوصياء والحكم حتى يبلغ ابنه سن الرشد.

أدركت تسيشي اللحظة التاريخية الحرجة التي تعيش فيها، وقررت استغلالها، ولذلك كان عليها التخلص من الأوصياء الذين وضعهم الإمبراطور قبل وفاته، وبمساعدة زين زوجة الإمبراطور وصديقتها المقربة، واثنين من إخوة الإمبراطور الرجال، نجحت تسيشي في الإطاحة بهم وسجنت خمسة منهم وأعدمت واحدًا وأمرت اثنين بالانتحار، وبهذا أصبحت كما أطلق عليها في الصين – الإمبراطورة الأرملة – وحكمت الصين من خلال ابنها الصغير وأصبحت هي الوصية الوحيدة عليه، وهكذا تحولت من محظية إلى إمبراطورة.

على مدار الخمس عقود التالية، حددت تشيسي مصير الصين، وتمكنت من فرض سلطتها على الرغم من نظرة المحكمة الصارمة في الصين لمكانة المرأة، ترأست الإمبراطورة الأرملة الاجتماعات المهمة من خلف الستار لأنه لم يكن من المفترض أن يراها الوزارء، واعتمدت على رجال مخلصين لتنفيذ قراراتها.

وعلى الرغم من الانتقادات التي تعرضت لها تشيسي؛ فقد قادت الصين في باكورة العصر الحديث، ونجحت في إحلال السلام في البلاد، وحسنت من اقتصاد الصين، وأسست سلاحًا للبحرية، وشجعت الصين على الانفتاح على العالم، كما ساعدت في سحق متمردي تابيينج بعد فترة طويلة من سيطرتهم على الجنوب.

العالم والاقتصاد

منذ سنة واحدة
«فاعل خير أم مصاص دماء».. هل تُغرِق الصين فقراء العالم بالديون لتسيطر عليهم؟

رسميًا اضطرت تشيسي للتنحي عندما بلع ابنها سن الرشد في العام 1873 ولكن بعد عامين من حكمه مات ابنها وظهرت إشاعات أنها سممته للتشبث بالسلطة ولكن لم يوجد دليل على القتل، وظلت مجرد أقاويل وإشاعات، ولكنها مرة أخرى لم تلق بالًا لتقاليد الحكم، وتبنت ابن أختها الأمير تشون وجعلته إمبراطورًا وأصبحت هي الوصية عليه لتحكم الصين من خلاله، وشرعت في موجة ثانية من التحديث وأدخلت الكهرباء وتعدين الفحم، وظلت تسيشي تحكم الصين حتى وفاتها رغم كل الانتقادات والصراعات التي واجهتها، وتعرف حتى في تاريخ الصين بأنها الإمبراطورة التي أدخلت الصين العصر الحديث.

المصادر

تحميل المزيد