أعلنت منظمة الصحة العالمية مؤخرًا وجود حالات إصابة مؤكدة بفيروس كورونا في الدنمارك بسبب مزارع حيوانات المنك، بلغ عدد الإصابات بها 214 حالة منذ يونيو (حزيران) 2020. لكن الأخطر أن 12 من هذه الحالات وجد بها شكل فريد من الفيروس!

ثمانية من هذه الحالات ترتبط بمزارع المنك، وأربعة منها من المجتمع المحيط، وتراوحت أعمار المصابين جميعًا بين السابعة والتاسعة والسبعين.

فلماذا اهتمت منظمة الصحة العالمية بإعلان مثل هذا الخبر؟ وما معنى وجود شكل فريد من الفيروس؟ وما علاقة كل هذا بحيوانات المنك والدنمارك؟ ألم يتمحور الأمر حول الصين والخفافيش؟ وما هو حيوان المنك؟ الإجابة في هذا التقرير.

حيوان المنك.. القارض الذي يُربى من أجل الفراء!

المنك حيوان لاحم قارض من الثدييات، يشبه ابن عرس ويعيش منه نوعان، أحدهما في أوروبا والآخر في أمريكا الشمالية. يتميز المنك بفرائه الكثيف، والذي تتنوع ألوانه بين الأبيض والبني، وهذا الفراء الجميل هو السبب وراء تربيته في مزارع بأعداد ضخمة بهدف الاتجار فيه. وقد تتفاجأ بالأهمية الاقتصادية لهذه التجارة، والتي تقدر فيمتها عالميًّا بقرابة 40 مليار دولار، تساهم الدنمارك فيها بأكثر من الربع وفقًا لوكالة الفراء الأمريكية.

Embed from Getty Images

ظهر في 6 دول بالفعل! هل يجتاح «كورونا المنك» العالم؟

هناك قرابة 21 دولة أوروبية تهتم بمزارع المنك، على رأسها الدنمارك بما يبلع 17.6 ملايين حيوان، ثم بولندا بحوالي 5 ملايين، وهولندا بحوالي 4.5 ملايين، ثم فنلندا وليتوانيا واليونان. وبخلاف أوروبا فهناك ملايين من حيوانات المنك في مزارع الصين وأمريكا وكندا.

أما عدوى كوفيد-19 فقد ظهرت بالفعل في حيوانات المنك في ست دول حتى الآن، هي: الدنمارك، هولندا، إسبانيا، السويد، إيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية. والمؤشرات المبدئية تظهر أن سمات كوفيد-19 في حيوان المنك هي السمات المعتادة المعروفة عن الفيروس الذي اجتاح العالم في مارس (آذار) الماضي.

وبينما مات في ولاية يوتاه في الولايات المتحدة الأمريكية 8 آلاف حيوان من أثر العدوى، فقد أعدمت هولندا قرابة مليون من حيوانات المنك، وأعدمت إسبانيا حوالي 100 ألف حيوان في مزارعها في يوليو (تموز) 2020. وقد حدث هذا بمجرد ظهور إصابات في حيوانات المنك قبل أن تثبت انتقال العدوى منه إلى الإنسان مرة أخرى، في ظاهرة شديدة الخطورة والأهمية.

اللقاح على المحك! هذا ما قد يعنيه تحور الفيروس

عندما تنتقل الفيروسات بين الكائنات الحية المختلفة، يظهر القلق والتخوف من التحور الجيني في التركيب الفيروسي؛ لأن بعض التغييرات الجينية قد تعني طفرات مجهولة الأثر. فمثلًا فيروس نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) هو فيروس سريع التحور وكثير الطفرات، وبالتالي توجد منه سلالات متعددة ويحمل مقاومة عالية للأدوية، وتصبح إمكانية إنتاج لقاح للوقاية منه، أمرًا معقدًا للغاية. كما أن قدرة الفيروس على التحور تسمح له بالعبور بين الفصائل المختلفة للحيوانات وبين الحيوان والإنسان.

وفي حالة عدوى المنك بالكورونا، أعلنت منظمة الصحة العالمية وجود نوع من فيروسات الكورونا ببعض الطفرات والتغيرات الجينية. وهنا حُبست الأنفاس، هل هذه التغيرات تعني انتشارًا أشد؟ أو مرضًا أعنف؟ أو أعراضًا جديدة؟ بل الأسوأ من كل ما سبق.. هل للأمر تأثير في فاعلية اللقاحات؟

Embed from Getty Images

حيوانات منك مُعدمة في الدنمارك

التغييرات التي وجدها العلماء حتى الآن غير مفهومة بالكامل، لكنها تؤكد أن هذا النوع من الفيروسات قد انتقل بالفعل للبشر مرة أخرى. والطفرات التي رصدها العلماء في فيروس كورونا حتى الآن تقع في موضع الحمض الأميني 614 في بروتين مسئول عن قدرة الفيروس على إصابة الخلايا، مما قد يجعله أسرع في العدوى. لكن فيروس كورونا مشهود له بالبطء في حدوث طفرات بخلاف الكثير من الفيروسات الريبوزية، ويرجح العلماء أن السبب يكمن في وجود إنزيمات مراجعة تمنع حدوث طفرات واضحة بالفيروس.

أما علاقة الطفرات باللقاح المنتظر فمن المبكر جدًّا الحكم عليها، لأن اللقاحات قد تستهدف جينات معينة في الفيروس، وإذا طالتها الطفرات فقد يهدد هذا فاعلية اللقاح، لكنه أمر لا يمكن حسم إمكانية حدوثه الآن!

الأثر الاقتصادي: الفيروس يصيب قطاعًا صناعيًّا كبيرًا!

تقع تجارة الفراء تحت ضغط بالفعل خلال العقدين الماضيين بسبب نشاط حركات حقوق الحيوان وما تبع ذلك من تشريعات في بعض الدول الأوروبية تحظر تربية الحيوانات المنتجة للفراء. ومع هذه الأزمة الجديدة تتخلى الكثير من الدول عن حيوانات المنك في مزارعها خوفًا من انتشار الوباء فيها، الأمر الذي دفع الحكومات إلى التخطيط لتعويض الخسائر.

جدير بالذكر أن ذبح ملايين من حيوانات المنك قد لا يعني أن جلدها سينتهي في سوق الفراء، وبالتالي ينخفض سعرها، صحيح أن إمكانية البيع ما زالت متاحة بالنسبة للمزارع التي لم تتبين فيها إصابات، والتي تقع بعيدًا عن البؤر، إلا أن تحديد الأسعار يحدث بناء على عوامل متعددة وليس الطلب فقط.

منظمة الصحة تضع توصيات جديدة ولكن..

أكدت منظمة الصحة العالمية أهمية تشارك دول العالم بأسره في الترصد الوبائي، وتشجع جميع الدول على الفحص الجيني لفيروسات كورونا والإبلاغ عن أي تغير جيني محتمل، خاصة في أماكن اختلاط البشر بالحيوانات المحتمل كونها عائلًا وسيطًا للفيروس، والتي نعرف منها حتى الآن: المنك، الكلاب، القطط، الأسود والنمور. وتؤكد أهمية مشاركة هذه البيانات مع العالم بشفافية.

صحة

منذ 6 شهور
من الإنفلونزا إلى كورونا.. لماذا وكيف تتحوَّر الفيروسات؟

وبالإضافة إلى التشديد على إجراءات الوقاية المعروفة أثناء التواصل بين البشر من تباعد اجتماعي وارتداء الكمامات، يسري الحذر أيضًا على قنوات الاتصال بين البشر والحيوانات المختلفة، خاصة في المزارع والصناعات المختلفة المعتمدة على الحيوانات؛ خوفًا من أي انتقال للفيروس بين الفصائل المختلفة وما قد ينتج منه من تغير جيني غير معلوم الأثر.

ويبدو أن الطبيعة قد كشرت عن أنيابها في عصر الكورونا، رافضة الدور الصامت الصبور الذي لعبته خلال سنوات طوال، معلنة ارتباطها الوثيق وتأثرها المباشر بكل ما يحدث، فهل تتراجع الطبيعة وتحتوي الكارثة؟ أم ستثور وتغضب مخلفة آثارًا لا تحمد عقباها؟ هذا ما سنعرفه قريبًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد