ظهر فيروس كورونا المستجد في أواخر عام 2019 في مدينة ووهان الصينية، ثم لم يلبث أن اجتاح العديد من دول العالم وأجبرها على إغلاق كلي واعتماد إجراءات احترازية للحد من انتشاره، وفي خلال هذه الفترة العصيبة من الحظر الشامل والإغلاق الكلي في العديد من أرجاء الكوكب؛ بدأ العلماء في الحديث عن ظهور «متحورات كورونا»!

الأول عرف باسم متحور «ألفا» وظهر في بريطانيا، ثم تفشى متحور «بيتا» في جنوب أفريقيا، ثم متحور «جاما» في البرازيل، ثم متحور «دلتا» في الهند، وأخيرًا بدأ الحديث عن متحور جديد يسمى «لامدا» في أمريكا الجنوبية، لينضم إلى قائمة متحورات كورونا!

فما قصة هذه المتحورات؟ وهل يعني ذلك أن فيروس كورونا لن يمنعه مانع أو لقاح وسيظل في التحور إلى ما لا نهاية؟

في البداية.. لماذا تُعرف متحورات كورونا بأحرف إغريقية؟

عند اكتشاف متحور جديد لفيروس كورونا المُستجد، فإن العلماء يمنحونها رمزًا علميًا يتكون من أحرف لاتينية غالبًا ما تكون من اللغة الإنجليزية، بالإضافة إلى رقم أو عدة أرقام من الأرقام العربية، أما وسائل الإعلام فغالبًا ما تُعرف المتحور باسم البلد أو المكان الجغرافي الذي وجد فيه، فعلى سبيل المثال المتحور الهندي (دلتا) رمزه العلمي «B.1.617.2».

مواعيد توثيق ورموز وأماكن اكتشاف متحورات كورونا، مصدر الصورة: منظمة الصحة العالمية

لكن الاسم العلمي وحتى الاسم الجغرافي، لا يمكن تقبلهما بسهولة، لأسباب تتعلق بالتعقيد والارتباك من ناحية، والعنصرية والوصمة المجتمعية للمكان الذي ظهر فيه المتحور الجديد، من ناحية أخرى.

فمثلًا مصطلح «الفيروس الصيني»، أو اللقب الذي أطلقته العديد من وسائل الإعلام فضلًا عن كثير من الشخصيات السياسية العالمية، في بداية أزمة تفشي فيروس كورونا المُستجد مطلع عام 2020؛ وضع المواطن الصيني بشكل خاص والأسيوي بشكل عام تحت طائلة العُنصرية.

فنذكر على سبيل المثال حادثة إجبار سائق مصري شابًّا صينيًّا على الترجل من سيارة أجرة، على الطريق الدائري السريع في العاصمة المصرية القاهرة، وهي الحادثة التي قوبلت بالاستهجان من المصريين على وسائل التواصل الاجتماعي، مما دفع الحكومة المصرية إلى القبض على السائق وتوجيه اعتذار للشاب الصيني.

وفي شهر مايو (أيار) الماضي وقع الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن على مشروع قانون جديد بعنوان «قانون مكافحة جرائم وباء كورونا (Covid-19 Hate Crime Act)» والذي أوضحت الحكومة الأمريكية أنه يهدف إلى حماية المواطنين الأمريكيين ذوي الأصول الأسيوية من جرائم العنصرية والكراهية التي انتشرت ضدهم منذ بداية الوباء؛ لا سيما وأن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب كان يُنتقد دائمًا لأنه لم يكن يترك فرصة إلا ويصف فيروس كورونا المستجد بـ«الفيروس الصيني».

جو بايدن يوقع على قانون جرائم كورونا، مصدر الصورة: إن بي أر

وبخلاف الوصمة والعنصرية، هنالك سبب آخر دفع منظمة الصحة العالمية لتعريف متحورات كورونا بالرموز الإغريقية القديمة؛ ألا وهو جعلها سهلة على الأذهان ولتجنب انتشار تعريفات علمية خاطئة في وسائل الإعلام أو في الميادين العلمية عن أسماء المتحورات؛ فمثلًا قد يكون صعبًا على أي شخص أن يتذكر المتحور الذي ذكر في بريطانيا وعُرف باسم «B.1.1.7» لكن من السهل أن يعرفه باسم «ألفا».

ماذا نعرف عن متحورات كورونا حتى الآن؟

الفيروسات كائنات متطورة، في البداية يتكون الفيروس وبعد عمليات تكاثر متعددة تحدث طفرة جينية تغير من بعض خصائص الفيروس كي يعزز فرصة الفيروس في التكاثر والانتشار وإحداث العدوى، وهذا ما يعرف بالتحور الفيروسي.

وفي حالة فيروس كورونا المستجد؛ فقد أكسبته عمليات التحور الخصائص التالية:

  • تحسين الطريقة التي يفتح بها المدخل لخلايا الجسم.
  • البقاء على قيد الحياة لفترة أطول في الهواء.
  • زيادة الحمل الفيروسي الذي يمكن أن يستنشقه الإنسان غير المصاب فيصاب بالمرض.
  • اختلاف طرق مهاجمة الخلايا البشرية من شخص إلى شخص آخر.

لكن يجب أن تعلم عزيزي القارئ معلومة هامة؛ وهي أن المتحورات من الفيروس لا تزداد دائمًا قوتها بشكل تصاعدي؛ لأن المتحور يكون غالبًا من الفيروس الأصلي وليس من نسخة متحورة منه. 

ويوجد عدة سيناريوهات لحدوث التحور، الأول هو تحور الفيروس مع الوقت أثناء عمليات التكاثر والانتقال بين الأفراد. أما السيناريو الثاني فهو تحور الفيروس داخل أحد الحيوانات.

وما يدعم السيناريو الثاني ليس فرضية الخفاش التي انتشرت في بداية تفشي الجائحة، والتي كانت تفيد بأن فيروس كورونا المستجد تحور داخل أحد الخفافيش ثم انتقل إلى الإنسان؛ لكن أنه قد وُجِدت حالات إصابة بمرض كورونا في بعض الحيوانات مثل القطط والنمور وحيوان المنك القارض.

أما السيناريو الثالث الذي وضعه العلماء تفسيرًا لظهور متحورات كورونا؛ فهو بقاء الفيروس لمدة طويلة في جسم أحد المصابين مِمن يعانون في الأساس من أمراض مزمنة تؤثر في جهازهم المناعي وتقلل من قدرته في القضاء على الفيروس بسرعة؛ وفي هذه الحالة يبقى الفيروس لمدة طويلة في معركة مع جهاز مناعي بطيء، فيلجأ الفيروس إلى إحداث تغيرات في شكله وأدائه كي يتمكن من مقاومة الجهاز المناعي لأطول فترة ممكنة.

وتكمن الخطورة الأولى للفيروس المتحور، في قدرته على الانتشار بسرعة، وعند عمل مقارنة فيروس كورونا الذي جرى اكتشافه في مدينة ووهان الصينية في نهاية عام 2019 والنسخ المتحورة منه، نجد أن الشخص الذي أصيب بالفيروس الأصلي كان يمكنه بشكل متوسط نقل العدوى بين 2.4 إلى 2.6 شخص.

رسم توضيحي يبرز سرعة انتشار متحورات كورونا، مصدر الصورة: بي بي سي

بينما المتحور «ألفا» الذي اكتشف في بريطانيا، يجعل الشخص المصاب به قادرًا على نقل العدوى إلى من أربعة إلى خمسة أشخاص، ويزداد المعدل بين المتحورات الأخرى «بيتا» و«جاما» حتى نصل إلى أقوى متحور حاليًّا وهو المتحور «دلتا» الذي انتشر في الهند في الشهور الماضية بسرعة شديدة، لأن الشخص المصاب به يمكن أن ينقل العدوى إلى من خمسة إلى ثمانية أشخاص.

وبحسب التقارير العلمية؛ فإن المتحور «دلتا» الذي اكتُشف في الهند؛ وصلت قدرته على الانتشار إلى 60% من قدرة النسخة الأصلية من فيروس كورونا المستجد الذي ظهر في مدينة ووهان الصينية نهاية عام 2019!

«لامدا».. متحور آخر على وشك الانفجار

«لامدا» هو اسم أحد متحورات كورونا الذي وُثق أول مرة في دولة بيرو في أغسطس (آب) 2020، ولم يكن مُنتشرًا وقتها بشكل قوي. لكن في مطلع الشهر الماضي يونيو (حزيران) 2021، سُجلت العديد من حالات الإصابة به في دول مختلفة من قارة أمريكا الجنوبية، مما أثار الانتباه ناحيته بشكل ملحوظ.

جرى اكتشاف متغير لامدا حتى الآن في 29 دولة أو إقليم في كافة المناطق التي تخضع لعمل منظمة الصحة العالمية، لكن التواجد الأكبر له كما ذكرنا في قارة أمريكا الجنوبية. حيث أفادت السلطات في دولة بيرو أن 81% من الحالات المسجلة منذ أبريل (نيسان) 2021 مرتبطة بمتحور «لامدا». 

وبنهاية شهر يونيو الماضي؛ جرى أيضًا اكتشاف حالات مصابة بمتحور «لامدا» في تشيلي والأرجنتين وبيرو والإكوادور والبرازيل وكولومبيا والولايات المتحدة وكندا وألمانيا وإسبانيا وإسرائيل وفرنسا والمملكة المتحدة وزيمبابوي، بالإضافة إلى عدة دول أخرى كانت الحالات فيها بنسب أقل.

فيما صدرت تقارير من وزارة الصحة الأرجنتينية تفيد بزيادة انتشار متحور «لامدا» منذ الأسبوع الثالث من فبراير (ِشباط) 2021، حتى أن حالات الإصابة بمتحور «لامدا» شكلت حوالي 37% من حالات الإصابة بفيروس كورونا منذ مايو الماضي.

وفي السياق نفسه، أعلنت حكومة دولة تشيلي أنه في الشهرين الماضيين أصيب عدد كبير من المواطنين بهذا المتحور، حتى وصلت إلى 32% من مجمل تعداد المصابين بفيروس كورونا المستجد، حسبما قالت منظمة الصحة العالمية، مضيفة أن هذا المتحور ينتشر بمعدلات مماثلة لمتحور «جاما» لكنه «خارج عن السيطرة».

ولم تُنشر حتى تقارير موثقة عن قدرة المتحور «لامدا» في الانتشار، وهل هو أقوى من الفيروس الأصلي أو متحورات كورونا الأخرى أم لا، خاصة وأنه لا يزال قيد البحث، حتى أنه لا يوجد إجابة أيضًا عن سؤال هل متحور «لامدا» يمكنه إصابة الحاصلين على أحد لقاحات كورونا المعترف بها من قبل منظمة الصحة العالمية أم لا.

بالنظر إلى متحورات كورونا التي انتشرت؛ نجد أن المتحور الذي ظهر في إنجلترا (ألفا) ثم جنوب أفريقيا (بيتا) ثم البرازيل (جاما) ثم الهند (دلتا)، وأنها ظهرت تاريخيًّا بالترتيب وحصلت أيضًا على رموز إغريقية متتابعة في ترتيب الحروف الإغريقية، من الرمز الأول «ألفا» إلى الرمز الرابع «دلتا». لكن المتحور الذي ظهر مؤخرًا في دولة بيرو هو المتحور الخامس من حيث التفشي، لا من حيث الظهور، لذا جرى منحه الاسم «لامدا» وهو الحرف الحادي عشر بينما يعرف الحرف الخامس في ترتيب الحروف الإغريقية بـ«إبسيلون».

فمتحورات كورونا الأخرى الواقعة بين «دلتا» و«لامدا» لم تتفش بالصورة التي تجعلها تذكر بشكل متكرر في وسائل الإعلام أو حتى في ميادين العلماء والباحثين.

وكما أشرنا سابقًا فمتحور «لامدا» جرى تسجيله في أغسطس 2020، أي قبل الحديث عن متحور «دلتا»، ثم تفشي «دلتا» بصورة كبيرة، أصبح أخطر نسخة من متحورات كورونا حتى الآن.

ويتوقع العلماء أن تظهر متحورات جديدة للفيروس في الفترات المقبلة، حتى أن صحيفة «الإيكونوميست» نشرت تقريرًا مطولًا عن خطورة وجود أعداد كبيرة من البشر غير حاصلين على لقاحات كورونا حتى الآن، مما قد يؤدي إلى ظهور متحورات جديدة يمكنها أن تستحوذ على كافة الحروف الإغريقية.

ويقول التقرير إن العلماء يتوقعون الوصول إلى المتحور «أوميجا» في وقت قصير. وجدير بالذكر أن أوميجا هو آخر حرف في الحروف الإغريقية القديمة، والتي يبلغ عددها 24 حرفًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد