تميزت العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بطابع خاص على مدار عقود على الصعيدين السياسي والاقتصادي, غير أن تلك العلاقات قد شابها نوع من الفتور في السنوات الأخيرة وبصفة خاصة في الأشهر الأخيرة منها, وهو ما بدا واضحًا من تذمر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو – الذي دعم المرشح الرئاسي، ميت رومني، في الانتخابات الأمريكية في عام 2012 – من موقف الولايات المتحدة الضعيف حيال دعم المصالح الإسرائيلية في المنطقة واتخاذها موقفًا إيجابيًّا من إيران وهو ما تجسَّد في الاتفاقية المبرمة بينها وبين إيران التي تقضي بتخلي إيران عن جزء كبير من برنامجها النووي في مقابل رفع بعض العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها من قبل الولايات المتحدة، وهو ما شكل تغييرًا في الجغرافيا السياسية للمنطقة بحسب ما يراه نتنياهو.

فمع تعاظم الدور الإيراني في المنطقة الذي خلفته عملية تحرير العراق، أصبحت الولايات المتحدة تركن شيئًا فشيئًا إلى الدور الإيراني لحفظ الاستقرار في المنطقة, في الوقت الذي التزمت فية إسرائيل الصمت تجاه الاتفاقية المبرمة بين الولايات المتحدة وإيران خشية التأثير على ترسانتها النووية – الوحيدة في المنطقة – وهو ما يتوافق مع تصريحات أدلى بها نتنياهو لصحيفة هآرتز الإسرائيلية من أنه لن يهنأ له بال حتى يتم القضاء على كامل البرنامج النووي الايراني.

كما أثارت تلك الاتفاقية – التي جاءت عقب سلسلة من التهديدات الأمريكية الإسرائيلية بتوجية ضربة جوية لإيران، وهو ما قوبل برفض تام من قبل الرأي العام الأمريكي المناهض لتلك العمليات العسكرية سواء كان في إيران أو سوريا على حد سواء – حفيظة المعلقين الإسرائيليين الذين أبدوا مخاوفهم من استخدام الجانب الإيراني للاتفاقية كغطاء لاستئناف برنامجها النووى بالرغم من أن الاتفاقية تلزم إيران نفسها بالسماح بإجراء عمليات تفتيش يومية على نشاطاتها النووية.

وبالرغم من كل تلك التحفظات, يمكن القول بأن الولايات المتحدة عمدت إلى توقيع تلك الاتفاقية مع الجانب الإيراني لخلق نوع من توازن القوى في الشرق الأوسط في ذات الوقت الذي تُوجِّه فيه أنظارها نحو القوى الصاعدة في آسيا ومنها الصين.

من جانبه وجّه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، انتقادات لاذعة للاتفاقية واصفًا إياها بالخطأ التاريخي، وقد كشفت التقارير الإخبارية عن تصريحات أحد أعضاء الكنيست الإسرائيلي التي نقل من خلالها استياء نتنياهو والجانب الإسرائيلي تجاة السياسات الأمريكية التي سوف تُفضي إلى فشل ذريع إذا لم يتم تغييرها، على حد وصف عضو الكنيست.

كما أن هناك محاولات حثيثة من الجانب الإسرائيلي لتقويض أية شراكة مع إيران، وهو ما بدا واضحًا في توجيهات نتنياهو لمسئولي المخابرات الاسرائيلية بدعم نشاطات التجسس في إيران لمحاولة الكشف عن أية أدلة على عدم التزام الجانب الإيراني ببنود الاتفاقية.

ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد؛ إذ تقدم ستة وعشرون عضوًا من مجلس الشيوخ الأمريكي بمشروع قانون في غضون أسابيع من توقيع الاتفاقية يتم بموجبة فرض عقوبات على إيران في حالة الإخلال ببنود الاتفاقية في خلال ستة أشهر، بل إن مشروع القانون لم يُجِز فرض العقوبات على البرنامج النووي فقط بل تعدى ذلك إلى بنود متعلقة باستمرار دعم إيران للإرهاب وانتهاك حقوق الإنسان ودعم بشار الأسد في سوريا بجانب الدعم الأمريكي لإسرائيل في حالة قيام الأخيرة بأية عمليات عسكرية ضد إيران، الأمر الذي تراه الإدارة الأمريكية ضد مصالحها في الوقت الحالي الذي تسعى فيه إلى إعادة الاستقرار في الشرق الاوسط عبر الشراكة مع إيران, ولقد عكست تصريحات المتحدث باسم مجلس الأمن القومي جانبًا من رؤية الإدارة الأمريكية حيال مشروع القانون؛ حيث أكد على أن التشريعات المقترحة قد تُفضي إلى إحداث انقسامات في المجتمع الدولي وقد تدفع الجانب الإيراني إلى اتخاذ خطوات أكثر تشددًا قد تصل إلى حد إنهاء المفاوضات.

في ذات السياق؛ عبرت ديان فينيستن، رئيسة الاستخبارات الأمريكية عن إدانتها هي الأخرى لمشروع القانون، واصفة إياه بجرس إنذار نحو الحرب, مشددة على أن الولايات المتحدة لن تكون تابعًا لإسرائيل، وهو ما فتح شهية الصحف الأمريكية نحو توجية سهام النقد نحو مشروع القانون.

لقد كشف الخلاف حول مشروع القانون عن طبيعة العلاقات الآمريكية الإسرائيلية، فمن جانب يرى منتقدو السياسة الأمريكية تجاة إسرائيل أن اللوبي الإسرائيلي في أمريكا وفي مقدمته منظمة الآيباك قادر على موائمة السياسة الأمريكية لتلبي الاحتياجات الإسرائيلية, بينما يرى آخرون أن الولايات المتحدة لا يشغلها سوى مصالحها الخاصة عندما يتعارض الأمر مع المصالح الإسرائيلية.

إن التناقض بين الفتور الذي تشهده العلاقات الأمريكية الإسرائيلية في الوقت الحالي والعلاقات الجيدة التي اعتاد العالم عليها بين البلدين لهو دليل دامغ على تاريخ العلاقات الخاصة والمكاسب التي جناها كلا البلدين جراء تلك العلاقة التي تميزت بتطابق الأهداف الإستراتيجية.

لقد أدركت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية أنه ما من سبيل نحو تحقيق الهيمنة الدولية سوى السيطرة على منطقة الشرق الاوسط, وبالرغم من أن إسرائيل لم تكن مدرجة ضمن أولويات الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة, إلا أن تصاعد مشاعر القومية العربية واتجاه معظم الدول العربية نحو بناء علاقات مع الاتحاد السوفييتي فرضت مزيدًا من التحديات على الجانب الأمريكي ما دفعها إلى التحالف مع إسرائيل.

لقد بدا هذا التحالف بين البلدين جليًّا في المساعدات الاقتصادية الأمريكية التي تدفقت على الجانب الإسرائيلي؛ حيث تجاوزت المساعدات نصف مليون دولار في عام 1959 في حين بلغت ثلاثة عشر مليون دولار في عام 1963 وصولاً إلى 69 مليون دولار عام 1967 قبل الهجمات الإسرائيلية على مصر وسوريا.

وبالرغم من أن إسرائيل قد حققت مكاسب عدة من تحالفها مع الولايات المتحدة حتى يومنا هذا إذ تستأثر بنصيب الاسد من المنح الأمريكية التي بلغت مائة وثمانية عشر مليار دولار منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، إلا أن استمرار تلك المساعدات مرهون بمدى المكاسب التي تجنيها الولايات المتحدة هي الأخرى ضمن خطواتها للسيطرة والهيمنة على منطقة الشرق الأوسط.

ولأول مرة منذ عقود تبرز الخلافات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، إذ يطفو على السطح ثمة اختلاف في مواقف كلا البلدين حول سبل المضي قدمًا نحو تحقيق مصالحهما المشتركة.

لقد أدركت الولايات المتحدة أن التحالف مع إسرائيل ربما يمثل عائقًا نحو مجابهة التهديدات التي تحيق بأطماعها في منطقة الشرق الأوسط الذي يعج بثورات الربيع العربي في الوقت الحالي بعكس موقفها في عقد الستينيات.

عرض التعليقات
تحميل المزيد