منذ قديم الأزل، سعت الكثير من النساء إن لم يكن جميعهن، إلى استكشاف وسائل التجميل وممارساته المختلفة من أجل إبراز جمالهن، وإضفاء الجاذبية على أنفسهن بصورة لا تخطئها العين، ففي الوقت الذي تتمثل فيه طقوس الجمال اليوم في استخدام حقن البوتوكس، وغرسات الأسنان التجميلية، وتنعيم الشعر وفرده باستخدام البروتين والكرياتين، ودق الوشوم، خضعت النساء قديمًا لممارسات تُعد بمعايير اليوم ربما مقززة، علاوة على كون بعضها مؤلمًا؛ وبسبب قلة أدوات التجميل ومستحضراته المتاحة في القرون السابقة، كان على النساء أن يُبدعن، ويبحثن عن مواد وأدوات متوفرة حولهن، حتى وإن كانت هذه المواد سامة، أو تُسبب الأمراض على المدى البعيد.

السطور التالية تستعرض بعض طرق التجميل ومماراساته «المجنونة»، التي كانت شائعة قديمًا.

استخدمي الراديوم من أجل بشرة مُشعة

تسبب اكتشاف كل من ماري وبيير كوري لعنصر الراديوم عام 1898، في حدوث قفزة هائلة في المجتمع العلمي بأكلمه، ولم يمضِ وقت طويل قبل أن يُستخدم العنصر المشع في المجالات الطبية وكذلك التجارية؛ مستحضرات التجميل أيضًا كانت أحد المجالات التي فتحت ذراعيها للراديوم.

احتوت مستحضرات التجميل في الفترة التي تلت اكتشافه على مواد كيميائية مشعة، من بينها: كلوريد الثوريوم، وبروميد الراديوم، وذلك من أجل الحصول على بشرة «مُشعة»، باعتبار الراديوم عنصر الجمال الثوري.

عرض تسويقي لمستحضرات ثو-راديا التجميلية التي تحتوي على الراديوم– مصدر الصورة: cosmetics and skin

ففي عام 1933، أعلن الصيدلاني أليكسيس موسالي والطبيب ألفريد كوري، عن إطلاق مجموعة من مستحضرات التجميل المشعة الفرنسية، والتي كان من بينها مجموعة تسمى «ثو-راديا»، وتضمنت هذه المجموعة: سائل تنظيف البشرة، وكريمًا، ومسحوق بودرة، وكذلك أحمر شفاه، وأحمر خدود، ومعجون أسنان.

تم تسويق هذه المنتجات على أنها وسيلة تجميل بصورة علمية؛ إذ أظهرت الإعلانات وجهًا متوهجًا للغاية يمكن الحصول عليه عن طريق استخدام هذه المستحضرات، علاوة على ذلك، كانت الإعلانات تحمل لغة دعائية تقول بأن هذه المستحضرات التي تحتوي على العنصر المشع، تحفز حيوية الخلايا، وتُنشط الدورة الدموية، وتُزيل الدهون، وتمنع تضخم المسام، وتمنع تكون البثور والاحمرار والصبغات، وتزيل التجاعيد، بالإضافة إلى المحافظة على نضارة البشرة ولمعانها.

زهرة سيدة الحُسن السامة.. من أجل عيون فاتنة

الحصول على عيوان واسعة فاتنة، رغبة تداعب جميع النساء في كل زمانٍ ومكان، إذ تتوق النساء لعيون واسعة مثل عيون المها، حتى وإن اضطررن إلى استخدام وسائل مؤلمة أو مواد سامة؛ ففي عهد النهضة الإيطالي، لجأت النساء إلى استخدام مستخلص زهرة البيلادونا أو «سيدة الحسن السامة»، التي تتبع الفصيلة الباذنجانية، على شكل قطرات للعين، من أجل الحصول على عيون واسعة فاتنة بشكل مذهل.

وبالرغم من أن هذا المستحضر قد منحهن ما يتُقن إليه، إلا أنه تسبب أيضًا في مجموعة من الآثار الجانبية الخطيرة، بدءًا من عدم وضوح الرؤية، مرورًا بالصداع والهلوسة والتقيؤ وعدم انتظام دقات القلب، ووصولًا إلى العمى في نهاية المطاف.

وتجدر الإشارة إلى أن مادة الأتروبين السامة، الموسعة للعين والمستخلصة من زهرة سيدة الحسن، لا تزال تُستخدم حتى يومنا هذا في المجال الطبي، إذ تُستخدم لتوسيع الحدقة في فحوصات العين تحت إشراف طبي.

البول البرتغالي من أجل أسنان أكثر بياضًا

ينفق الكثيرون المال على مستحضرات العناية بصحة الفم والأسنان، وذلك من أجل الحصول على أسنان ناصعة البياض وابتسامة جذابة، وكان قدماء المصريين هم أول من عرفوا معجون تنظيف الأسنان، لكنه لم يكن مثل المعجون الغني بالفلورايد مكافح التسوس الشائع في يومنا هذا؛ بل كان مجرد خليط من مسحوق حجر الخفاف (صخرة بركانية خفيفة للغاية ومسامية) وخل العنب، ثم تلاهم في مضمار الحفاظ على نظافة الفم والأسنان بعد ذلك الرومان، لكنهم لم يخترعوا خليطًا ما، بل لجأوا لمادة عضوية 100%، اعتبروها حلًّا سحريًّا لصحة الفم، ألا وهي البول.

مصدر الصورة:aussiegossip

أثرياء الرومان، وخاصة النساء، كانوا مستعدين لدفع الكثير من المال للحصول على هذا الحل السحري، لدرجة أنهم بعثوا في استيراده من البرتغال وتحملوا تكاليف شحنه، بعدما شاع أن البول البرتغالي أكثر كفاءة في عملية تبييض الأسنان، مقارنة بالبول الروماني.

الأمر الذي نراه الآن مقززًا وغير معقول أبدًا، قد يبدو منطقيًّا لو عرفنا أن البول يحتوي على مادة الأمونيا التي تدخل اليوم في صناعة معجون الأسنان لما لها من خصائص تبييضية، مما يجعل سبب استخدامهم للبول في تنظيف الأسنان وتبييضها أمرًا بدائيًّا مقززًا لكنه ليس بالغريب.

عجينة الخنافس السامة من أجل شفاه أكثر حُمرة

الشفتان واحدة من أكثر المناطق إغراءً في وجه المرأة، والتي تسعى كل أنثى إلى إبراز جمالهما ومدى اكتنازهما عن طريق لفت الأنظار إلى لونهما الأحمر القاني، ويعود استخدام أحمر الشفاه الأول إلى بلاد ما بين النهرين، عندما قامت النساء بسحق الأحجار الكريمة مع شمع النحل ووضعها على الشفاه لإكسابها درجة اللون المرغوب فيها، لكن قدماء المصريين ذهبوا إلى خطوة أبعد. فقد بدأوا أولًا باستخدام الأعشاب البحرية واليود لخلق ألوان متميزة، وترواحت الألوان التي استطاعوا تخليقها بين البرتقالي الناري والوردي الهادئ، وصولًا إلى الأرجواني القاتم.

جاءت كليوباترا بعد ذلك بلون جديد مميز من توقيعها الخاص، إذ سحقت كمية من الخنافس السامة للحصول على لون أحمر صارخ. إنشاء هذا اللون لم يكن أمرًا يسيرًا، إذ تطلب تخليق أقل من نصف كيلوجرام أحمر شفاه، وسحق حوالي 70 ألف خنفساء.

أما في يومنا هذا، فتدخل قشور الأسماك في صناعة بعض أقلام تلوين الشفاه، إذ استُخدمت للوصول إلى الدرجة اللؤلؤية التي تُضاف إلى اللون الذي تُلون به الشفاه، فقشور الأسماك ذات مظهر لؤلؤي جذاب، مما حذا بشركات إنتاج مستحضرات التجميل أن تستخدمها؛ كي تضيف إلى منتجاتها التوهج اللوني الذي تطمح إليه.

كربونات الرصاص السامة من أجل بشرة ناصعة البياض

الحصول على بشرة فاتحة بيضاء، أحد أكبر القطاعات المتنامية في عالم صناعة مستحضرات التجميل اليوم، خاصةً وأن التعامل مع بياض البشرة على أنه إحدى علامات الجمال ودليل على رفعة المكانة، أمر ضارب في القِدم؛ مما حذا بالنساء إلى البحث عن كل وسيلة ممكنة من أجل الحصول على بشرة بيضاء.

ماريا كوفنتري (كونتيسة كوفنتري). مصدر الصورة: national trust

في القرن السادس عشر، لجأت النساء إلى استخدام مستحضر تجميلي عُرف باسم «Venetian ceruse»، من أجل تبييض البشرة، واعتبر أفضل مستحضرات التبييض المتاحة في العصور القديمة، لكن الوجه الآخر القاتم لمستحضر تفتيح البشرة هذا، ينحصر في كونه مصنوعًا من كربونات الرصاص السامة، إذ تسبب استخدام النساء له في الكثير من حالات التسمم بالرصاص، وكذلك حرق الجلد وتلفه.

وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن سبب وفاة ماريا كوفنتري (كونتيسة كوفنتري) في عام 1760، والتي كانت تبلغ من العمر 27 عامًا فقط آنذاك، يعود إلى مواظبتها على استخدام هذا المنتج يوميًّا، مما أدى إلى حرق جلدها وموتها مسممة بالرصاص في النهاية.

المصادر

تحميل المزيد