لسويسرا نظام سياسي فريد من نوعه، ولم يسبق لدولة أن قامت بتجربته غيرها، وهو نظام يعتمد على الديمقراطية المباشرة

يسمع الواحد منا «سويسرا» فيتبادر إلى ذهنه مباشرة ذاك البلد الأوروبي المحايد، والذي يزخر بالبنوك العالمية ومقرات المنظمات الدولية والتنوعات الثقافية، والجميل بجباله وطبيعته الخلابة، ناهيك عن افتتان كل من زار سويرسرا بمذاق الشوكولاتة لديها، إلا أن هناك بعض الحقائق الغريبة التي قد لا تتوقعها عن هذا البلد.

قبل اكتشافها، نذكر بأن سويسرا تصنف بأنها أفضل مكان يمكن العيش فيه على وجه الأرض بحسب تقييم مجلة «الإيكونوميست»، كما أنها احتلت المرتبة الثالثة في تقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة لـ2015، والذي يعتمد مؤشرات الصحة والتعليم والدخل والمساواة واحترام القانون كمعايير للتقييم.

1- لا يوجد رئيس في سويسرا!

لسويسرا نظام سياسي فريد من نوعه، ولم يسبق لدولة أن قامت بتجربته غيرها، وهو نظام يعتمد على الديمقراطية المباشرة، حيث ينتخب المواطنون بشكل مباشر ثمانية أعضاء يشكلون المجلس الاتحادي السويسري، المجلس الذي يدير كافة شؤون البلد، ويختار الأعضاء واحدًا بينهم ليمثل سويسرا رمزيًّا في المحافل الدولية.

كما يمكن للمواطنين الاعتراض على بعض مواد الدستور أو إضافة تعديلات جديدة مباشرة، دون الحاجة للمرور عبر البرلمان أو المحكمة الدستورية العليا كما هو شائع بباقي الأنظمة السياسية، وذلك فقط بجمع لائحة توقيعات لعدد محدد من المؤيدين للتعديل الدستور.

2- شعب سويسرا مسلح لكنها آمنة جدا

معروف أن انتشار السلاح بين المواطنين العاديين يتسبب في ارتفاع الجرائم وأعمال القتل، ولذلك تكافح إدارة أوباما بحظر حق امتلاك الأسلحة بين أيدي المواطنين لتقليص جرائم إطلاق النار، ونفس الأمر مع البرازيل وبلدان أخرى، وعادة ما تنتهي تلك المساعي السياسية بالفشل نتيجة مقاومة لوبيات الأسلحة التي تصور الأمر لعموم المواطنين باعتباره انتقاصًا من حقوقهم المدنية والقيم الليبرالية.

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=2UlnkkcmQ0s ” width=”800″ height=”450″ ]

لكن هذا الأمر لا ينطبق على سويسرا، إذ يمتلك سكان هذا البلد البالغ عدده 8 ملايين نسمة، حوالي 4,5 مليون قطعة سلاح بحوزة المواطنين، ورغم ذلك فتعتبر معدلات الجرائم في أدنى مستوياتها بهذا البلد، لدرجة أنها تقل بكثير حتى مقارنة مع البلدان التي تحظر قوانينها امتلاك المواطنين الأسلحة النارية.

3- سويسرا مستعدة لحرب نووية!

قد تبدو سويسرا محايدة، وغير معنية بالمشاكل الدولية أو التحالفات العالمية، حتى أنها لا تملك جيشًا بالمعنى العسكري، إلا أنها مستعدة لأي عدوان وإن كان نوويا.

تطفو سويسرا على شبكة أنفاق وملاجئ واسعة ومجهزة بكل الضروريات، ويفرض القانون السويسري على مقاولي البناء توفير ملجأ مجهز لكل بيت، يحتوي على احتياطات الغذاء والماء وأجهزة فلترة الهواء، بالإضافة إلى معدات الإسعاف والاتصال، وكل ذلك تحسبًا لأي حرب نووية أو كارثة طبيعية.

بإمكانك الذهاب في جولة بملجأ أحد المنازل السويسرية من خلال هذا الفيديو.

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=8oP0cRWlo2k ” width=”800″ height=”450″ ]

وتبدأ الخدمة العسكرية الإلزامية في سويسرا ابتداء من سن 18 سنة، حيث يحتفظ المواطنون بأسلحتهم في بيوتهم في انتظار أي طارئ.

ولدى الحكومة السويسرية خطط مجهزة مسبقا للتعامل مع أي اجتياح، تقضي بتفجير كل الممرات الجبلية والجسور والأنفاق المؤدية إلى سويسرا، والاعتماد على شبكة أنفاق سرية خاصة بالجيش لمواجهة العدوان.

4- ليس لسويسرا عاصمة وليست عضوًا في الاتحاد الأوروبي

نعم كما سمعتها، جنيف ليست عاصمة سويسرا كما قد تظن، وليس لهذا البلد عاصمة من الأصل، لأن الدستور لم ينص على ذلك ببساطة، لكن بحكم الأمر الواقع تعتبر مدينة برن عاصمة البلاد نظرًا لتمركز إدارات الدولة هناك.

وأيضًا لا تعتبر سويسرا جزءًا من الاتحاد الأوروبي، فقد صوت الشعب السويسري في استفتاء عام ضد الانضمام للكتلة الأوروبية منذ 1992، ورفض في 2001 إجراء حكومته مفاوضات في مسعى الانضمام، وتفضل سويسرا ربط علاقات ثنائية مع الاتحاد الأوروبي بدلا من الانضمام إليه.

تحاول سويسرا الحفاظ على موقعها الحيادي بين بلدان العالم كمركز لحل النزاعات السياسية ومخزن أمين لنقود العالم، ومن ثم تتجنب الدخول في تحالفات أو تكتلات دولية قد تزيل عنها صفة الحيادية.

تنهج سويسرا سياسة اللامركزية في أقصى حدودها الممكنة، ولذلك لم يكن غريبًا أنها لا تملك رئيسًا ولا عاصمة ولا تورط نفسها في تحالفات.

5- لم تعد البنوك السويسرية حاليًا بتلك السمعة السيئة

تشتهر البنوك السويسرية بكونها حافظة مال أمينة للمجرمين وتجار المخدرات والدكتاتوريين والمسؤولين الفاسدين في أنحاء العالم، وملاذا للتهرب الضريبي، حيث تتميز أنظمتها البنكية بالسرية التامة، مما يسمح لبعض الفاسدين باكتناز أموالهم في بنوك خاصة دون خشية إفشائها.

ونتيجة ضغوطات مارستها الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي في بداية 2014 أعادت سويسرا ترتيب ساحتها المالية، ووقعت اتفاقية مع كل منهما، تقضي بموجبها تزويد السلطات الأجنبية ببيانات المودعين الأثرياء، مثلما يحتم على البنوك السويسرية اقتطاع الضرائب المستحقة على الثروات المودعة في بنوكها وتسليمها إلى السلطات الأميركية وسلطات الدول الأوروبية المعنية، وقد توبع بعض بنوك سويسرا لدى المحاكم الفيدرالية الأمريكية، وكلفها ذلك تعويضات بملايين الدولارات.

كما عدلت سويسرا قوانين الخصوصية، التي تستغلها بعض بنوكها الخاصة للتغطية على مصادر الأموال، وأدرجت بنودًا تلزم المودعين بتسليم وثيقة سلامة الأموال من دولهم، وسمحت للموظفين بإفشاء معلومات الحسابات في حالة ثبوت شبهات حول أصحابها، الأمر الذي ضاعف حجم تسريبات البنوك السويسرية في الآونة الأخيرة العائدة لعدد من فاسدي العالم.

وتعمل سويسرا على إرجاع حوالي 60 مليون دولار مملوكة لعائلة بن علي إلى تونس، مثلما جمدت 130 مليون فرنك سويسري لشخصيات مرتبطة بالنظام السوري، وأموالًا أخرى تعود للرئيس المصري السابق مبارك، كما أعادت حوالي 50 مليون دولار للسلطات النيجيرية كانت تعود للرئيس أباتشا، وطالت هذه العقوبات المالية أيضا عددًا من السياسيين وتجار المخدرات وممولي الإرهاب الذين صدر في حقهم متابعات دولية خلال السنتين الأخيرتين.

غير أن تحسن الأنظمة البنكية بسويسرا بعد الترسانة القانونية الجديدة لا يعني سد الطريق أمام أموال فاسدي البلدان العربية، حيث عادة ما يتمتع السياسيون والمسؤولون في البلدان العربية بالسلطة والنفوذ اللازم لإثبات سلامة أموالهم بصكوك البراءة الممنوحة من قضاء بلدانهم بسبب تفشي الفساد وهشاشة أنظمة التحقيق ومحاربة الأموال الفاسدة هناك، الأمر الذي يصعب جدا من مهمة تتبع سويسرا مصادر أموال المودعين، طالما لم تصدر في حقهم شكاوى قضائية دولية أو إشعارات تحذيرية من سلطات بلدانهم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد