حين نُشاهد فيلمًا أو مسلسلًا عن الجريمة، وخاصة جرائم القتل السادية أو التي تدل على ذكاء مُنفذها؛ ربما نتساءل من أين تأتي تلك الأفكار للكاتب الذي يجلس خلف الأوراق؟ هل هو خيال جامح؟ أم هناك على أرض الواقع ما يربط كاتب الجريمة بجرائمه؟

في هذا التقرير نقدم لكم ثلاثة كُتاب كانت جرائمهم هي إلهامهم في روايتهم التي قدموها للنشر، فلماذا كتب هؤلاء جريمتهم التي أفلتوا من عقابها بالتفصيل على الورق وقدموها للجمهور على طبق من ذهب؟ وهل أقبل أحدهم في الأساس على القتل بغرض إثارة الوحي داخل عقله؟

«أدباء لكن جواسيس».. هؤلاء برعوا في الكتابة عن الجاسوسية لأنهم امتهنوها

1- ريتشارد كلينهامر.. «7 طرق لقتل زوجتك وإخفاء جثتها»

عندما تختفي الزوجة، أو تُقتل؛ تتجه الشكوك في البداية للزوج، فغالبًا أسباب القتل تكون عاطفية أو جنسية، والصراعات الزوجية ليس لها نهاية وتُخرج من الإنسان ما لم يره في نفسه من قبل، ولكن حينما يتعلق الأمر بكاتب ومؤلف قصص الجريمة؛ يكون للجريمة صياغة مثيرة للاهتمام وهذا ما حدث مع الكاتب الهولندي ريتشارد كلينهامر.

في عام 1992، وبعد مرور عام على اختفاء زوجته دون أثر؛ تقدم مؤلف الجريمة برواية لناشره بعنوان «Woensdag Gehaktdag » (أي الاربعاء.. يوم اللحم المفروم)، وتدور قصتها حول شرح سبع احتمالات مخيفة عن الطرق التي قد يتخلص بها الزوج من زوجته بعد قتلها.

في واحدة من تلك الاحتمالات؛ يلقي الزوج جثة زوجته في ماكينة اللحم المفروم حتى يُخفي أي أثر لزوجته عن عيون الشرطة، ومن ثم يُطعم لحمها المفروم للطيور، ورفض الناشر نشر تلك الرواية ولكن سرعان ما وجدت الرواية طريقها للنشر بطرق غير شرعية وانتشرت سريعًا في هولندا.

ريتشارد كلينهامر. مصدر الصورة موقع: volkskrant.nl

تلك الرواية كانت مثيرة للشبهات، خاصة وأن الكاتب كان المتهم الأول في قضية اختفاء زوجته ولكن الشرطة لم تجد ما يكفي من أدلة عن تخلصه منها، واستجوبته الشرطة وقت اختفاء زوجته في منزله فلم يعترف، فحجزوه في زنزانة حتى تنهار مقاومته ولم يعترف أيضًا، وفتشت الشرطة المنزل والحديقة بالكلاب البوليسية وأجهزة الرصد المتاحة لهم في ذاك الوقت، ولم يعثروا على شيء وأخلوا سبيله، ليتفرغ لكتابة رواية يعترف فيها بما فعله لزوجته؛ الأمر الذي كان مُحيرًا للكثيرين.

بعد تخلصه من زوجته، اعتكف الكاتب الهولندي في منزله لسنوات يكتب ويشرب الكحول بكثافة، ومع الوقت بدأ الشك يتسرب للمحيطين به خاصة بعد أن ظهرت روايته التي نُشرت نشرًا غير مشروع والتي تعتبر اعترافًا أدبيًا منه بقتل زوجته ولكن أيضًا دون دليل مادي، وهذا الغموض حول الكاتب؛ جعله محط أنظار الإعلام وحظي بشهرة لا بأس بها بين كتاب الجريمة في هذا الوقت واستضافه أكثر من برنامج تلفزيوني، وانتقل من بلدته الصغيرة إلى أمستردام لينضم إلى حزب أدبي يجمع كُتاب الجريمة من الدرجة الثانية، مما أتاح المجال لسكان جدد في منزله القديم الذي عاش فيه مع زوجته قبل اختفائها.

الكاتب الهولندي القاتل. مصدر الصورة موقع :m.paultolenaar

وفي عام 2000؛ قرر السكان الجدد إجراء تعديلات على حديقة المنزل، وبمجرد أن شُغل الحفار في أرض الحديقة، اصطدم بجمجمة بشرية مدفونة على عمق بضعة أمتار تحت سطح الأرض، واستمروا في البحث؛ حتى عثروا على باقي الجثة، وسرعان ما اكتشف الطب الشرعي من سجلات أسنان الهيكل العظمي؛ أنه يعود إلى زوجة كاتب الجريمة ريتشارد كلينهامر، وفي اليوم نفسه ألقت الشرطة القبض عليه، ولم يجد وقتها مفرًا سوى الاعتراف بقتل زوجته، وحُكم عليه بالسجن لمدة سبعة أعوام، ولكن المحكمة أمرت بإطلاق سراحه في العام 2003 بناءً على حسن سيره وسلوكه، وتوفي في عام 2016 وعمره 78 عامًا.

كان ريتشارد كلينهامر يكتب ليغتسل من تجاربه القاسية، فعمله في فترة مع قوات الجيش؛ كان نتيجتها ظهور كتابه الأول للحياة وكان بعنوان «Obedient as a dog» (أي مُطيع كالكلب) والذي استوحاه من تجربته في العمل مع الفيلق الأجنبي الفرنسي، والذي كتب عنه في تلك الرواية: «في البداية يعلمونك كيف تقتل، ومن ثم يعلمونك كيف تتخلص من جثة القتيل»، ولكن حينما عاش الكاتب حياة مستقرة مع زوجته فقد جافاه الوحي، وبدأ يشرب الكحول ويتعدى عليها بالضرب كما صرح أحد أصدقائهم للشرطة، مؤكدًا أن زوجته كانت تزورهم هاربة منه وجسدها مليئ بالكدمات الزرقاء إثر تعنيفه لها، وإذ كان غرض ريتشارد كلينهامر من قتل زوجته هو إيجاد وحي جديد وقصة مثيرة جديدة لروايته سعيًا للشهرة، وقد نجح في هذه المهمة على أكمل وجه.

خيط رفيع يفصل بين الواقع والخيال.. جرائم مروعة ألهمت هؤلاء الكتاب لكتابة قصصهم

2- ليو يونجبياو الذي قال للشرطة: «أنتظركم منذ فترة طويلة»

لماذا يكتب المؤلف؟ ما الذي يُلح عليه ويؤرق نومه ويريد أن يمرره للآخرين ويشاركهم إياه؟ هل هي فكرة؟ أم كابوس متكرر؟ أم إحساس بالذنب يدفعه للاعتراف بجرائمه السرية بين سطور الروايات الخيالية؟ في حالة الكاتب الصيني ليو يونجبياو مؤلف روايات الجريمة؛ كان الذنب هو الدافع لكتابة سطور رواية «The Guilty Secret» (أي سر المذنبين). في مقدمة تلك الرواية، كشف الكاتب الصيني عن نيته في كتابة رواية تدور قصتها حول مؤلفة مشهورة، ارتكبت العديد من الجرائم المروعة، ونجحت في تضليل العدالة والهروب من العقاب، وصرح أن اسم الرواية سيكون «The Beautiful Writer who Killed» (أي الكاتب الجميل الذي قتل)، وفي نهاية عام 2017؛ كُشف لجمهور هذا الكاتب، أن تلك القصة لم تكن من وحي خياله، وإنما هي قصة حياته، وهذا بعد أن قبضت عليه الشرطة الصينية بتهمة قتله أربعة أشخاص منذ ما يزيد عن عقدين. وحينما وجد الشرطة على باب منزله قال لهم: «إني أنتظركم من فترة طويلة».

الكاتب  ليو يونجبياو مصدر الصورة موقع:corriere.i

انضم الكاتب لرابطة الكُتاب الصينيين في العام 2013 بعد نشر روايته الأولى «The Guilty Secret» والتي تحولت إلى مسلسل تلفزيوني صيني من 50 حلقة، ووقتها صرح للإعلام عن رغبته في تجسيد روايته الجديدة -والتي تحكي قصة حياته- على شاشة السينما.

صرحت الشرطة أن يونجبياو في الثلاثينات من عمره في عام 1995، اقتحم فندقًا صغيرًا في مدينة هوتشو بشرق الصين؛ بغرض سرقة نزلائه، وحينما ضبطه أحد النزلاء؛ اضطر لقتله ثم قتل الرجل الذي يدير الفندق هو وزوجته وحفيده البالغ من العمر 13 عامًا؛ حتى لا يترك وراءه شهودًا على جريمته، ووقتها لم تستطع الشرطة الربط بين القتلى والكاتب لعدم وجود صلة بينهم فلم ينضم اسمه لقائمة المتهمين من الأساس وأغلقت القضية ضد مجهول.

الكاتب أثناء التحقيق معه. مصدر الصورة موقع :bild.de

ورفضت الشرطة التصريح عن التفاصيل الدقيقة التي سمحت لهم  بالربط بين الكاتب والجريمة بعد 22 عامًا من تنفيذها، موضحين للصحافة أن كل ما يمكن التصريح به؛ هو أن التكنولوجيا الحديثة المتبعة في التحقيقات الجنائية، والتي تطورت تطورًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة؛ قد ساعدتهم على فتح الكثير من القضايا المقيدة ضد مجهول وإعادة البحث باستخدام تقنيات الكشف عن الحمض النووي، مؤكدين أن ضباط الشرطة اضطروا للبحث بين ما يزيد عن 60 ألف عينة حمض نووي؛ حتى وصلوا إلى ليو يونجبياو، وحُكم عليه بالإعدام العام الماضي.

المُثير في قصة هذا الكاتب الصيني، ما قاله عند وصول الشرطة لمنزله، فلم يشعر بالفزع أو الخوف، بل وفقًا لتصريحات ضباط الشرطة الذين كُلفوا بالقبض عليه؛ أنه بدت عليه الراحة عندما وجدهم على باب منزله، وقال لهم «إني انتظركم من فترة طويلة.. والآن أرتاح من عذاب ضميري وعقلي الذي عشت فيهما طويلًا».

وبين أوراقه وجدت الشرطة خطابًا موجهًا لزوجته يعترف فيه بجريمته، وحينما نضع في الاعتبار روايته التي بدأ كتابتها عن قصة حياته؛ فربما نشك أن ليو يونجبياو كان يتمنى أن يُقبض عليه بالفعل، وأن كتابته لروايته؛ كانت عبارة عن اعتراف خفي بما يؤرقه ليلًا من جرائم ارتكبها.

«الجارديان»: 5 كتب مهمّة ستشرح لك الوجه الخفي للسعودية 

3- كريستيان بالا.. روايته تضعه خلف القضبان

هل ما شاهده الحضور في المحكمة، على وجه كريستيان بالا أثناء محاكمته وهو واقف وراء القضبان؛ ابتسامة؟ نعم كانت ابتسامة، فهل كانت ابتسامة فخر أم نصر أم امتنان، هذا الأمر يصعب الإجابة عنه دون الغوص عميقًا وسبر أغوار الجوانب النفسية لكاتب الجريمة البولندي كرستيان بالا.

كريستيان أثناء محاكمته. مصدر الصورة موقع: murderpedia

في روايته الأولى «Amok» (أي سُعار القتل) والتي نُشرت في العام 2003، حكى الكاتب البولندي عن رجل عذب امرأة وقتلها بعد أن قيدها لأيام من يديها ورقبتها، وبعد ارتكابه للجريمة الكاملة؛ هرب من العدالة ولم تعثر عليه الشرطة، فيما بعد أدركت الشرطة أن تلك الرواية لم تكن من نسج خيال الكاتب، ولكنها مجرد توثيق أدبي لتجربته الشخصية في القتل السادي، ولكن مع تغيرات درامية بسيطة، فضحيته على أرض الواقع كان رجلًا وليس امرأة كما ورد في الرواية.

وفي عام 2007 اكتشفت الشرطة البولندية التطابق بين جريمة القتل الواردة في الرواية، وجريمة القتل التي لم يظهر قاتلها، وصرحت القاضية ليديا هوجينيسكا في قاعة المحكمة أثناء محاكمة الكاتب، موضحة أن هناك الكثير من التفاصيل المذكورة في الرواية والتي كانت من أكثر الكتب مبيعًا في بولندا بذاك الوقت؛ قد نُفذت بالتفصيل على أرض الواقع في الجريمة التي قيدت ضد مجهول لفترة طويلة، وحُكم على المؤلف البالغ من العمر 34 عامًا بالسجن المؤبد.

في البداية أنكر الكاتب ارتكاب الجريمة التي راح ضحيتها رجل أعمال بولندي وجد الصيادون جثته مشوهه في أعماق المياه، مؤكدًا أنه ليست هناك أي صلة تجمعه بهذا الرجل، ولكن فيما بعد اكتشفت الشرطة أن رجل الأعمال المقتول كان على علاقة بزوجة الكاتب السابقة، مما أثبت للمحكمة صلته بالكاتب، وأكد كذب الكاتب في ادعاءاته، ومن آراء الشهود والخبراء النفسيين الذي كلفوا بكتابة تقرير عن طبيعة شخصية كريستيان؛ تبين أنه شخص غيور غيرة مرضية، وكان مهووسًا بزوجته حتى بعد طلاقهما وكان يحذرها من انخراطها في علاقات جنسية مع رجال آخرين بعد انفصالهما.

شاهد إعلان فيلم  «Dark Crimes» من هُنا.

قصة هذا الكاتب ألهمت أكثر من مخرج وصانع أفلام، طارحين التساؤل في أعمالهم عن السبب النفسي الذي قد يدفع كاتبًا لتأليف رواية يعترف فيها بجريمته وتتسبب في القبض عليه بعد ذلك، فهل هذه طريقة اللاوعي في منح الضمير بعضًا من الراحة.

في العام 2017  قدمت المخرجة البولندية كاسيا أدامك فيلمًا يحمل نفس عنوان الرواية «Amok»(أي سُعار القتل) ودارت قصته حول الكاتب الذي دفع الشرطة للقبض عليه من خلال روايته، وفي عام 2016 قدم الممثل الأمريكي جيم كاري فيلمًا بعنوان «Dark Crimes» (أي جرائم الظلام) والذي تدور قصته حول المُحقق الذي لاحظ التشابه بين الرواية والجريمة ومن خلال تلك الملاحظة؛ حل لغز جريمة قتل رجل الأعمال والتي ظلت غامضة لعدة سنوات.

مترجم: للمتشائمين وعشاق «الديستوبيا».. 15 من أشهر الروايات والأفلام

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد