90%  من الجرائم المرتكبة بحق الصحفيين في العالم لم يجر بشأنها تحقيق!، فما يربو على 700 صحفي قتل خلال العقد الماضي بسبب قيامهم بأنشطتهم المهنية ، أفلت معظم مرتكبي الجرائم بحقهم من العقاب، وهذا ما ترجعه منظمة “مراسلون بلا حدود” إلى عدم كفاية الموارد أو لغياب الإرادة السياسية وعدم اتخاذ الحكومات إجراءات ملموسة للحد من ارتفاع معدلات العنف والإفلات من العقاب التي تستهدف الصحفيين.

لقد قُدم الصحفيون كقرابين للكلمة الحرة الناقلة للأحداث بحيادية، حيث أن %70 من حالات وفاة الصحفيين  ناجمة عن جرائم قتل مرتبطة بعملهم، حسبما أفادت أبحاث لجنة حماية الصحفيين. ولا يتضمن هذا المؤشر حالات قتل الصحفيين أثناء الأعمال الحربية أو حالات الوفاة التي تحدث أثناء أداء مهمات خطرة مثل الاحتجاجات في الشوارع.

وللحد من إفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في دورتها الثامنة والستين المنعقدة في عام 2013، القرار 68/163 الذي أعلن يوم 2 تشرين الثاني/نوفمبر بوصفه “اليوم الدولي لمكافحة الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين”، هذا القرار يحث الدول الأعضاء على تنفيذ تدابير محددة لمكافحة ثقافة الإفلات من العقاب المتفشّية حاليا.

في الثاني من نوفمبر الماضي عقد لأول مرة على المستوي العالمي مؤتمر ” اليوم الدولي لمكافحة الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين”،وجرى اختيار هذا التاريخ إحياءً لذكرى اغتيال الصحفيَين الفرنسيَين في مالي في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2013.

الدول الأكثر إجرامًا

يظهر مؤشر “لجنة حماية الصحفيين” للإفلات من العقاب لعام 2013 أن نيجيريا أصبحت أحد أسوأ البلدان من حيث ارتكاب العنف القاتل ضد الصحافة والذي يفلت مرتكبوه من العقاب، إذ يسيطر على شمال البلاد مقاتلون متمردون كما تحدث اعتداءات مدفوعة بأسباب سياسية في سائر أنحاء البلاد ، كما يبين تحليل اللجنة  أن هناك تصاعداً في العنف ضد الصحافة في الصومال وباكستان والبرازيل ، حيث يتفاقم الوضع فيها جراء عدم استعداد قادة هذه البلاد أو عدم قدرتهم للتصدي لهذه المشكلة . وكذلك من البلدان التي استهدفت فيها الصحفيين بنسبة متزايدة، سوريا والعراق ، فالعراق قتل فيه منذ سقوط النظام السابق أكثر من 390 إعلاميًا .

ويشير التحليل إلى أن تحسناً طرأ على الوضع في نيبال، كما طرأ تحسن في روسيا والتي كانت تسودها ثقافة راسخة في مجال الإفلات من العقاب. وعلى الرغم من أن كلا البلدين يظلان خطرين على عمل الصحافة، إلا أنهما شهدا انخفاضاً عاماً في العنف الفتاك ضد الصحافة، إضافة إلى إجراء عدد قليل من الملاحقات القضائية الناجحة جزئياً بشأن جرائم قتل الصحفيين ، ووجد التحليل أيضًا أن جرائم قتل الصحفيين تناقصت في كل من العراق وسريلانكا والمكسيك وكولولمبيا وأفغانستان، وهي جميعا على مؤشر الإفلات من العقاب وشهدت سجلات طويلة من العنف الفتاك ضد الصحافة.

مقتل صحفي أسبوعيًا

 في عام 2014 سُجل عدد مهول من الانتهاكات ضد الصحفيين ، حيث بلغ عدد الصحفيين الذين قتلوا (75) صحفيًا بينهم (17) صحفيا في غضون 51 يوم خلال العدوان الإسرائيلي على غزة ، (17) صحفيًا تم إعدامهم هذا العام في العراق.

وفي عام 2012 وحده، أدان مدير عام اليونسكو قتل 123 من الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام، ومنتجي وسائل الإعلام الاجتماعية للصحافة المصلحة العامة. وفي عام 2013، انخفض هذا الرقم قليلا إلى 91، و نشرت ” اليونسكو” أرقامًا لا تتضمن وضع العديد من الصحفيين الذين يعانون بشكل يومي من الهجمات غير المميتة، فتبين أن أكثر من 700 صحفي قتلوا ، وأن 94% من الصحفيين الذين قتلوا هم صحفيون محليون و6% فقط هم المراسلون الأجانب. ويمثل الصحفيون الذكور 94% من الصحفيين الذين قتلوا.

تقول السيدة إيرينا بوكوفا، المدير العام لليونسكو أنه يقتل صحفي واحد كل أسبوع مؤكدة على أن هؤلاء الصحفيين يعيشون في بيئة تسودها ظاهرة الإفلات من العقاب وهذا ما يتيح للجناة فرصة الاستمرار في اعتداءاتهم دون رادع مما يقف حائلاً دون التدفق الحر للمعلومات. وتشير بوكوفا إلى أن الضرر الناتج عن الإفلات من العقاب خطير، إذ إنه يقود إلى ممارسة رقابة ذاتية خوفاً من الانتقام وهذا بدوره يحرم المجتمع من مصادر المعلومات الهامة.

آليات المواجهة

“إن الإفلات من العقاب ينتج عن الصراع والفساد وضعف المؤسسات، ويبقى الافتقار إلى الإرادة السياسية أهمّ عائق حقيقي أمام تحقيق العدالة” ، هذا ما يستنتجه تقرير الأمم المتحدة الذي صدر بعنوان “اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب عن الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين” في الثاني من نوفمبر.

لكن ماذا عن آليات مواجهة وعقاب مرتكبي الجرائم ضد الصحفيين ؟ استنادا إلى النتائج التي توصل إليها التقرير، فقد بادرت اللجنة الدولية لحماية الصحافيين بتقديم سلسلة من التوصيات، أولها دعوة الحكومات الوطنية والقيادات السياسية إلى الإدانة العلنية وبشكل قاطع جميع أعمال العنف ضد الصحفيين. ودعوة  الأمم المتحدة والهيئات الحكومية الدولية الإقليمية إلى اتخاذ خطوات ملموسة لضمان تحمّل الدول الأعضاء مسؤوليتها في هذا المجال والتزامها بمكافحة الإفلات من العقاب.  كما يبحث الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بذل قصارى جهودهم لمنع أعمال العنف ضد الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام، وكفالة المساءلة، وتقديم مرتكبي الجرائم ضد الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام إلى العدالة، وضمان وصول الضحايا إلى سبل الانتصاف المناسبة.

وفي إطار مكافحة الإفلات من العقاب دعت “منظمة مراسلون بلا حدود” لاستحداث منصب مستشار خاص للأمين العام للأمم المتحدة عن سلامة الصحافيين إذ أن استحداث مثل هذا المنصب يمكّن المنظمة الدولية من رصد وتحقق في امتثال الدول لالتزاماتها بموجب قرار مجلس الأمن الرقم 1738 الذي أقر العام 2006. ويذكّر القرار حكومات العالم “بالالتزامات بموجب القانون الدولي لوضع حد للإفلات من العقاب”.

ولا بد من الإشارة إلى دور لجنة حماية الصحفيين ، فقد قادت حملتين لمكافحة الإفلات من العقاب في جرائم قتل الصحفيين. وتمكنت اللجنة من إقناع الادعاء العام في روسيا بإعادة فتح عدة قضايا كانت مقفلة؛ وبذلت اللجنة جهوداً لإقناع الحكومة المكسيكية بسن التعديل الدستوري الجديد الذي يجعل الجرائم التي تستهدف الصحافة من اختصاص السلطات الاتحادية؛ وأدت اللجنة دوراً في تطوير خطة مكافحة الإفلات من العقاب التي اعتمدتها الأمم المتحدة واستهلال العمل فيها في باكستان.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد