يبدو أن تأثير انتشار وباء كورونا حول العالم بدأ يتجاوز مشكلات الوفيات، وتدهور الوضع الاقتصادي، إلى أبعاد اجتماعية وصلت إلى حد طبيعة انتشار الجرائم ونوعيتها. الحياة تحت الإغلاق الكامل أو الجزئي، وحظر التجوال والعزل المنزلي لم تغير فقط الكيفية التي يعيش بها الناس، ولكن أيضًا كيفية حدوث الجريمة.

ورغم تراجع مستوى الجرائم، مثل السرقة والقتل وغيرها من الجرائم الكبيرة، بشكل عام في كثير من دول العالم، فإن هناك علامات مقلقة بدأت تظهر تتعلق باحتمال تزايد نوعية أخرى من الجرائم، مثل العنف المنزلي، والاحتيال عبر الإنترنت، بالإضافة لجرائم جديدة بدأت تظهر وتنتشر.

الجرائم تتراجع بشكل عام.. ولكن

طبقًا لبيانات إدارة شرطة مدينة إسطنبول، أكبر المدن التركية، فقد ظهر انخفاض في نسبة الحوادث المرتبطة بالنظام العام في المدينة بنسبة 14.5% خلال شهر مارس (آذار) 2020، مقارنة بشهر مارس من العام الماضي. وأرجعت الشرطة السبب في ذلك إلى التدابير التي اتخذتها الحكومة التركية لمكافحة انتشار فيروس كورونا.

وفي المملكة المتحدة، كان الخبر السار هو وجود تغيير أساسي يتعلق بوجود انخفاض في جرائم معينة. وشهدت بعض مناطق المملكة انخفاضًا في الجرائم المسجلة بنسبة تصل إلى 20%. ويختص ما يسمى علم الجريمة وعلم الجريمة البيئية، بفرص الجريمة، وكيفية تأثرها في أنماط الحياة والأنشطة الروتينية، وسلع وخدمات معينة. على سبيل المثال، الشخص الذي يخرج أكثر في المساء يواجه المزيد من الجرائم الشخصية، مثل السرقة والخطف أو الاعتداء، في حين أن الشخص الذي يملك منزلًا غير خاضع للحراسة يكون أكثر عرضة لجرائم السطو.

Embed from Getty Images

(تراجعت الجرائم في الأماكن العامة مع بقاء الناس في منازلهم)

وبالطبع فإن إتاحة حرية الحركة أو عدمها، هو أمر أساسي لوجود الجريمة. فالجاني المحتمل يجب أن يواجه هدفًا محتملًا لارتكاب جريمة. قد يكون الهدف شخصًا، أو مبنى، أو منتجًا. ونتيجة لعمليات الإغلاق والتزام المنازل، فقد تغيرت تحركاتنا تغيرًا كبيرًا. ومع بقاء غالبية الناس في منازلهم، ستتوفر حراسة بشكل أفضل للمنازل، وحتى للسيارات الموجودة بجوار المنازل؛ نتيجة وجود الجيران وزيادة القدرة على رصد أي تحركات مشبوهة. هذا يعني أن نتوقع أن تنخفض جرائم السطو الليلي، وجرائم سرقة السيارات.

أيضًا، سنشهد انخفاضًا في الجرائم في الأماكن العامة. لن يوجد شغب في كرة القدم أو الرياضات بشكل عام، ستقل الجرائم المرتبطة بالسياحة، والمدارس، ومناطق التسوق، ومواقف السيارات، ومناطق الترفيه. كما ستنخفض الجرائم في وسائل النقل العام، وحول محطات القطارات والحافلات، وضد سائقي سيارات الأجرة، لكن على جانب آخر، فإن نوعية أخرى من الجرائم ستتسيد المشهد، نتحدث عن بعضها في السطور التالية.

1. العنف المنزلي يزداد في زمن الحجر الصحي

الأخبار السيئة فيما يتعلق بالبقاء في المنزل، هو أن هناك فرصة أكبر لحدوث العنف المنزلي والعائلي. بالعودة إلى تركيا، ذكرت وسائل إعلام محلية أن حالات العنف المنزلي زادت بنسبة 38.2%، في أعقاب دعوات الحكومة لمواطنيها بالبقاء في المنزل. ووصلت حالات العنف المنزلي خلال شهر مارس 2019 إلى 1804 حالة، في حين ارتفعت عدد الحوادث إلى 2493 حادثة في الشهر نفسه هذا العام. إحصائيات الشرطة التركية في مدينة إسطنبول سجلت نحو 80 حادث عنف منزلي في المتوسط يوميًّا.

وفي سوريا، كشف مستشار وزير الأوقاف السوري، حسان عوض، عن ارتفاع حالات الطلاق بمقدار خمس أضعاف خلال فترة حظر التجول، التي طُبقت لمكافحة تفشي فيروس كورونا في البلاد، بشكل تقديري. وأوضح الوزير أنه كان يبحث حالة واحدة من حالات طلب الطلاق يوميًّا عبر الهاتف، فيما ورده في يوم واحد خمس حالات طلاق تجري معالجتها عبر الهاتف. وأشار إلى أن السبب قد يكون «التماس المباشر والواقع السيئ الموجود في بعض العلاقات الزوجية، والذي لم يكن ملحوظًا في السابق».

يأتي هذا في وقت أطلق فيه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، نداءً عالميًّا لحماية النساء والفتيات «في المنازل»، مع تفاقهم حالات العنف المنزلي والأسري خلال فترة الحجر الصحي. وأبدى غوتيريش أسفه لأن أكثر مكان يلوح فيه خطر العنف ضد المرأة، هو المكان الذي يفترض به أن يكون واحة الأمان لهن، المنزل. وأكد «مع تزايد الضغوط الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة وتنامي المخاوف، شهدنا طفرة عالمية مروعة في العنف المنزلي».

في الدول الغربية، هناك إشارات إلى تزايد حالات الاعتداء الجنسي على الأطفال في المنزل. الكحوليات أيضًا ستمثل سببًا لتزايد العنف في المنازل. فمع إغلاق الحانات، يزدهر طلب الكحوليات من المتاجر الكبيرة والمبيعات عبر الإنترنت. هذا الأمر في نظر المختصين، لا يبشر بالخير سواء للزوجات، أو شركاء السكن، أو الأطفال.

2. المشكلات بين زملاء العمل لن تتوقف لكن ستختلف

في مكان العمل، ستنخفض المضايقات والسرقات، ببساطة لأنه لم يعد هناك أحد. لكن العمل عن بعد قد يزيد من المضايقة عبر الإنترنت بين زملاء العمل لمجرد وجود تفاعل عبر الإنترنت أكثر بكثير. ولكن هناك بعض الأدلة التي يمكن الاحتفاظ بها من قبل المجني عليهم، حيث يمكن لتقنيات الدردشة التقاط المضايقات عبر الإنترنت وتوثيقها، حيث يمكن تحميل الجناة المسؤولية.

Embed from Getty Images

(المستشفيات أصبحت هدفًا للجريمة)

من ناحية أخرى، قد تكون أماكن العمل غير المحمية أكثر عرضة للاقتحام. وقد يكون من السهل للمجرمين الذين يرغبون في ارتكاب هذا النوع من الجرائم التجارية، استغلال عدم وجود أحد، خاصة إذا كانت الشرطة مهتمة بأمور أخرى متعلقة بتوفير الاحتياجات، وضبط المتاجر، وغيرها.

3. الأقنعة والمستلزمات الطبية هدف للصوص

على سبيل المثال، ندرة بعض المنتجات نتيجة التفشي الوبائي الذي يشهده العالم حاليًا، جعل من أقنعة الوجه والمعدات الطبية أهدافًا أكثر جاذبية للسرقة. وكانت هناك بالفعل أمثلة على وجود لصوص يسرقون عبوات الأكسجين من المستشفيات، وهجمات على بنوك الطعام، والسلع المقلدة المرتبطة بفيروس كورونا.

4. مساعدات الحكومة.. احتيال جديد

هناك فرص بدأت تظهر لأشكال مختلفة من الجرائم، لوجود فرص مغرية لذلك في بعض الدول. على سبيل المثال، عرضت بعض الحكومات تقديم منح ومساعدات ودعم للشركات، في مقابل الالتزام بدفع رواتب الموظفين، أو نسبة معتبرة من قيمة الراتب خلال فترة بقائهم في منازلهم. المشكلة أنه جرى إدخال هذه الإجراءات الجديدة دون وجود إمكانية قوية للتحقق من إمكانية استغلال بعض المجرمين لها. وهو ما قد يؤدي إلى ترك ثغرات في النظام يستغله المحتالون لتقديم طلبات مزيفة.

5. نقل العدوى.. جريمة مع سبق الإصرار والترصد

لعل أغرب تلك الجرائم التي بدأ رصدها مؤخرًا، هو ما أوردته تقارير تفيد باستهداف أفراد من الجمهور والشرطة والمساعدين الطبيين، بمحاولات السعال مع سبق الإصرار والترصد في وجوههم بغرض نقل العدوى. السلطات البريطانية – على سبيل المثال – ألقت القبض على رجل وامرأة وأودعتهم السجن لمدة ستة أشهر و12 أسبوعًا على التوالي، في حالتين منفصلتين.

6. الجريمة الإلكترونية.. الأسهل في عصر كورونا

يمثل العمل عن بعد كابوسًا أمنيًّا لأرباب العمل. يأتي هذا بسبب إمكانية الوصول إلى شبكات أو سيرفرات الشركة عن بعد بشكل كبير من عدد كبير من الموظفين، الذين يستخدمون حواسيبهم المرتبطة بشبكات عادية. لذلك، فإن القراصنة الإلكترونيين لديهم أماكن أكبر يختارونها للهجوم على الشركة.

يدرك قراصنة الإنترنت ذلك جيدًا، وقد بدأوا بالفعل في شن هجمات مستهدفة على نطاق أوسع. وفقًا لأحدث الإحصائيات، زادت تقارير عمليات الاحتيال المتعلقة بفترة انتشار فيروس كورونا الجديد (كوفيد-19) بنسبة 400% في شهر مارس 2020 وحده. كانت هناك عمليات احتيال من أجل الاستيلاء على الضرائب المدفوعة الخاصة بفيروس كورونا الجديد في بريطانيا.

وانتحل بعض القراصنة صفة موظفين من منظمة الصحة العالمية، وكانت هناك رسائل بريد إلكتروني تتضمن ابتزاز الأشخاص المرسل إليهم، وتهديدهم بإصابتهم بفيروس كورونا الجديد، ما لم يدفعوا أموالًا. حتى إن بعض القراصنة يستغلون تفشي فيروس كورونا ويستخدمون خرائط تتبع العدوى لنشر البرامج الضارة.

7. السطو والتخريب وسيلة الانتقام حال فقدان العمل

المشكلة الرئيسية التي نجمت عن انتشار فيروس كورونا، كانت تلك المتعلقة بتسريح العمالة من القطاع الخاص. فوفقًا للدراسات، يرتكب الأشخاص المطرودون أو المُبْعَدون عن العمل، جرائم ممتلكات أكثر بنسبة 60%، مثل السرقة والسطو والتخريب، في العام التالي لفقدان عملهم. السبب هو ذلك المزيج من الإحباط والحاجة ووقت الفراغ، الذي يؤدي لزيادة معدلات الجريمة، عندما يكون الناس خارج العمل.

المخاوف هنا أن ذلك الانخفاض الذي نشهده في معدل الجريمة في الأسابيع التالية لانتشار وباء كورونا، ربما لا يعني استمرار ذلك، خصوصًا في بعض الدول العربية التي سيؤدي استمرار الركود الاقتصادي فيها إلى مزيد من الناس المبعدين من أماكن عملهم.

تكنولوجيا

منذ 7 شهور
العمل عبر الإنترنت يهدد الأمن والخصوصية.. كيف تحمي نفسك؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد