تصاعدت مؤخرًا وتيرة الجرائم بالجزائر، فلا يكاد يمرّ يوم دون أن تسمع في الإعلام الجزائري عن خبر اغتصابٍ أو اختطافٍ أو قتل مرّوع، ولعلّ تصاعد منحنى العنف والإجرام في الجزائر قد بلغ عتبته خلال الأسبوع الماضي، الذي شهد عدة جرائم، أبرزها جريمة حرق جثة فتاة تعرّضت للاختطاف والاغتصاب بولاية بومرداس، وكذلك جريمة حرق فتاة في ولاية تمنراست بأقصى الجنوب الجزائري.

وبالرغم من سنّ الحكومة الجزائرية لقوانين جديدة تردع مرتكبي الجرائم، وتشديد عقوبات الاختطاف والقتل؛ إلّا أنّ معدل الجريمة في الجزائر قد شهد ارتفاعًا نسبيًا مقارنةً بالسنوات الماضية؛ إذ تُرتكب جريمةٌ كلّ دقيقتين بالجزائر.

وأمام هذا الواقع المأساوي، ارتفعت الأصوات المطالبة بضرورة تفعيل عقوبة الإعدام في جرائم الاختطاف والاغتصاب والقتل؛ وهو الأمر الذي أكّده وزير العدل الجزائري بلقاسم زغماتي الذي صرّح بأنّ عقوبة المختطف القاتل هي الإعدام.

700 جريمة تُرتكب يوميًا.. لماذا استشرى العنف بين الجزائريين؟

يشاع في الجزائر أنّه لا يجلس ثلاثة أشخاص على مقهى إلّا ويُحتمل أن يتشاجر اثنان منهم، وذلك بسبب العصبية الزائدة التي يتصف بها الجزائريون.

لكنّ هذا الغضب المفرط الذي يحمله الجزائريون أسهم بشكلٍ أو بآخر في ارتفاع نسب الجريمة بين الجزائريين حسب المحامي عبد الله دروش، الذي يعزو لـ«ساسة بوست» بلوغ الجريمة في الجزائر إلى مستويات غير مسبوقة إلى «جينات الغضب التي يتوارثها الجزائريون، وإلى فترة الاستعمار الفرنسي التي فتحت باب العنف باعتباره خيارًا أوّل للجزائري في مواجهة أية مشكلة».

وشهد الأسبوع الماضي وحده أربع جرائم قتل مروّعة، ذهبت ضحيتها ثلاث فتيات أقّل من 19 سنة، ويتعلق الأمر بالفتاة شيماء التي تعرّضت للاغتصاب والقتل والحرق في مدينة بومرداس، وطفلة من ولاية تمنراست لم يتم التعرّف على هويتها، تعرضت هي الأخرى للاغتصاب والحرق، إضافةً إلى الضحية كنزة التي حرقت بعد اغتصابها من طرف عصابة، ورميت في واد، بينما كان شهر يوليو (تموز) الماضي من أكثر الأشهر دمويةً وعنفًا بالجزائر بعدما شهد 15 جريمة مرّوعة في ظرف أسبوعٍ فقط.

أمّا بلغة الأرقام فتشير الإحصاءات الرسمية إلى ارتفاع نسبة الجريمة في الجزائر خلال النصف الأول من العام 2020؛ إذ سجِّل المشهد أكثر من 42 ألف قضية ضرب زجرح عمد، وفاقت جرائم العنف ضد المرأة 70 ألف قضية، بينما سُجّلت نحو ربع مليون جريمة، بمعدل 700 جريمة يوميًا، تورّط فيها أكثر من 220 ألف شخص.

وكتبت صفحة مخصصة لحصر جرائم قتل النساء في الجزائر، «ألجيري فيمينيسيد» عبر صفحتها على «فيسبوك» أن «لن ننصفها (المرأة) من خلال المطالبة بعقوبة الإعدام، بل القوانين هي التي يجب تغييرها وتطبيقها». وتحرص الصفحة على التعويض عن نقص الإحصاءات الرسمية من خلال نشر كل ما يتعلق بهذا الموضوع، وأحصت الصفحة حتى الآن 38 جريمة قتل بحق نساء في عام 2020 وحده، وحوالي 60 جريمة قتل في عام 2019.

ارتفاع كبير لجرائم القتل والاختطاف في الجزائر والمرآة أكثر ضحايا تلك الجرائم

ولتحليل أعمق لاتجاهات الجريمة بالجزائر؛ نعود إلى دراسةٍ للأمم المتحدة عن جرائم القتل، أفرج عنها سنة 2019، وتغطي الفترة ما بين عامي 2012 و2015 وتعطي نظرة تفصيلية إلى مؤشرات الجريمة بالجزائر، بحيث تذكر الدراسة أنّ الجرائم التي يرتكبها الذكور أعلى بكثير من الإناث؛ إذ سجلت الجزائر ارتفاع عدد ضحايا جرائم القتل على يد ذكور (469 ضحية) مقارنة بالإناث (73 ضحية) وذلك خلال سنة 2015.

أمّا عن علاقة مرتكبي جرائم القتل بضحاياه، فتشير معطيات الدراسة إلى أن 15% من الجرائم يكون مرتكبها شخص تربطه بالضحية علاقة حميمة أو فرد من أقاربها، بينما تمثل الجرائم الناتجة عن السرقة نحو 8%، في حين تصل الجرائم المرتكبة من طرف عصابات، وذات الصلة بالجريمة المنظمة إلى 20%.

وعن نسبة الأشخاص الذين يرتكبون جرائم قتل وهم تحت تأثير الكحول في الجزائر، فتشير المعطيات التي يقدمها التقرير إلى أنّ 12% من الجرائم التي يتعرّض لها الجزائريون يكون مرتكبوها تحت تأثير الكحول أو المهلوسات.

وبسؤاله لماذا استشرت جرائم العنف بين الجزائريين؟ يجيب محدّثنا المحامي وأستاذ القانون عبد الله درويش على سؤال «ساسة بوست»، بالقول: «إنّنا نعيش اليوم في الجزائر أمام ظواهر غريبة عن مجتمعنا، لكنّها مرتبطة بعدّة عوامل؛ تراكمت خلال سنوات طويلة لا يمكن تغافلها، ولعلّ المتهم الأوّل عن تنامي هذه الظاهرة بين أوساط الجزائريين هو العامل الاجتماعي الذي يعيشه أغلب الشباب في الجزائر؛ كالبطالة والبحث عن سكن، فضلًا عن التفكّك الأسري».

اقتصاد

منذ سنة واحدة
«يلزمك الأكتاف لكي توظّف».. كيف تفاقم «المحسوبية» مشكلة البطالة في الجزائر؟

بدوره يرى المقبض ياسين، أستاذ القانون بجامعة غارداية، أنّ «الجرائم المروعة الأخيرة التي شهدتها عدّة مناطق مؤخرًا بالجزائر ليست بالظاهرة الاجتماعية إذا ما قورنت مع دول الجوار (تونس والمغرب) التي تشهد المعدلات نفسها في الجريمة، غير أنّ هذا في الوقت نفسه يثير التوجّس والقلق، ويلفت الانتباه لما هو آت في البلد، خصوصًا ونحو أمام مرحلة جديدة تعيشها الجزائر بعد الحراك الشعبي الذي ضرب خير مثال لسلمية الجزائريين».

وأضاف المقبض أنّ غياب الردع القانوني قد يكون له تأثير مباشر في ارتفاع نسب الجرائم، خصوصًا أنّ عقوبة الإعدام مجمّدة في الجزائر منذ سنة 1993، بحسبه.

هل يكون تطبيق عقوبة الإعدام هو الحل؟

لم يجد الجزائريون غير المطالبة بتفعيل عقوبة الإعدام في حق المختطفين والقتلة؛ وذلك بعد الصدمات المتتالية التي تعرّض لها المجتمع الجزائري نتيجة لصعوبة الجرائم المرتكبة بين الفينة والأخرى، وكانت آخر فصولها الجرائم البشعة التي ارتكبت في الأيام الماضية، ويتعلّق الأمر بالفتيات شيماء (19 سنة) من ولاية الجزائر، وكنزة من ولاية سطيف، إضافةً إلى طفلة بولاية تمنراست، اللواتي تشابهت الجرائم المرتكبة في حقهن، من خطف واغتصاب، ومن ثم إحراق للجثة.

وانتشر على مواقع التواصل الاجتماعي هاشتاج «القصاص من قاتل شيماء»، للمطالبة بضرورة رفع التجميد عن تطبيق عقوبة الإعدام في حق مرتكبي جرائم الخطف والقتل والاغتصاب؛ بينما خرجت العديد من المظاهرات في ربوعٍ شتى من الجزائر للمطالبة بإعادة تطبيق عقوبة الإعدام، ويرى الكثير من الجزائريين أنّ العودة إلى عقوبة الإعدام من شأنها أن تردع المجرمين، وتقلّل من نسبة تلك الجرائم، خصوصًا أنّ نسبة القتل استفحلت بالجزائر منذ تجميد عقوبة الإعدام سنة 1993.

وتبرر السلطة موقفها من الابقاء على قرار تجميد عقوبة الإعدام، بالضغوط الدولية، إلا أن الأمر أكثر تعقيدًا من هذا، ففي عام 1993 قرر رئيس المجلس الأعلى للدولة الراحل علي كافي تجميد تنفيذ أحكام الإعدام، وكان آخر من نُفذ في حقّهم عقوبة الإعدام هم 13 شخصًا متّهمون في قضية تفجير مطار هواري بومدين في أكتوبر (تشرين الأوّل) 1993. ومنذ ذلك الوقت تقضي المحاكم الجزائرية على مئات الأحكام بالإعدام على متهمين في قضايا قتل والإرهاب والخيانة، غير أنّ تلك الأحكام لم تطبق.

وأمام الضغط الشعبي الناتج عن ارتفاع معدّل الجرائم، خصوصًا اختطاف الأطفال، بدأت الحكومة الجزائرية فعليًا في دراسة إعادة تطبيق عقوبة الإعدام، من خلال مصادقة الحكومة أواخر الشهر الماضي، على مشروع قانون قدمه وزير العدل بلقاسم زغماتي، يتضمن عقوبات مشددة ضد جريمة الاختطاف، وتنص التعديلات التي قدمها الوزير بعقاب الجاني بالسجن المؤبد، والإعدام في حالة حدوث وفاة.

وفي ظهورٍ على التلفزيون الرسمي الجزائري، صرّح وزير العدل الجزائري يوم الأحد الماضي، أنّ مصالحه ستراجع تطبيق عقوبة الإعدام بالبلاد ضدّ جرائم الاختطاف، والقتل، والاغتصاب.

وكان الرئيس الجزائري قد أقرّ قانونًا خاصًا لمحاربة عصابات الأحياء؛ تصل العقوبات فيه إلى ثلاثة أعوام، وقد تصل إلى 10 سنوات، بالإضافة إلى غرامات مالية كبيرة. وفي حالة وقعت جرائم قتل خلال ممارسة أعمال عنف، فإن أعضاء تلك العصابة مهددون بالسجن المؤبد، مستبعدًا تطبيق عقوبة الإعدام.

وتعارض الكثير من المنظمات الحقوقية الجزائرية العودة إلى تطبيق عقوبة الإعدام، وأكّد المجلس الوطني لحقوق الإنسان رفضه لإعادة عقوبة الإعدام إلى الجزائر، مشددًا على لسان رئيسه بأنّ الدستور الجزائري المعروض على الاستفتاء «خصص مادة جديدة تتعلق بالحق في الحياة، والجزائر صادقت على اتفاقية دولية تمنع أخذ الحياة بطريقة تعسفية، ولذلك فمن يرتكب جريمة قتل يجب أن نوفر له محاكمة عادلة»، ومن جهته اعتبر الرئيس السابق للهيئة الاستشارية لحقوق الإنسان فاروق قسنطيني أنّ تطبيق عقوبة الإعدام من شأنها أن «تمس بسمعة الجزائر أمام المجتمع الدولي».

وفي الوقت الذي يطالب فيه الإسلاميون في الجزائر بتطبيق عقوبة الإعدام على جرائم القتل والاختطاف، يطبع هاجس الخوف على جزءٍ كبيرٍ من الحراك الشعبي؛ ولم يخف بعض النشطاء في الحراك الشعبي، التقت بهم «ساسة بوست»، تخوّفهم من «استغلال النظام لعقوبة الإعدام لتصفية حساباته مع معارضيه، تأسيًا بأنظمة عربية أخرى، خصوصًا بعد الحملة التي يشّنها على نشطاء الحراك مؤخرًا».

عربي

منذ أسبوع
آخرها «طفل الزرقاء».. لماذا تزداد جرائم القتل والتشويه في الأردن؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد