السينما هي فنّ ما يوجد داخل الإطار وما لا يوجد
*المخرج العالمي مارتن سكورسيزي

تمتلك السينما مقدرة هائلة على تشكيل وعي الجماهير وتكوين آرائهم حول القضايا المصيريّة، لذلك استغلّتها الحكومات منذ نشأتها، وصنّعت أفلام البروباجندا من أجل تمرير أفكار معيّنة أو تحريض الجماهير ضد فئة ما. وكما تمتلئ خزائن هوليوود بالتُحف الفنيّة السينمائيّة التي تحكى قصصًا وقضايا إنسانيّة راقية، فإنّها في أحيان أخرى كثيرًا ما تتورّط في تلميع غير بريء لشخصيّات تاريخيّة عُرفت بدمويّتها وارتكابها لفضائع في حقّ الإنسانيّة، كما أنّ هذه المؤسسة السينمائيّة بالغة التأثير ما زالت غارقة في الصورة النمطية عن العرب والمسلمين من خلال شيطنتهم أو شرعنة التدخلات العسكرية الخارجية في بلدانهم. في هذا التقرير نتطرّق إلى ثلاثة أفلام أظهرت هذا الوجه الآخر لهوليوود.

1-Darkest Hour.. بطل الحرب يده ملطّخة بالدماء

هذا الفيلم كان أحد أبرز الأفلام التي شهدتها سنة 2017، ويحكي قصّة رئيس الوزراء الانجليزي ويسنتون تشرشل خلال الحرب العالمية الثانية، وكيف قاد بلاده إلى الخروج منتصرة على ألمانيا في أحلك الظروف، وقد نال الفيلم استحسان الكثير من النقّاد، وفاز بعدّة جوائز سينمائيّة، منها جائزة أحسن ممثّل لجاري أولدمان الذي لعب دور تشرشل، بالإضافة إلى جائزة أفضل تجميل عن استحقاق كبير؛ إذ استطاع فريق التجميل تحويل الممثل الرئيس ذي المظهر الذي لا يمتّ بصلة -خصوصًا من ناحية الوزن – إلى شكل تشرشل إلى شخصية تشبهه إلى حدّ كبير، لكن ما لا يستطيع تغييره أي فريق تجميل في العالم هو الفظائع والمجازر الكبرى التي تحمل بصمات تشرشل طوال تاريخه، سواء في رئاسة الوزراء، أو أثناء تولّيه وزارة المستعمرات.

بوستر الفيلم

خلال عشرينات القرن الماضي وأثناء تواجده على رأس وزارة المُستعمرات، أمر تشرشل بإطلاق حملة قمع ضد الثوّار الكاثوليك في أيرلندا، بالإضافة إلى المقاتلين الأكراد في الشرق الأوسط، وقد صرّح حينها بأنّه «يدعم بشدّة استخدام الغازات السامّة ضد هذه القبائل غير المتحضّرة لنشر الرعب بينهم».

وعندما بدأ المهاتما غاندي حملته السلميّة للمطالبة باستقلال الهند عن الاحتلال البريطاني، هاجمه تشرشل بشدّة، واعترض على الاحتجاجات الهندية الداعية إلى التحرّر من الاستعمار الامبراطوري، وأطلق حينها تصريحات عنصريّة تنمّ على احتقاره الشديد للهنود بقوله: «أكره الهنود، إنهم شعب متوحّش ذو ديانة متوحّشة».

يحاول الفيلم إظهار تشرشل باعتباره بطلًا انجليزيًّا أنقذ بلده من الخطر النازيّ، واستطاع أن يقود الانجليز إلى برّ الأمان في جوّ من التمجيد وإبراز لمهاراته الخطابيّة والقياديّة، لكنه يتحاشى التطرّق إلى الجانب المظلم لهذه الشخصيّة، وكان الجانب السلبي الوحيد الذي أشار له الفيلم في شخصيته هزيمته النكراء خلال الحرب العالمية الأولى أمام القوّات العثمانية خلال معركة الدردنيل سنة 1915، حين حقّق العثمانيون انتصارًا ساحقًا.

وفي أثناء رئاسة تشرشل لمجلس وزراء بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية، أُنشئت تحت قيادته معسكرات اعتقال في كينيا لحوالي 150 ألف مواطن كينيّ تم احتجازهم هناك من أجل قمع الحراك المطالب بالاستقلال، وقد استخدمت بريطانيا ضدّهم أساليب تعذيب فظيعة.

وقد كان من بين هؤلاء الذين جرى تعذيبهم – للمفارقة – حسين أوباما، والد الرئيس الأمريكي السابق. العالم العربيّ أيضًا لم يسلم من جرائم رئيس الوزراء البريطاني السابق الذي احتفى به الفيلم؛ فقد كان من أشدّ المناصرين لإنشاء دولة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية المحتلّة، وواصل عادته في إطلاق أوصاف عنصريّة على الأجناس الأخرى، كانت هذه المرّة في حقّ الفلسطينيين حين وصفهم بأنّهم «قطيع من البرابرة الذي يأكلون فضلات الجِمال».

2-American Sniper.. حين يتحوّل مجرم حرب إلى نجم سينمائي

في سنة 2014 امتلأت ساحات دور العرض السينمائية في أمريكا ومختلف أنحاء العالم، بصفوف طويلة من الجمهور الراغب في مشاهدة الفيلم الأحدث للمخرج المعروف كلينت إيستوود، «American Sniper»، الذي يحكي القصّة الحقيقيّة لكريس كايل، أحد أشهر القنّاصين الأمريكيين خلال غزو العراق سنة 2003، والذي استطاع أن يصبح أكثر القنّاصين دمويّة في التاريخ الأمريكي بقتله ـ255 ضحيّة. وقد حاز الفيلم على إيرادات ضخمة قدّرت بـ337 مليون دولار؛ ممّا جعله حينها أكثر فيلم حرب من ناحية الإيرادات في التاريخ، علاوة على فوزه بجائزة أوسكار أفضل تحرير صوتيّ.

بوستر الفيلم

يحكي الفيلم قصّة كريس كايل، الشاب الأمريكي من ولاية تكساس الذي يمضي وقت فراغه في اللهو وركوب الأحصنة الجامحة والشرب حدّ الثمالة، ثم «يستيقظ ضميره» عندما يشاهد على التلفاز أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001؛ ليجد غايته في الحياة، ويقرّر الانضمام إلى الجيش الأمريكي من أجل الدفاع عن وطنه، بحسب الفيلم.

مباشرة بعد لقطة اصطدام الطائرة ببرجيّ التجارة في نيويورك، ينتقل المخرج إلى غزو العراق، دون إعطاء أي إشارة أو توضيح لعلاقة غزو العراق بأحداث 11 سبتمبر، ثم تتابع أحداث الفيلم ويُطلب من كايل ورفاقه الوصول إلى أعضاء في تنظيم «القاعدة» من خلال تمشيط مناطق سكنيّة مليئة بالمدنيين، ويشير قائد الفرقة إلى أنّ «الغطاء الجويّ سيساعد في المهمّة».

يصوّر الفيلم حرب العراق التي تشير مصادر إلى أنّ ضحاياها العراقيين قد بلغوا نصف مليون عراقي باعتبارها مهمّة نبيلة قام بها القنّاص كريس كايل ورفاقه بشكل بطوليّ منقطع النظير، دون أية إشارة للضحايا، أو بيان لوجهة نظرهم، أو معاناة الملايين جرّاء الحرب؛ وفي حين أنّ العديد من السياسيّين الأمريكيين اليوم يعبّرون عن ندمهم على دعمهم لغزو العراق، ومن بينهم وزيرة الخارجيّة السابقة هيلاري كلينتون التي وصفتها بأنّها «خطأ فادح»، يعرض الفيلم نظرة تمجيديّة لهذه الحرب وللمشاركين فيها، ويتطرّق كذلك إلى مشاكلهم النفسيّة و«الأزمات الوجوديّة» التي تصيبهم بعد عودتهم من العراق، في حين يتجاهل مئات الآلاف من القتلى والجرحى من ضحايا هؤلاء الجنود.

وخلال الفيلم يتكرّر إطلاق لقب «المتوحّشين» (savages) على المواطنين العراقيين من طرف كايل وباقي الجنود بصفة مبالغ فيها، دون إعطاء أي اعتبار لإنسانيّة المواطنين العراقيين؛ إذ إنّ كايل لا يرى فيهم سوى هدف عليه إصابته، لا يختلف عن غيره من الأهداف التي تمرّن عليه، فقط عليه أن يزيد من عدد «الأهداف» التي يصيبها.

وكما هو متوقّع من أي فيلم حربيّ هوليوودي يصوّر الفيلم الكثير من النكات واللحظات الإنسانيّة ومواقف الصداقة بين جنود الجيش الأمريكي في العراق، في حين تغيب أيّة إشارة للعشرات الآلاف من الضحايا العراقيين، وكيف دمّر هذا الغزو حياتهم إلى الأبد؛ إذ يكرّر الأمريكيون وصفهم المعتاد بالمتوحّشين.

3-Black Hawk down.. بُكائيّة هوليووديّة بنكهة البروباجندا

الفيلم من إنتاج سنة 2001 للمخرج الأمريكي الشهير ريدلي سكوت، وهو مستوحى من أحداث حقيقيّة تسمّى بـ«معركة مقديشو» التي جرت في الصومال خلال الحرب الأهلية سنة 1993، بين مجموعة من جنود القوّات الخاصّة الأمريكيّة والميليشيات الصوماليّة المسلّحة. وكانت المجموعة الأمريكية في مهمّة للقبض على كبار قادة الميليشيات المسلّحة، فوجدوا أنفسهم في مأزق حقيقيّ بعد أن أسقط المسلّحون إحدى طائرات الهليكوبتر، لتبدأ بعدها الحرب الدمويّة بين الميليشيات والقوات الأمريكية.

بوستر الفيلم

الفيلم الحائز على جائزتيْ أوسكار، تطغى عليه النظرة التمجيديّة للجنود الأمريكيين المشاركين في تلك الحرب، وإبراز أجواء المعركة «غير المتكافئة» بين آلاف الصوماليين وبضع عشرات من الجنود الأمريكيين الذين يحاربون بعيدًا عن أرضهم، واستبسالهم في القتال طوال المعركة حتى مع نقص الذخيرة وسقوط الطائرة والعوامل الكثيرة التي تلعب ضدّهم، فيما تكاد تغيب أيّ مُساءلة لأسباب هذه التدخّلات العسكريّة الأمريكية في البلدان الأخرى، أو عن انعكاساتها على سلامة المدنيين، الذين لا يظهرون سوى في خلفيّة الفيلم كما لو أنهم ديكور لا يختلف عن الأشجار والمحلّات والطرقات.

يحتوي الفيلم على مشاهد صادمة للتنكيل بجثث الجنود الأمريكيين من طرف المسلّحين الصوماليين الذين يفوقون الطرف الأمريكيّ عددًا، ويستغلّ الفيلم ذلك لإظهار الجانب الأمريكي باعتباره الطرف الأضعف الذي يتعرّض إلى أبشع الممارسات من قبل الأغلبية الصومالية السوداء المتوحّشة، في محاولة لاستعطاف الجمهور وإبراز مظلوميّة الطرف الأمريكيّ الإنساني، في حين تكاد تنعدم مشاهد الضحايا المدنيين الذين سقطوا جرّاء الهجوم الأمريكي، والذين تشير المصادر إلى أنّ عددهم بلغ حوالي 500، الكثير منهم من الأطفال والنساء حسب مصادر أمريكية.

في المشهد الأخير للفيلم، يودّع أحد الجنود المشاركين في المعركة صديقه الذي توفي خلالها مع موسيقى حزينة في الخلفية تحرّك المشاعر وتجعل المُشاهد يتعاطف مع هذه اللقطات التي تُبرز رابطة الصداقة بين الزميليْن، فيما يكتفي الضحايا الصوماليّون وعائلاتهم بعبارة واحدة بعد انتهاء الفيلم، تفيد بـ«مقتل ألف صومالي خلال المعركة»، بينما يتمّ ذكر أسماء الجنود التسعة عشر الذين سقطوا في المعركة ورتبهم العسكريّة.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد