يوم الأحد الماضي قامت الحكومة في بنغلاديش بحظر جميع التظاهرات في العاصمة دكا وقامت الشرطة باحتجاز زعيمة المعارضة في مكتبها وسط تزايد التوتر السياسي في البلاد دون وجود حل في الأفق.

ما الذي يحدث في بنغلاديش؟ وما هي الأسباب؟ وما طبيعة الصراع السياسي في هذا البلد المسلم؟

بنغلاديش

دولة بنغلاديش التي تقع في جنوب شرق القارة الآسيوية والتي تحيطها الهند من جميع الجهات تقريبًا هي ثالث أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان بعد إندونيسيا (252 مليونًا) وباكستان (196 مليونًا)، وتأتي في المركز الرابع من حيث عدد المسلمين فيها بعد إندونيسيا وباكستان والهند على الترتيب.

بنغلاديش هي إحدى الدول شديدة الكثافة السكانية بإجمالي عدد سكان 166 مليون نسمة على مساحة 148 ألف كيلومتر مربع فقط أي بمعدل 1121 شخصًا على كل كيلومتر مربع (قارن هذه الأرقام بروسيا التي يبلغ عدد سكانها نفس عدد سكان بنغلاديش تقريبًا بحوالي 144 مليون نسمة، لكن فوق مساحة من الأرض تبلغ 115 ضعف مساحة بنغلاديش).

نظام الحكم في بنغلاديش جمهوري برلماني وغالبية السكان (89%) هم من المسلمين مع أقليات هندوسية ومسيحية.

باكستان من الدول النامية الفقيرة واقتصادها من النوع السوقي المعتمد على عمليات التجارة من بيع وشراء وتصدير.

يبلغ إجمالي الناتج المحلي 140 مليار دولار أي بمعدل 2100 دولار لكل مواطن طبقًا لبيانات عام 2013م. حيث تشهد بنغلاديش معدلات نمو جيدة طبقًا لبيانات البنك الدولي تصل إلى 5,8% والتي تشير إلى أن بنغلاديش ستكون إحدى القوى الاقتصادية القادمة. كما هبطت نسبة البطالة كثيرًا في السنوات الأخيرة لتصبح 5% فقط بعد أن كانت تصل لحوالي 20% في بعض الأوقات.


الخلفية التاريخية للصراع

بنغلاديش كانت جزءًا من الهند وبسبب الأغلبية المسلمة بها فقد انفصلت بنغلاديش عن الهند كجزء من باكستان الدولة الإسلامية المنفصلة عن الهند، وكانت بنغلاديش تسمى آنذاك “باكستان الشرقية” حيث لم يكن بين باكستان الأم وباكستان الشرقية حدود مشتركة، لأن باكستان موجودة شمال غرب الهند فيما كانت بنغلاديش جزءًا مستقلًا بذاته في شرق الهند.

خلفيات الصراع السياسي الحالي تعود إلى هذه الفترة حيث طالب البنغاليون “سكان بنغلاديش” بأن تكون اللغة البنغالية هي اللغة الرسمية لباكستان كلها على الرغم من أن البنغاليين هم أحد الأعراق من بين 11 عرقًا مختلفًا في باكستان. ومع اعتبار اللغة الأردية هي اللغة الرسمية في البلاد بدأ البنغاليون يرفعون أصواتهم بأنهم مهمشون وأن الجانب الغربي (باكستان) يقوم بسرقة ثرواتهم.

أسفرت انتخابات عام 1970م عن فوز الزعيم القومي مجيب الرحمن بأغلبية مطلقة في الجانب الشرقي وفوز ذو الفقار علي بوتو بالأغلبية الساحقة في الجزء الغربي. كلا الرجلين كان يحلم بأن يكون زعيمًا أوحدًا لباكستان كلها فدخلت الهند على الخط وأدخلت قواتها إلى باكستان الشرقية كصديق حيث عملت على تأجيج الصراع الطائفي بين الشطرين حتى اندلعت حرب أهلية طاحنة بين الجانبين الشرقي والغربي.

لم تنته الحرب إلا باستقلال بنغلاديش عن باكستان عام 1971م بمساعدة عسكرية من الهند التي أسرت عشرات الآلاف من عناصر الجيش الباكستاني. وبعد اعتراف باكستان والدول الإسلامية ببنغلاديش تحول الصراع الخارجي إلى صراع داخلي على النفوذ والسلطة.

بعد مرور 3 سنوات فقط ثار عدد من ضباط الجيش المؤيدين لمجيب الرحمن الذي أسس حزب “رابطة الشعب” على زعيمهم وقاموا بقتله هو وأغلب أفراد أسرته، ولم تنج سوى ابنتيه حسينة (وهي رئيسة الوزراء الحالية) وأختها التي تعيش ببريطانيا، ريحانة.

ظلت البلاد لفترة تحت حكم هؤلاء الضباط الثائرين حتى دارت عليهم الكرة وتم اغتيالهم هم، ليصبح الوضع السياسي في يد أرملة الضابط ضياء الرحمن واسمها خالدة ضياء، وهي زعيمة الحزب القومي البنغلاديشي.

في ذلك الوقت انقسم المناخ السياسي والغالبية العظمى للأحزاب في بنغلاديش إلى قسمين، قسم مؤيد لحسينة مجيب وهذا القسم هو المؤيد للهند وتدخلاتها في الشأن البنغلاديشي. والقسم الآخر بزعامة خالدة ضياء وهو المعارض للنفوذ الهندي في البلاد والتي تؤيدها غالبية الجماعات الإسلامية في بنغلاديش.

تولت خالدة ضياء رئاسة الوزراء بين عامي 1991 – 1996م ثم تولت حسينة مجيب رئاسة الوزراء في الفترة منذ 1996م إلى 2001م، لتتولى خالدة ضياء رئاسة الوزراء منذ 2001م حتى 2008م، ثم عادت حسينة لتولي زمام إدارة شئون البلاد منذ عام 2009م وحتى يومنا هذا.


اتهامات متبادلة

ظلت كل من خالدة ضياء وحسينة مجيب تتبادلان السلطة في بنغلاديش لسنوات طويلة بمعدل دورتين لكل منهما وسط تبادل للاتهامات بين الجانبين بالفساد واختلاس الأموال عبر أسرة كل منهما.

حاليًا حسينة مجيب هي رئيسة وزراء بنغلاديش فيما خالدة ضياء هي زعيمة المعارضة التي تتهم الأولى بالخضوع التام للهند على حساب مصالح الوطن.

على الجانب الآخر فإن رئيسة الوزراء حسينة تتهم زعيمة المعارضة بأنها ارتكبت جرائم حرب خلال حرب الاستقلال عام 1971م.

بعد فوز حسينة مجيب بانتخابات عام 2011م قامت حكومتها بإلقاء القبض على قيادات الجماعة الإسلامية وزعيمها غلام أعظم، بالإضافة لعدد من قيادات الحزب القومي التابع لخالدة، ثم قدمت هؤلاء لمحكمة خاصة تحت اسم “المحكمة الدولية لجرائم الحرب” رغم كونها محكمة محلية، لتندلع احتجاجات قوية طوال عدة سنوات بلغت مداها في شهر فبراير 2013م عندما حكمت المحكمة على ثلاثة من المعتقلين بأحكام بين المؤبد والإعدام، أبرزها كان حكم الإعدام على الشيخ دولار حسين سعيدي أشهر مفسري القرآن الكريم في بنغلاديش.

قامت الشرطة بإطلاق النار على المحتجين على الأحكام فقتلت 170 شخصًا وجرحت الآلاف خلال أسبوع واحد فقط، لتصبح الحياة اليومية في بنغلاديش منذ ذلك الحين حياة شلل وإضرابات وتظاهرات واحتجاجات. في شهر أبريل 2013م شهدت بنغلاديش أكبر تظاهرة في تاريخها عندما اجتمع 2 مليون شخص في وسط العاصمة دكا من جميع أرجاء الهند.

مما أجج الأوضاع أكثر وحولها إلى صراع علماني إسلامي بشكل أكثر وضوحًا كان تصريحات أحد المدونين الموالين للحكومة الذين طالبوا بتنفيذ حكم الإعدام قائلين: “لن يستطيع أحد أن ينقذ سعيدي من الإعدام حتى الله بنفسه ولو نزل إلى الأرض لينقذه لأعدمناه كذلك”. هذا المدون تم اغتياله على يد مجموعة مجهولة حيث كان يطالب هو وآخرون بتحويل الدولة إلى دولة علمانية وحذف البسملة والبنود الخاصة بالهوية الإسلامية من دستور بنغلاديش.

هذا التوجه العلماني لم يعجب البعض من مؤيدي الحكومة لتتحول المظاهرات المعارضة وبعض من التظاهرات المؤيدة إلى المطالبة بإسقاط حكومة حسينة مجيب. وقد تعرضت هذه الحكومة أيضًا إلى انتقادات ورسائل احتجاج قوية من عدد من الدول الإسلامية لعل أبرزها رسالة شديدة اللهجة من رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إلى رئيسة الوزراء حسينة مجيب.

جدير بالذكر أن زعيم الجماعة الإسلامية في بنغلاديش غلام أعظم توفي يوم 24 أكتوبر الماضي بعد إصابته بذبحة صدرية في سجنه عن عمر يناهز 92 عامًا، بعدما تم الحكم عليه بالسجن لمدة 90 عامًا لارتكابه جرائم حرب.

وفي شهر ديسمبر الماضي تم إصدار حكم على الوزير السابق سيد محمد قيصر بالإعدام بعد إدانته من قبل المحكمة بارتكاب جرائم حرب خلال حرب الاستقلال والتعاون مع الجيش الباكستاني، وهي التهم التي نفاها قيصر بشدة.


انتخابات 2014م

آخر انتخابات تم إجراؤها في بنغلاديش كانت تلك التي تمت في الخامس من يناير 2014م والتي كانت نتائجها محسومة سلفاً نتيجة لمقاطعة المعارضة لها، مما أدى إلى إقبال ضعيف جزئيًا من قبل الناخبين.

في يوم الانتخابات شهدت البلاد تصعيدًا للعنف بالتزامن مع دعوات المعارضة لإضراب شامل لمدة 48 ساعة احتجاجًا على عمليات القمع الدموي للمتظاهرين منذ تولي رئيسة الوزراء الحالية حسينة واجد رئاسة الوزراء بالبلاد عام 2011م.

معارضو حسينة مجيب قاموا بإحراق وتخريب أكثر من 200 مركز اقتراع حول البلاد، فيما قتل أكثر من 20 شخصًا في مصادمات وأعمال عنف مع قوات الأمن.

إجمالي عدد القتلى منذ يناير 2013م حتى موعد الانتخابات بلغ تقريبًا 500 شخص في إحدى أكبر دوامات العنف التي تشهدها البلاد منذ استقلالها عن باكستان.

ومع مرور عام على هذه الانتخابات لا تزال بنغلاديش تعيش على وقع الاحتجاجات والتظاهرات والتصعيد من جانب كل من الحكومة والمعارضة، دون أن يلوح حل سياسي واضح في الأفق في الوقت القريب على الأقل.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد