في يناير (كانون الثاني) عام 2010 أصبح اللواء عبد الفتاح السيسي مديرًا للمخابرات الحربية قادمًا من قيادة المنطقة الشمالية العسكرية؛ ليصبح بموجب ذلك المنصب الجديد إحدى الجهات المعنية بملف سد النهضة ضمن وزارات الدفاع والري والخارجية إضافة إلى المخابرات العامة، والتي طلب الرئيس المصري المخلوع حسنى مبارك تشكيلها، إثر إجراء إثيوبيا مسحًا على ضفاف النيل لـ26 موقعًا صالحًا لبناء سدود حددتهم سلفًا الخارجية الأمريكية.

انحازت اللجنة التي شكلها مبارك لتوصيات وزير الدفاع ومديري المخابرات الحربية والعامة، باستخدام الحل العسكري بدلًا عن السياسي، خاصة أن إثيوبيا انتهت من رسم التصميمات الهندسية، وهي المعلومة التي وصلت إلى رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ملس زيناوي، الذي اتهم مصر علانية أواخر عام 2010 بالتخطيط لتحرك عسكري ضد بلاده إضافة لدعم جماعات المتمردين. وبحسب الوثائق التي نشرتها «ويكيليكس» عام 2012، فإنّ مبارك طلب في أواخر حُكمه من الخرطوم إنشاء قاعدة عسكرية تستخدمها القوات الخاصة المصرية لاستهداف السد، وهي العملية التي كانت تقع ضمن مهام المخابرات الحربية.

المفارقة أنّ ثورة يناير عام 2011 أطاحت بمبارك وجميع أعضاء اللجنة السيادية عدا المشير طنطاوي، واللواء السيسي، وعلى مدار عامٍ ونصف أدار فيها المجلس العسكري الفترة الانتقالية وصل مشروع السد إلى نقطة اللاعودة، وهي الأزمة الكبرى التي يُحمّلها السيسي اليوم للثورة المصرية.

هذا التقرير يعود بك إلى القصة المنسية حول الطرف الغائب الحاضر المسؤول عن أزمة سد النهضة.

كيف تسبب المجلس العسكري في مشكلة سد النهضة؟

بعدما رحل مبارك عن الحُكم في 11 فبراير (شباط)، أكد المجلس العسكري أن الجيش يحفظ مكتسبات الثورة ويرعى الانتقال السلمي للسلطة من بعيد، وحصل المجلس على شرعية دستورية تُمكّن له إصدار الإعلانات الدستورية حتى انتخاب مجلس الشعب، لكنّ سُرعان ما دخل الجيش في مواجهات دامية مع الثوار.

(المشير طنطاوي عام 2011)

فبعد 11 يومًا من رحيل مبارك استخدم المجلس العسكري العنف ضد المتظاهرين في ميدان «التحرير»، حيث هاجمت الشرطة العسكرية مئات المعتصمين في جمعة الوفاء، واعتقلت العشرات منهم وحاكمتهم عسكريًا بتهم تراوحت بين حيازة سلاح وخرق حظر التجول، والتعدي على قوات الجيش، وهو ما سبب استياءً دفع المجلس العسكري إلى تقديم رسالة اعتذار مبررًا ما حدث بأنه احتكاكات غير مقصودة.

على الجانب السياسي كانت الحكومة التي شكّلها عصام شرف قد استحدثت منصب نائب وزير الخارجية للشؤون الأفريقية، في خُطوةٍ قابلتها إثيوبيا بالإعلان عن فتح صفحة جديدة مع مصر وعدم المساس بأمنها المائي.

لكن بعد نحو أسبوعين من بيان اعتذار المجلس العسكري استخدمت الشرطة العسكرية الرصاص الحي لفض الميدان بالقوة، وقُتل عدد من المعتصمين آنذاك، إضافة إلى الاعتداء على مراسلي القنوات الأجنبية، وهو التوقيت المثالي الذي استغلته إثيوبيا للإعلان في 30 مارس (آذار) عن وضع حجر أساس بناء «سد الألفية العظيم» المُلقب اختصارًا بـ«سد النهضة»، وأنشأت مهبطًا لطائرات النقل السريع، وأعلنت أنها سوف تُطلع مصر على مخططات السد لدراسة مدى تأثيره على دولتي المصب.

الإعلان الإثيوبي مثّل توقيتًا سيئًا بامتياز للمجلس العسكري الذي دخل للتو في مواجهة دموية مع الثوار الذين اتهموه بالضلوع في الثورة المضادة، واللافت أنّ الحكومة المصرية لم تتحرك طيلة شهرٍ ونصف عقب الإعلان الإثيوبي، سوى زيارة قام بها عصام شرف إلى السودان لبحث الأزمة، وبعد شهرٍ ونصف أعلنت أديس أبابا بناء سدين جديدين على النيل بتكلفة مليار و100 مليون دولار.

التعاطي المصري الرسمي لم يتماشى مع الحدث الإثيوبي الذي رُوج له، كونه أكبر مشروع قومي لإنتاج الطاقة في أفريقيا وتبلغ سعته التخزينية 75 مليار متر مكعب من المياه، وهو مجموع ما تحصل عليه مصر والسودان في حصة النيل. واكتفى المجلس العسكري في مايو (آيار) 2011، بإرسال وفد «الدبلوماسية الشعبية» لأديس أبابا، والذي ضم نجل الرئيس جمال عبد الناصر. وانحسر دور المجلس العسكري في موضوع سد النهضة في تشكيل لجنة فنية لبحث آثار السد على حصة مصر والسودان، وهي الاتهامات التي واجهتها الحكومة المصرية وقتها بتجاهل الأزمة، والتعامل معها على قدر الوعد الإثيوبي الشفهي بعدم الإضرار بحصة مصر.

على الجانب الآخر استقبل رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ملس زيناوي، الزيارات بالإعلان عن تأجيل عرض اتفاقية «عنتيبي» على البرلمان الإثيوبي لحين انتخاب رئيس جديد لمصر وتشكيل حكومة جديدة تكون قادرة على اتخاذ القرار المناسب بهذا الشأن. وتنص الاتفاقية في إحدى بنودها على حق أي دولة في إنشاء مشروعات على النيل دون أخذ موافقة مصر، وإلغاء الحصص التاريخية لدول المصب (مصر والسودان)، وخلال زيارة شرف لإثيوبيا أعلنت أديس أبابا بأنها ماضية في بناء السد، سواء رحبت مصر أو لم تُرحب.

ظل المجلس العسكري مشغولًا في أحداث الداخل بما يمنع تورطه في المشهد السياسي، إذ تمثلت كافة تحركاته السياسية في عدم توحيد القوى الثورية ضده، إضافة لرغبته البقاء خارج المراقبة القانونية، والاحتفاظ باستقلاله عن الإشراف المدني؛ فسمحت مادة في وثيقة السلمي – وثيقة تتعلق بوضع مواد فوق الدستور – بحق الجيش فقط في مراجعة ميزانيته. كذلك أراد ضمانات في حق احتفاظه بالسيطرة على المساعدات العسكرية الأمريكية البالغة 1.3 مليار دولار سنويًا، وألا تتم رقابة مدنية عن تفاصيل المساعدات وحجم المصالح التجارية.

اللافت أنّ اللقاء الذي جمع المشير طنطاوي برئيس الوزراء الإثيوبي في سبتمبر (أيلول) اقتصر – بحسب ما نشرته الهيئة العامة للاستعلامات التابعة للرئاسة – على الاتفاق على تقديم حزمة من التسهيلات لزيادة الاستثمارات المصرية فى إثيوبيا البالغة ملياري دولار، في مخالفةٍ صريحة للنهج القديم الذي سار عليه نظام مبارك بمنع تقديم أي دعم مالي.

موقع «مدى مصر» نقل عن مصدر حكومي في عهد مبارك قوله: «كان الخط الرئيس الذي عملت عليه الدبلوماسية المصرية منذ بداية تحرك إثيوبيا لبناء السد في السنوات الأخيرة لحكم مبارك، هو مطالبة الدول والجهات المانحة بعدم تقديم الدعم المالي والفني لإثيوبيا»، ويُضيف المصدر: «قررت مصر الاستعانة برأي أحد الخبراء الدوليين في مياه الأنهار، والذي قدم نصائح محددة مُفادها أنه يجب على مصر توضيح احتياجاتها السنوية من المياه، وعدم الاكتفاء بالإصرار على طلب حصتها المعتادة من مياه النيل والتي لا تكفيها بالأساس، وحين سقط مبارك تجاهل المجلس العسكري تلك النصائح».

 إرث الزعامة الضائع.. كيف تخلت مصر عن حُلم عبد الناصر في أفريقيا؟

كيف ساهم السيسي في ضياع حق مصر القانوني في الأزمة؟

في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي تحركت مصر رسميًا لأول مرة لطلب عقد مفاوضات على مستوى الرؤساء ورؤساء الوزرات مع السودان وإثيوبيا لبحث أثر السد، لكنّ التوقيت لم يتزامن مع المشروع الذي بدأ مرحلة اللاعودة، وهو ما استدعى زيارة الرئيس المصري لأديس أبابا لمناقشة ملف المياه، وتشكلت على إثرها لجنة من 10 خبراء مصريين، وإثيوبيين، وسودانيين، وأربعة خبراء دوليين محايدين.

كان مهمة اللجنة فحص ومراجعة الدراسات الإثيوبية الهندسية ومدى مراعاتها للمواصفات العالمية وتأثير السد على دولتي المصب السودان ومصر، لكن المفاوضات توقفت بعد حركة الجيش لعزل الرئيس محمد مرسي في يوليو (تموز) عام 2013، لتعلن أديس أبابا بعدها بدء العمل رسميًا في بناء سد النهضة، وبدء تحويل مجرى النيل الأزرق.

تزامنت حركة الجيش في يوليو عام 2013 لعزل مرسي، مع تعليق عضوية مصر في الاتحاد الأفريقي، وهو ما مثّل وقتًا إضافيًا لإثيوبيا التي واجهت أزمة تمويل في السد، لكنها نجحت في التواصل مع عدد من الدول لتغطية تكلفته البالغة نحو 5 مليار دولار. واللافت أنّ النظام المصري تعامل مع السد على أنه واقعٌ يمكن قبوله والتعايش معه كأمر واقع لا مفر منه، والبداية كانت في عهد الرئيس المؤقت عدلي منصور الذي أعلن رئيس وزرائه حازم الببلاوي أن السد قد يكون مصدر رخاء لإثيوبيا والدول المُحيطة به، ومنها مصر.

ومع وصول السيسي للحُكم عهِد إلى وزير الخارجية نبيل فهمي مهمة إعادة مصر للاتحاد الأفريقي، ومحاولة إقناع الدول الممولة للسد بالتريث في تقديم الدعم، حتى يتم التوصل لتوافق حول النقاط الخلافية بين أديس أبابا والقاهرة، وهو ما نجح فيه الجانب المصري.

فبينما تكفّل رجل الأعمال السعودي محمد حسين العمودي بالمشاركة في النسبة الأكبر لتمويل المشروع بنحو 88 مليون دولار، رفضت بقية الشركات الأوروبية تمويل المشروع قبل موافقة بقية الدول المُتضررة، وهي ورقة الضغط التي فقدتها مصر بتوقيع الرئيس السيسي في مارس 2015 على وثيقة «إعلان مبادئ سد النهضة»، مع نظيره السوداني ورئيس الوزراء الإثيوبي، وتتلخص الاتفاقية بسماح الدول الثلاث ببناء السدود على نهر النيل لتوليد الكهرباء، وهو ما يعني اعترافًا مصريًا سودانيًا بشرعية بناء سد النهضة.

المثير في الاتفاقية أن إثيوبيا فرضت في الاتفاقية كلمة «يحترم» بدلًا عن كلمة «مُلزم» حول تقرير المكتب الاستشاري لبناء السد، وهذا يعني أن اعتراض مصر سيكون لا قيمة له قانونيًا، ومن جهة أخرى منحت الوثيقة إثيوبيا سُلطة كاملة في بناء السد بدون ضمانات أو أية رقابة.

مصدر حكومي كشف لموقع «مدى مصر» أن العديد من الجهات الرسمية –مستشارة الرئيس لشؤون اﻷمن القومي، ومختصين سابقين في المخابرات وفي وزارات الخارجية والدفاع والري – رفعت تقارير لرئيس الجمهورية قبل توقيع الاتفاقية، مُفادها أن التوقيع عليها سيضعف موقف مصر، التي كانت تطلب من الجهات الدولية آنذاك عدم تمويل السد، سوى بعد توصل القاهرة والخرطوم وأديس أبابا لاتفاق حول كيفية ملء السد، وكذلك بعد التيقن من تفاصيل فنية تتعلق بأمن جسم السد وطبيعة التداعيات البيئية الناتجة عنه، وتأثيره على مجرى النهر ونوعية المياه فيه.

إثيوبيا: كيف تُخططُ دولةٌ فقيرةٌ لتحقيقِ نموٍّ اقتصاديٍّ بمعدلات عالمية؟

بعدما فشلت المفاوضات.. هل تبقى لمصر أنياب؟

أعلنت إثيوبيا مؤخرًا انتهاء حوالي 70% من أعمال بناء السد، تزامنًا مع الاعترافات المصرية الرسمية بفشل المفاوضات بعد ثماني سنوات، وبحسب ما صرح به وزير الري الإثيوبي فمصر قدمت مقترح يقضي بتمديد فترة ملء خزان سد النهضة – يسع 75 مليار متر مكعب من المياه، وهو مجموع ما تحصل عليه مصر والسودان في حصة النيل – أكثر من عامين بهدف الحفاظ على منسوب المياه في السد العالي، وهو ما اعتبرته إثيوبيا بأنه سيحول السد إلى مجرد خزان احتياطي للسد العالي.

(السيسي لرئيس وزراء إثيوبيا: أقسم أنكم لن تضروا مصر)

ومن وجهة النظر المصرية، فإنه كلما زادت الفترة الزمنية لملء البحيرة، التي تبلغ سعتها 74 مليار متر مكعب، كلما أمكن تقليص المخاطر المحتملة، مثل الإفراط في استهلاك المياه، وبالتالي التأثير على مناسيب المياه في البلدان المعنية.

مصر أيضًا قدمت مقترح تمديد فترة ملء خزان سد النهضة أكثر من عامين بهدف الحفاظ على منسوب المياه في السد العالي على حدود 165 مترًا، لكن تدفق ما لا يقل عن 40 مليار متر، أمر غير عملي لأنه سيجعل مهمة السد الرئيسة تعويض العجز المائي لمصر، فضلًا عن اعتباره أمرًا غير عملي.

واعتبرت إثيوبيا أن رغبة مصر في تحويل سد النهضة إلى مجرد خزان احتياطي للسد العالي لن يحقق العائد الاقتصادي المتوقع من سد النهضة، إضافة إلى أن هذه الآلية تنتهك سيادة إثيوبيا في كيفية إدارة عمليات التدفق ومراحل ملء السد، وتتنافى مع حقوقها في الاستخدام العادل لموارد النيل، لذا جاء الرد الإثيوبي بالرفض لأنه يصطدم بمتطلبات التنمية المستقبلية التي تأسست عليها فلسفة المشروع التنموي.

إثيوبيا أيضًا اتهمت مصر بالإصرار على طرح اتفاقية عام 1959 الموقَّعة بين مصر والسودان، والتي تمنح بموجبها القاهرة 55.5 مليار متر مكعب سنويًا من مياه نهر النيل، بينما تحصل الخُرطوم على 18.5 مليار متر مكعب – 90% من مياه النيل – في المفاوضات، وردت إثويبا رسميًا على المقترح المصري بأنها «اتفاقية لا تعنيها، وأن إعادة طرحها يعتبر خطًا أحمر، ولا يمكن أن تتفاوض أديس أبابا حولها، فلا يمكن أن نتحدث عن اتفاقيات لم نكن طرفًا فيها».

من التحفظات التي يُبديها خُبراء مصريون على هيكل السد هو عدم وجود فتحات تصريف للمياه في أسفله لا تمنع مرور المياه حتى لو أُغلق السد، وتوضع تلك الفتحات في قيعان سدود دول المنبع لضمان استمرار تدفق المياه إلى دول المصب دون الحاجة إلى مرورها إلى الفتحات الكهربائية، وفي الشكل الحالي للسد فإن تدفق المياه سيكون فقط عبر تربونات توليد الكهرباء أو الطوارئ، وهو ما يعني فعليًا توقف نهر النيل عند حدود السد الإثيوبي.

وناشدت الرئاسة المصرية – في بيان – الولايات المتحدة للتدخل في الأزمة بعدما وصلت المفاوضات بين الدول الثلاث لطريق مسدود، وهو ما أعقبه بيان للبيت الأبيض جاء فيه بأن الإدارة الأمريكية تدعم المفاوضات الجارية للتوصل إلى اتفاق بشأن ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي، لكن إثيوبيا علقت على الرسائل العلنية برفضها دخول أي وسيط جديد، طبقًا لبنود اتفاقية «وثيقة السد» التي وقعها السيسي.

من التهديد بالحرب إلى الاعتراف بالهزيمة.. قصة فشل مصر في مفاوضات سد النهضة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد