ماذا بعد إعطاء طرابلس مهلة للمسلحين لفك الحصار عن الموانئ التي يسيطرون عليها؟

سؤال كبير يخيم على الأجواء الليبية، بعد أزمتها الجديدة الأخيرة، التي فجرها إفلات ناقلة النفط الكورية المحملة بثروة هائلة من النفط، من قبضة القوات التابعة للسلطات المركزية، وهو ما كان سببًا مباشرًا في إقالة رئيس الوزراء الليبي، علي زيدان، بعد اتهامه بالعجز عن إحكام السيطرة على تلك الناقلة وهو ما سبب “إهانة” إلى ليبيا، بحسب حيثيات تبرير قرار الإقالة.

وبالرغم من أن المؤتمر الوطني العام (بمثابة برلمان ليبي) ألغى في آخر لحظة خطة كانت معدة مسبقًا لتنفيذ هجوم على المسلحين المسيطرين على موانئ النفط، إلا أن تمديد مهلة للمسلحين إلى أسبوعين لرفع أيديهم عن تلك الموانئ الإستراتيجية رأى فيه البعض، أنه ينم عن رغبة حقيقة وأكيدة للسلطات في ألا تصطدم بنزاع مسلح مع تلك الجماعات، على اعتبار أن البلاد ليست مستعدة وفي غنى عن إشعال فتيل حرب داخلية مع أبناء الوطن الواحد.

لحظة ترقب..

بعدما ألغى نوري أبو سهمين، رئيس المؤتمر الوطني الليبي العام، خطة لمهاجمة الجماعات المسلحة التي تحاصر موانئ تصدير النفط، وأمهلها أسبوعين كحد أقصى لتسليم أسلحتها طوعًا، وبالرغم من أنه أرفق إعلانه ذاك بتحذيره من مغبة إجبار السلطات على التدخل العسكري لفك الحصار على الموانئ، إلا أن قراءة الوضع الحالي الليبي تجعل العديد من المتتبعين يرجحون استبعاد إمكانية التدخل العسكري من طرف القوات المسلحة التابعة السلطات، على اعتبار أن أي “مغامرة” من هذا القبيل لن تزيد المشهد الليبي إلا تعقيدًا وقتامة.

نوري أبو سهمين

نوري أبو سهمين

 ولذلك فإن اقتناع السلطات المركزية بخطورة التدخل العسكري جعلها تفضل إعطاء مهلة كافية للمسلحين لرفع أيديهم عن الموانئ المحاصرة، وفي نفس الوقت تطلق مبادرات للحوار مع المسلحين، لعلها تُكلل بالنجاح حقنًا لدماء ودرءًا لأية نزاعات قد تقود إلى فتنة ما تزال نائمة بالرغم من العديد من المؤشرات على إمكانية إيقاظها في أي وقت، بسبب الأجواء الليبية المحتقنة، الناتجة عن الكثير من الأسباب ليس أولها ولا آخرها طريقة التصرف في الثروة النفطية، بل هناك أيضًا رغبة بعض القبائل في إقامة حكم ذاتي بمناطقها، وكذا وجود جماعات “جهادية” لا ترضى بطريقة حكم طرابلس الحالية، وتدعو إلى إقامة “إمارة إسلامية تحكم بشرع الله”، هذا عدا عن استمرار فوضى انتشار السلاح.

الخوف من المواجهة..

على الرغم من أن حظوظ مساعي إقناع المسلحين سلميًّا بالتخلي عن سلاحهم ورفع أيديهم عن الموانئ المحاصرة، تعتبر ضعيفة إلى حد كبير، إلا أن

“تخوف السلطات الليبية من نتائج وعواقب أي تدخل عسكري محتمل، يجعلها تتشبث بخيط أمل رفيع في إنهاء هذا الوضع، الذي ساهم بشكل كبير في إضعاف السلطات الليبية المركزية”

 بل إن هيبة الدولة في ليبيا باتت موضع “سخرية” من طرف بعض “زعماء” تلك الجماعات التي تسيطر على الموانئ النفطية، وهو ما نقلته بعض المحطات التلفزيونية الليبية الموالية لإحدى الجماعات المسلحة، أثناء تغطية أزمة ناقلة النفط الكورية، عندما صرح رئيس الوزراء السابق، علي زيدان، بأن الناقلة تحت سيطرة القوات الحكومية، قبل أن يؤكد أحد “زعماء” الجماعات المسلحة، أن علي زيدان هو “آخر من يعلم” لأن الناقلة في طريقها إلى المياه الدولية، وهو ما تم فعلاً كما يعرف الجميع.

رئيس الحكومة المكلف عبد الله الثني

رئيس الحكومة المكلف عبد الله الثني

ويبدو أن تأكيد وزير الدفاع ورئيس الحكومة المكلف، عبد الله الثني، على أن الحوار مع المسلحين سيكون “القاعدة الأساسية في حل أزمة النفط”، وبأن الحكومة على “استعداد للاجتماعِ بالفاعلين من المجتمع المدني والشخصيات الاعتبارية والحكماء وأعيان القبائل لأي منطقة”، هذا التوجه يعني أن الحكومة الليبية الحالية – المقربة بشكل كبير من حزب “العدالة والبناء”، المحسوب على “جماعة الإخوان المسلمين” – وكذلك المؤتمر الوطني العام – الذي يسيطر عليه أيضًا الإسلاميون – يترجم (التوجه) تخوف الساسة في طرابلس من أن تأخذ الأمور منحى تصعيديًّا خطيرًا قد يجر البلاد إلى حرب أهلية.

وإذا كانت بعض التقارير قد رصدت تحركات قوات موالية للسلطات المركزية في اتجاه مناطق الشرق الليبي؛ حيث توجد الموانئ المحاصرة من قبل الجماعات المسلحة، بالموازاة مع إصدار المجلس العسكري – المنسق بين مختلف الميليشيات المسلحة – مباشرة بعد إقالة زيدان، أمرًا بانسحاب “القوات التي تحتل مواقع إستراتيجية”، وهو ما اعتبر رسالة صريحة وواضحة بخاصة إلى التجمعات التي كانت مقربة من رئيس الوزراء السابق علي زيدان، ومنها تحديدًا ميليشيات مدينة “الزنتان”، هذه التطورات تجعل من الصعب التنبؤ بنجاح المفاوضات مع الجماعات المسيطرة على الموانئ.

عناصر من القوات الليبية

وفي الوقت الذي حذرت فيه قيادات من حلف “الناتو” من خطورة الوضع في ليبيا، بل أوفد الحلف بعض خبرائه إلى ليبيا، على خلفية حادث الناقلة الكورية الأخير، من أجل مساعدة سلطات طرابلس على استتباب الأمن، فإن تهديد السلطات بالعمل المسلح ضد الجماعات المسيطرة يعتبر منعطفًا خطيرًا قد يجر البلاد إلى وضع متفجر، لا سيما وأن بعض الجماعات المسلحة التي منها من يسيطر على بعض المؤسسات والمرافق الإستراتيجية، والتي كانت موالية لعلي زيدان، تعتبر نفسها أنها “خدعت” من قبل المؤتمر الوطني العام الذي يترأسه أحد المحسوبين على الإسلاميين، بعدما تمت إقالة زيدان.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن كلاً من المؤتمر العام – صاحب اليد الطولى حاليًا في ليبيا – وكذا الحكومة التي يترأسها مؤقتا وزير الدفاع السابق الذي كان يوصف هو الآخر بقربه من الإسلاميين، وهؤلاء تواليهم ميليشيات مصراتة ذات القوة البارزة على مستوى الجماعات والميليشيات، فإن الرغبة في فرض الذات وكسب النقاط ميدانيًّا تصبح هاجس كل طرف من الأطراف، فهل سيكون الرصاص – لا قدّر الله – هو الفيصل؟

علامات

ليبيا
عرض التعليقات
تحميل المزيد