عاد الخلاف القائم بين دولة المغرب وما يُعرف بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية التي تدعمها الجزائر إلى صدارة المشهد بقوة، جاء ذلك على خلفية كلمة للملك محمد السادس ملك المغرب ألقاها في الذكرى الـ 39 لإحياء انطلاق المسيرة الخضراء يوم الجمعة 7 نوفمبر2014، وهو الاسم الذي أطلق على تظاهرة جماهيرية ذات هدف إستراتيجي نظمتها الحكومة المغربية في شهر نوفمبر عام 1975 للضغط على إسبانياوتسليمها لإقليم الصحراءالمتنازع عليه، وهو إقليم شبه حضري مستقل كان واقعًا تحت الاحتلال الإسباني. جاء في كلمات الملك محمد السادس:

سيادة المغرب لا يمكن أن تكون رهينة لأفكار أيديولوجية وتوجهات نمطية لبعض الموظفين الدوليين، وأي انزلاقات أو مغالطات سترهن عمل الأمم المتحدة في هذه القضية، والصحراء الغربية مغربية إلى الأبد”

إلا أنه وبعد أيام من ذلك الخطابوفي ليلة إحياء اليوم العالمي للأمم المتحدة في العاصمة الجزائرية، ردت الحكومة الجزائرية الداعمة لاستقلال الصحراء الغربية على ذلك الخطاب بدعوة الأمم المتحدة إلى تصفية ما وصفته بالاستعمار المغربي للصحراء الغربية. كما قال وزير خارجية البوليساريو محمد سالم ولد السالك:

“إن جبهة البوليساريولا تزال متمسكة بالحل السلمي للقضية الصحراوية رغم ضغط الصحراويين للعودة إلى الكفاح المسلح لانتزاع الحرية والاستقلالوفي حال عدم انصياع المغرب للقرارات والشرعية الدولية فإن الشعب الصحراوي لن يكون أمامه إلا خيار العودة إلى الكفاح المسلح”

ما هي البوليساريو؟


بداية كلمة “بوليساريو” هي اختصار لاسم الجبهة باللغة الإسبانية المكون من الحروف الأولى لاسم “الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب” والذي يظهر من خلال الاختصار الإسباني للاسم: “Popular de Liberación de Saguía el Hamra y o de Oro”

والبوليساريو هي حركة تسعى إلى الانفصال عن المغرب وتأسيس الجمهورية العربية الصحراوية الديموقراطية، تأسست يوم 10 مايو 1973 عقب إعلان إسبانيا نيتها في انهاء الاستعمار في المغرب، نالت تلك الحركة اعترافاً دولياً كبيراً في مطلع السبعينات عقب تأسيسها من دول عديدة أبرزها الجزائر في مارس 1976 وانتهاء بدول جنوب السودان التي اعترفت رسمياً بالجبهة وبالجمهورية العربية الصحراوية في يوليو 2011، كما أن الحركة هي الممثل الشرعي الوحيد في الأمم المُتحدة عن الصحراء الغربية منذ عام 1979.


يقود محمد عبدالعزيز جماعة البوليساريو وهو الذي تدرج فى سلم جبهة البوليساريو منذ تأسيسها ليصبح الأمين العام لها في أغسطس 1976 ليتم إعادة انتخابه منذ أكتوبر 1976 وحتى الآن رئيسًا للجمهورية العربية الصحراوية الديموقراطية. ومنذ عام 1973، شنت جبهة البوليساريوالمدعومة من قبل الجزائر حرب عصاباتصحراوية كان الهدف منها مقاومة السيطرة الإسبانية على الصحراء، وفي أكتوبر من عام 1975، شرعت إسبانيا في إجراء مفاوضات مع قادة حركة التمرد للنزول عن السلطة وسط أجواء هادئة في مدينتي العيون وفي الجزائر العاصمةفي اجتماع ضم وزير الخارجية الإسباني بيدرو كورتينا إي موري والوالي مصطفى السيدرئيس الجبهة آنذاك قبل تولي محمد عبد العزيز.

ما أهم مميزات الصحراء الغربية؟

تقع الصحراء الغربية بين المغرب شمالا والجزائر و موريتانيا شرقا وموريتانيا جنوبا والمحيط الأطلسي غربا ، تقدرمساحة الصحراء بحوالي 284 ألف كم مربع. ويبلغ طول شواطئها 1400 كم. أما حدودها البرية فتبلغ 2045كم . منها 475 كم مشتركة مع المغرب. و1570 مشتركة مع موريتانيا. تتكون جغرافيًا منمنطقتين هما الساقية الحمراء في الشمال وتمتد من مدينة العيون باتجاه مدينة اسمارة حتى الحدود مع الجزائر وإقليم وادي الذهبجنوبا يمتد من مدينة بوجد ور حتى الحدود الموريتانية جنوبا. وقد بلغ عدد سكان الصحراء الغربية أكثر من نصف مليون نسمة وفقا لإحصائيات سبتمبر 2010.

تزخر أراضي الصحراء الغربية باحتياطات واعدة من النفط والغاز والفحم الحجري، كذلك تتوفر مصادر الطاقة المتجددة من الشمس والرياح والماء، يزخر باطن الأرض فى الصحراء الغربية بالعديد من الثروات المعدنية حيث تحتوي الصحراء الغربية على 9% من احتياطي الفسفات حول العالم بالإضافة إلى الثروة السمكية حيث تتمتعالصحراء الغربية بواحد من أغنى السواحل بالثروة السمكية كونها تتربع على أهم وأغنى حوض سمكي في إفريقيا والتيتقدر مساحته بـ 150 ألف كيلومتر مربع، خلافاً عن المياه الجوفية المُختزنة تحت الأرض. كل تلك المميزات الجيوغرافية والموقع المتميز لتلك المنطقة جعلتها محل نزاع دائم بين كافة الأطراف.

كيف نشأت الأزمة بين المغرب والبوليساريو؟

بدأت أزمة منطقة الصحراء الغربية قبل انسحاب الاحتلال الإسباني للمنطقة في أكتوبر1975 حيث طالبت المغرب باسترجاع الصحراء الغربية قبل انسحاب الاحتلال منها معتبراً أن الصحراء الغربية جزء من أراضيها، كذلك طالبت مورتينيا بضم أجزاء من الصحراء الغربية بدعوى وجود روابط تاريخية وقبلية، طلبت المغرب إحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية للبت فيها. وقد أقرت محكمة العدل الدولية في 16 أكتوبر 1975بوجود روابط تاريخية وقانونية تشهد بولاء عدد من القبائل الصحراويةلحاكم المغرب، وكذلك بعض الروابط التي تتضمن بعض الحقوق المتعلقة بالأرض الواقعة بين موريتانيا والقبائل الصحراوية الأخرى. وعلى الرغم من ذلك، إلا أن المحكمة الدولية أقرت أيضًا أنه لا توجد أي روابط تدل على السيادة الإقليمية بين الإقليم وبين المغرب أو موريتانيا وقت الاحتلال الإسباني، وأن الروابط المذكورة سلفًا لا تكفي بأي حال من الأحوال بمطالبة أي من الدولتين بضم الصحراء الغربية إلى أراضيها.وبدلاً من ذلك، قضت المحكمة الدولية بأن السكان الأصليين أهل الصحراء هم مالكو الأرض، وبالتالي فإنهم يتمتعون بحق تقرير المصير. إلا أنه وبعد ساعات من صدور حكم المحكمة أعلن الملك الحسن الثاني عن تنظيم “مسيرة خضراء” لإعادة الصحراء الغربية إلى الوطن الأم. وما زاد الأمر تعقيدًا أن بعثة زائرة تابعة للأمم المتحدةقد أعلنت في 15أكتوبر1975، أي قبل يوم واحد من إعلان حكم محكمة العدل الدولية أن تأييد أهل الصحراء للحصول على الاستقلال جاء بأغلبية ساحقة.

ما هي المسيرة الخضراء؟

هي إحدى المسيرات الشعبية التي تم الترويج لها على نحو جيد والتي حظيت بأهمية بالغةفي 5 نوفمبر1975 خاطب ملك المغرب الحسن الثاني جموع المغاربة الذين تطوعوا للمشاركة في هذه المسيرة قائلا:

“غدا إن شاء الله ستخترق الحدود، غدا إن شاء الله ستنطلق المسيرة الخضراء، غدا إن شاء الله ستطؤون طرفا من أراضيكم وستلمسون رملا من رمالكم وستقبلون ثرى من وطنكم العزيز.

وبعد أربعة أيام على انطلاق المسيرة الخضراء بدأت اتصالات دبلوماسية مكثفة بين المغرب وإسبانيا للوصول إلى حل يضمن للمغرب حقوقه على أقاليمه الصحراوية.لينتهي الأمر في يوم 14 نوفمبر 1975 بتوقيع المغرب وإسبانيا وموريتانيا اتفاقية في مدريد استعاد المغرب بمقتضاها أقاليمه الجنوبية والتي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة.وفي وقت لاحق من أغسطس 1979، تخلت موريتانيا عن جميع مطالبها بشأن نصيبها من الصحراء الغربية وتنازلت عن هذه المنطقة إلى البوليساريو، ولكن المغرب قامت بالسيطرة عليها على الفور.

أين أصبح الوضع الآن؟

رفضت جبهة البوليساريو اتفاقية مدريد وطالبت بضرورة احترام قرار محكمة العدل الدولية بشأن حق تقرير المصير وضرورة إجراء استفتاء شعبي. وطوال تلك الفترة التي شهدت رفض جبهة البولساريو اتفاقية مدريد وجهت أسلحتها نحو حكام المغرب في عنف ضد عدم اعتراف المغرب بأحقية مواطني الصحراء بتقرير مصيرهم وحتى عام 1991، حيث أشرفت بعثة لحفظ السلام تابعة للأمم المتحدة على إلزام الطرفين بوقف إطلاق النار، سعت من بعدها المغرب لمحاولة دمج مواطني الصحراء الغربية ضمن مواطنيها إلا أن الأمر لم يخلُ من أحداث دامية بين شباب جبهة البوليساريو والحكومة المغربية متمثلة في أحداث العيون عام 1999 وأحداث السمارة 2005 وأحداث كديم ازيك عام 2010.

وفي إبريل 2007 قدمت حكومة المغرب حلاً للأمم المتحدة للتفـاوض بشـأن نظـام للحكـم الذاتـي لجهـة الصحـراء والذي أعلنت المغرب عن أنه أقصى ما يمكن أن يقدمه المغرب” في التفاوض من أجل إيجاد حل نهائي لهذا النزاع.وضمنت المملكة المغربية، من خلال هذه المبادرة، لكافة الصحراويين مكانتهم اللائقة ودورهم الكامل في مختلف هيئات الجهة ومؤسساتها، بعيدا عن أي تمييز أو إقصاء. ومن هذا المنطلق، سيتولى سكان الصحراء، وبشكل ديمقراطي، تدبير شؤونهم بأنفسهم من خلال هيئات تشريعية وتنفيذية وقضائية، تتمتع باختصاصات حصرية. كما ستوفر لهم الموارد المالية الضرورية لتنمية الجهة في كافة المجالات، والإسهام الفعال في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمملكة.

وما بين زيارات لمبعوثين من هيئة الأمم المتحدة واجتماعات لمجلس الأمن والأمم المتحدة أشادوا فيه بدور المغرب الفعال في محاولة حل الأزمة مُطالبين الأطراف بالمُضي قدماً لحل تلك الأزمة وفك حالة الجمود السياسي في المنطقة، لم تتحرك المياه الراكدة عن حالة الجمود السياسي سوى مؤخراً عقب تصريحات الملك محمد السادس الذي أكد فيها يوم 7 نوفمبر على أحقية المغرب التاريخية فى الصحراء الغربية والذي ردت عليه تصريحات جبهة البوليساريو باستعداتها للعودة إلى الكفاح المسلح. 


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد