في عام 1987 تفشى في مدينة مكة المكرمة خلال موسم الحج وباء التهاب السحايا – وهو التهاب حاد للأغشية الواقية التي تغطي الدماغ والنخاع الشوكي، والتي تنتشر عن طريق الفيروسات والبكتريا – ما أودى بحياة 10 آلاف حاج.

كان هذا الحدث بمثابة تجربة صغيرة لما يمكن أن يحدث في التجمعات الكبيرة التي يسهل فيها انتشار العدوى والإصابة بين أعداد مهولة من البشر، ويعد أيضًا نموذجًا لما يُمكن أن يحدث في زمن كورونا، الأسرع انتشارًا في تاريخ البشرية.

ومع قرب عودة الحياة لطبيعتها، ومع استمرار انتشار الفيروس وبمعدلات أعلى، يمكن الجزم بأن الأمر قد يصبح كارثة محققة إن لم يتخذ العلماء ومن ورائهم الحكومات، أساليب ناجعة لمواجهة هذا الخطر القادم.

«إدارة الحشود» في زمن ما قبل الجائحة

جاءت الثورة الصناعية الأولى في القرن التاسع عشر، وجاء معها مفهوم الحشود بطابعه الحديث عندما أصبح العمال يوجدون في المصانع يوميًّا بأعداد لم تكن مألوفة قبل ذلك، وعلى إثر هذا اهتم الفرنسي جوستاف لوبون بالدراسات الأولية عن الحشود بطابعها الجديد. ففي كتابه الشهير «سيكولوجية الجماهير»؛ درس لوبون القضايا المتعلقة بعلم نفس الحشود وأفواج البشر، وكيف يتصرفون.

 صورة للكعبة في أبريل (نيسان) 2020، بعد الإجراءات الاحترازية وعملية الإغلاق بسبب تفشي فيروس كورونا

ومع قدوم القرن الواحد والعشرين وفي مخاض الثورة الصناعية الرابعة – القائمة على علم البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء – اجتاح فيروس كورونا العالم؛ ليسفر عن أبحاث حول تطوير علم «إدارة الحشود» واستخدام التقنيات الحديثة التي أصبحت واقعًا معاشًا في عالم اليوم.

في استقصاء حول الموضوعات العربية المنشورة التي تُعرِّف بعلم إدارة الحشود، لم نجد إلا موضوعات قليلة جدًّا منشورة قبل تفشي فيروس كورونا المستجد في العالم، لذا؛ يسعى «ساسة بوست» من خلال هذا التقرير إلى تقديم دليل حول أهمية هذا العلم في التصدي لانتشار الوباء بعد عودة تلاقي الحشود بعضها ببعض مجددًا، ولدفع الهيئات العلمية والعلماء والحكومات للاهتمام بهذا العلم وتطويره، فالعالم في أمسِّ الحاجة لكل الجهود التي تمنع الكارثة من الحدوث.

في تقرير بعنوان: «أهم 5 تقنيات مثبتة لإدارة التحكم في الحشود»؛ نشرت شركة «Lavi industries» – المتخصصة في صناعة التحكم في الطوابير إلكترونيًّا – في 21 مايو (أيار) الماضي، أن المطارات ومراكز التسوق والملاعب والمنتزهات معرضة دومًا للزحام والفوضوية خاصة في أوقات الذروة، وذكرت أن أهم خمس تقنيات – حسب خبرتها في هذه الصناعة – للتحكم في الزحام هي:

  1. تحسين الطرق التي توجه الحشود للسير باتجاه معين.
  2. تقنيات إدارة الطوابير.
  3. الإغلاق المؤقت، لحظر منطقة ما من أجل السلامة والإصلاح.
  4. النشر السريع، وهي الطريقة التي من خلالها يجري استيعاب أعداد أكبر من المتوقع.
  5. إدارة تدفق العملاء، وهي التكنيك القائم على جمع الأربع نقاط السابقة.

كيف تعمل ماكينة «إدارة الحشود»؟

غيرت الثورة الصناعية الأولى وجه أوروبا والعالم عندما صُنع القطار الذي يعمل بالبخار، وأنارت الثورة الصناعية الثانية العالم باكتشاف الكهرباء، وما نعيشه الآن من ثورة في المعلومات والاتصالات، واختراع الإنترنت وشبكات التواصل، فهو من رحم الثورة الصناعية الثالثة، أما الرابعة والتي يعيش العالم أطوار تشكلها هذه الأيام؛ فستقوم على عدة علوم وتقنيات في القلب منها الذكاء الاصطناعي، والذي سيسعى إلى تلاشي الحدود الفاصلة بين الإنسان والآلة لتكونان شيئًا واحدًا؛ ما سيغير أنظمة كاملة للإنتاج والإدارة والحكم. ولا شك أن «إدارة الحشود» ستتأثر تأثرًا بالغًا بهذه التغيرات التي تعتمد اعتمادًا كليًّا على الآلات والتقنيات الحديثة.

تنقسم مراحل إدارة الحشود إلى ثلاث طبقات تعتمد على استخراج البيانات عن الحشود المرجو رصدها لاتخاذ القرارات المناسبة حيالها. فتبدأ المراحل بجمع البيانات عبر الحساسات مختلفة الأنواع، ثم تُرسل البيانات عبر تقنيات الاتصالات إلى مراكز المعالجة والمراقبة، لتبدأ مرحلة تخزين البيانات ومعالجتها، لنحصل في النهاية على التحليلات والرسومات الموضحة لطبيعة البيانات المُجمعة لاتخاذ القرارات المناسبة تجاه الحشود.

Embed from Getty Images

أما عن جمع البيانات، المرحلة الأولى من إدارة الحشود؛ فتعتمد بشكل أساسي كما ذكرنا على الحساسات (Sensors)، وهي أدوات لاستشعار البيئة المحيطة واستكشافها، والتي تنقسم إلى نوعين: الحساسات التي يحملها الأفراد التي تتضمن حساسات السيارات، ورقاقات «RFID» (تحديد الهوية بترددات الراديو اللاسلكية – Radio-frequency Identification)، وهي شريحة مصنوعة من السليكون وبها هوائي لإرسال البيانات واستقبالها عبر موجات الراديو، والتي يمكن إدراجها بالمنتجات مثل الـ«Bar-code»، والحيوانات، والإنسان، وتأتي الهواتف الذكية على رأس قسم الحساسات التي يحملها الأشخاص؛ وذلك لانتشارها الكبير، وقدراتها، وحساسيتها، ودقتها العالية وسهولة الوصول إليها واستخدامها.

علوم

منذ 3 شهور
هكذا يؤثر انتشار كاميرات المراقبة في سلوكنا وطريقة تفكيرنا

وبالنسبة لمستقبل الحساسات التي يحملها الاشخاص؛ فيتسارع الاهتمام الآن أكثر من أي وقت مضى بالتقنيات الذكية القابلة للارتداء، مثل ساعات اليد الذكية، والتي بها العديد من الحساسات لقياس عدة أشياء، والمتصلة بتقنية تحديد المواقع (GPS)، والتي يمكنها تحديد موقع الأفراد، كذلك الملابس الذكية التي تعمل من خلال دمج مكونات إلكترونية بالملابس ذاتها، تكون موصولة بشبكة الإنترنت، وسيكون لها القدرة على قياس العديد من الأشياء.

أما القسم الثاني فهي حساسات البنية التحتية، والتي تشمل شبكات الاستشعار اللاسلكية الثابتة، مثل كاميرات المرور والمراقبة، واللافتات، ومكبرات الصوت العامة، وحساسات جمع البيانات المتنقلة مثل الأقمار الصناعية، ونظام «GPS» لتتبع حركة الحشود، والطائرات المسيرة التي تشهد منافسة كبرى بين الدول والشركات الآن للتسلح بها، والتي تلعب في علم إدارة الحشود دورًا محوريًّا، إذ إنها تسمح بالتقاط صور جوية للحشود متغلبة على الحواجز الطبيعية والصناعية، بجانب قدرتها على رصد حشد ثابت أو متحرك بصور حية عالية الوضوح، ووصف دقيق لطبيعة المكان، والتي تعمل في كل الظروف الجوية تقريبًا، بالإضافة لسهولة التحكم وتقديم دليل موثق بصري لحركة الحشود.

كما تعد شبكات التواصل الاجتماعي أحد أهم تقنيات جمع البيانات في الوقت الحالي في العديد من التخصصات، لاسيما في إدارة الحشود، والتي تعتمد على علم البيانات الضخمة أحد أهم علوم الثورة الصناعية الرابعة.

وبعد جمع البيانات عبر الحساسات، تُرسل تلك البيانات لأجهزة التخزين والمعالجة لتحليلها، وذلك عبر قنوات الاتصال التي تمثل المرحلة الثانية من طبقات إدارة الحشود الثلاثة. فتعتمد هذه المرحلة على أنظمة وشبكات ومزودات الإنترنت التي توفرها عدة مشروعات كبرى، نذكر من بينها:

  1. «مشروع Loon» وهو مشروع تابع لشركة «Alphabet» التي تتبع «جوجل»، وأنشأها مؤسسا الشركة لاري بيج وسرجي برين، وهي من بين أكبر 20 شركة في العالم، إذ تحتل المركز الحادي عشر. يعمل مشروع «Loon» في توفير بالونات عالية الارتفاع لإنشاء شبكة لاسلكية هوائية لتوفير الإنترنت بسرعات عالية. تعمل البالونات بالطاقة الشمسية، ويجري التحكم فيها عن بعد على ارتفاع 20 كيلومترًا فوق سطح الأرض.
  2. شبكات الجيل الرابع (4G-LTE)  – تطور طويل الأمد – Long Term Evolution- والتي سمحت باستخدام سرعات أكبر بكثير من الجيل الثالث؛ مما جعل تقنيات مثل البث المباشر أمرًا ممكنًا وسهلًا ومنتشرًا حول العالم، خصوصًا مع انتشار مستخدمي تقنية الجيل الرابع؛ إذ يُقدر عدد مستخدميها في 2019 بحوالي 4.7 مليار. وغالبًا ما تكون تقنية الجيل الرابع أسرع بعشر أضعاف من الجيل الثالث، والتي تصل لسرعات بين 20 ميجا بيت و50 ميجا بيت.
  3. شبكة الجيل الخامس (5G) التي نشبت بسببها الحرب على الصين، وبالأخص شركة هواوي، تعد أحد أهم تقنيات الثورة الصناعية الرابعة، والتي تعتمد تقنيات إنترنت الأشياء (IOT) عليها، والتي تسمح بتفاعل الأجهزة والآلات مع الإنترنت لتصبح ذكية، فهي أسرع من شبكات الجيل الرابع بعشرة أضعاف، وتتوقع شركة «إريكسون» أن 1.5 مليار مستخدم سيتمكنون من الوصول لشبكة الجيل الخامس بحلول 2024.

وتتمحور المرحلة الثالثة (التخزين والمعالجة) حول تحليل البيانات الضخمة واستخدام الذكاء الاصطناعي (التعرف إلى الصور) – وهو ما تساعد في إتمامه شبكات الجيل الخامس، لمحاكاة السيناريوهات المحتملة لتصرف الأشخاص وسلوكياتهم.

لا يوجد حتى الآن منهج موحد لمعالجة سلوك الحشود وتصرفاتها وحساب كيف يتخذ الحشد قراراته لاتخاذ سلوك معين، مثل الاتجاه لناحية ما، أو التغيير من السرعة وهكذا، لكن برمجيات إدارة الحشود بشكل عام – والتي تعمل في معالجة البيانات – تتكون من نوعين: برمجيات تشغيل الحساسات، وبرمجيات معالجة البيانات.

فعلى سبيل المثال؛ أحدثت الكاميرات الذكية ليس ثورة فقط في التعرف إلى الوجوه وتصنيفها، بل أصبحت بعد اختراع «FPGA» – مصفوفة البوابات المنطقية القابلة للبرمجة – Field Programmable Gate Array – وهي عبارة عن دائرة صممت كي تجري برمجة أنظمة متكاملة عليها.

وتدخل «FPGA» في العديد من التطبيقات من بينها: معالجة الفيديو والصور، والأنظمة الأمنية، والاتصالات السلكية واللاسلكية، وأنظمة البث وغيرها، وتعد أحد المرتكزات لعدة صناعات وابتكارات مثل: قراءة التعليمات البرمجية والتحقق منها (الباركود، مصفوفة البيانات، الأبجدية الرقمية)، وفحص الويب لاكتشاف العيوب، وقياس الأبعاد، وتوجيه الروبوت، والالتقاط الآلي، وكذلك عمليات الرصد الآلي، والتشخيص البيومتري والتحكم في الوصول (الوجه، بصمة الإصبع). وتعد الكاميرا الذكية أو «FPGA» مثالًا على برمجيات تشغيل الحساسات.

أما برمجيات معالجة البيانات فهي تشمل عدة أدوات لإجراء التحليلات لجمع البيانات المُجمعة وتحليلها وتحويلها لرسومات تفاعلية سهلة الاستخدام، وكذلك لبيانات شبكات التواصل الاجتماعي، والتي يمكنها إمداد الحشود وأجهزة الأمن والإنقاذ بالمعلومات والبيانات والرسومات اللازمة لتوجيه الحشود، والمساعدة في حالات الطوارئ.

«إدراة الحشود» ومستقبل مليء بالتطورات والتقنيات الواعدة

إن حاضر علم إدارة الحشود يشهد العديد من التغيرات التي تتبلور لتشكل حاجزًا يمكن أن يستفاد به لمواجهة كورونا، في تحديد المصابين عن بعد، وكذلك ضمان وجود مسافات بين الناس تسمح بعدم انتقال العدوى، كما يمكن من خلالها رصد المخالفين غير الملتزمين بسلامة المجموع. لكن مستقبل هذا العلم سيشهد العديد من التطورات الكبرى والتي نستعرض ثلاثة منها:

  1. شبكات الجيل الخامس والتي سيصبح بإمكاننا عبرها نقل كميات من البيانات أكبر، ما سيمكننا من تطبيق تقنيات أكثر تعقيدًا.
  2. دراسة الآلة لعاطفة الإنسان وتفاعل الآلة مع الإنسان بناء على عاطفته. 
  3.  تطبيق «ترجمان» الذي يسعى إلى تنظيم الحجيج بتقنيات إلكترونية، ما يسمح بعدم تكرار ما حدث في موسم حج 1987. 

وعلى الرغم من أن شبكات الجيل الرابع يمكنها القيام بالعديد من المهام والوظائف لخدمة تقنيات إدارة الحشود، فما يزال هناك فجوة كبيرة بين ما تقدمه والمتطلبات العملية التي تحتاجها صناعة إدارة الحشود، وهو ما سيتحقق بحلول استخدامات شبكة الجيل الخامس، والتي ستتميز بإرسال البيانات بسرعة عالية. وهو ما يساعد في تطبيق الكثير من الإبتكارات والأفكار القائمة على سرعة نقل البيانات التي ناقشناها خلال هذا التقرير.

ومن أقوى التطبيقات التي يجري إعدادها في إطار علم إدارة الحشود، تقنيات الاستشعار العاطفي للحشود، والذي يرصد الحالة العاطفية لأفراد الحشد عن طريق استشعار الحرارة، والرطوبة، والغبار، وتأثيرها في العواطف، وغيرها من البيانات، مثل قياس نبضات الأفراد، والذي يستخدم لتحقيقها الحساسات والتقنيات المستخدمة في إدارة الحشود التي ذكرناها سابقًا، بالإضافة إلى تقنيات واعدة مثل حساسات الروائح التي تؤثر في عواطف الأفراد، والتي ظهر على إثرها جهاز شم محمول يكشف عن المركبات العضوية المتطايرة ومراقبتها، بل إنتاجها أيضًا، مثل تقنية «olfactometer» التي تُستخدم للتحكم في الرطوبة، ودرجة الحرارة، وتحفيز الروائح.

أما عن أكبر حشد عالمي على الإطلاق؛ ألا وهو موسم الحج، حصل تطبيق «ترجمان» على المركز الأول في النسخة الأولى من هاكثون الحج السعودي في 2019، والذي يعتمد على استخدام رقاقات «RFID» لترجمة اللوحات الإرشادية بلغات الحجيج عبر ماسح ضوئي دون الحاجة إلى استخدام إنترنت.

«إدارة الحشود» والاستبداد الرقمي

خلال الشهور الماضية منذ تفشي جائحة كورونا، أصبح على الصينيين التكيف مع شكل جديد من المراقبة الدورية، وذلك عن طريق تدوين الاسم، ورقم الهوية، ودرجة الحرارة، وسجل السفر الأخير. كذلك تتبعت تطبيقات مثل «WeChat» تحركات الأشخاص من خلال خطوط ساخنة للإبلاغ عن آخرين يُتوقع أنهم مرضى، وقدمت مكافآت للمبلغين عن جيرانهم. 

لم يصبح هذا المشهد أمرًا استثنائيًّا نراه في مجموعة من الدول دون أخرى؛ فالعالم كله مندفع لجعل حركته مرصودة عبر الأجهزة الحكومية بدعوى التصدي لفيروس كورونا، الأمر الذي يثير الكثير من مخاوف التعدي على الأشخاص؛ من أول الحصول على المعلومات، وصولًا لتصفية الحسابات مع الخصوم السياسيين، خاصة في البلاد التي يحكمها أنظمة شمولية، وهذا ما سيثيره أكثر علم إدارة الحشود بلا شك، إذ إنه يعتمد اعتمادًا كليًّا على جمع بيانات الحشود وتخزينها. 

تكشف البيانات التي جمعتها «فريدوم هاوس» عن أنه منذ عام 2000 ارتفع عدد القيود المفروضة على الحريات السياسية والمدنية على مستوى العالم؛ تقول المنظمة: «يظهر تحليلنا باستخدام البيانات التي تغطي 202 دولة أن الأنظمة الاستبدادية التي تستخدم القمع الرقمي، تواجه خطر الاحتجاجات أقل من تلك الأنظمة الاستبدادية التي لا تستخدم هذه الأدوات نفسها». 

لذا؛ أصبح ضروريًّا مع تطبيقات إدارة الحشود للحد من فيروس فتاك مثل كورونا؛ أن تكون المجتمعات أكثر وعيًا عن أمنها وسلامتها المعلوماتية والرقمية ومواجهة الاستبداد الرقمي، وهو ما سنشاهد مآلاته خلال الشهور القليلة القادمة. 

تكنولوجيا

منذ شهرين
«فورين بوليسي»: هل المراقبة واختراق الخصوصية هما السبيل الوحيد لمواجهة كورونا؟

المصادر

تحميل المزيد