في بدايات الألفية الثانية بأوروبا، كان الدين يهيمن على الفكر الاقتصادي، وفي حين كانت الثروة تتكدس بأيدي قلة من أصحاب السلطة والإقطاعيات والنفوذ، المتحالفين مع الكنيسة، كان الفكر السائد بين الجموع الفقيرة، الذي تصدره لهم الكنيسة – وهي للمصادفة كانت أكبر وأقوى مالك للأراضي آنذاك – أن السعي من أجل تكديس الثروة هو إثم كبير، وأن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر وأسهل من أن يدخل رجل غني الجنة، وفي نفس تلك الفترة كانت الحملات الصليبية تنطلق لمحاربة المسلمين في الشرق، وتحقق نجاحات ملحوظة.

وربما ارتبطت الحملات الصليبية في ذاكرة المؤرخين بالوحشية والفظائع، وبأنها ترمز إلى ماضٍ كان يحكمه التعصب وضيق الأفق، ويُنظر إلى الحملات الصليبية عمومًا بين أغلب المثقفين على أنها نقطة سوداء في الماضي البشري.

لكن بنظرة أشمل لحركة التاريخ، ربما نكتشف أن الأشياء لا تسير على نحو «الخير المطلق والشر المطلق»، وربما حملت أقسى اللحظات مخاضًا لتطور ضروري، وربما كان وقوعها ضرورة لميلاد نقيضها.

ورغم كل التأثيرات السلبية التي تركتها الحروب الصليبية، ستعرف كيفية مساهمة تلك الحملات في اختراع النظام البنكي الحديث لأول مرة، وجدير بالذكر هنا أن الحملات الصليبية لها تأثير قوي وملموس في حياتنا الحاضرة، وفي واقعنا المعاصر، وربما أكبر مما تتخيل، وبدون تلك الحملات ما كنا لنرى أوروبا على النحو الذي نراها عليه الآن.

وبحسب الباحث توماش ماستناك، فإن تلك الحملات مثلت تجربة تكوينية حاسمة لما سوف يصبح بعد ذلك معروفًا باسم أوروبا، وأنها كان لها عظيم الأثر على الأفكار والمؤسسات الغربية، كما أن تلك الحملات مثلت الاتحاد الغربي الأول، بحسب ماستناك.

فرسان الهيكل

استولت الحملة الصليبية الأولى عام 1099 على القدس، ومن ثم تأجج شوق العديد من سكان أوروبا لزيارة الأراضي المقدسة في الشرق، بعد أن استولت عليها الجيوش الصليبية. كان الصليبيون قد أحكموا قبضتهم بالفعل على القدس إلى حد كبير، لكن باقي الأراضي الواقعة في طريق الحُجاج الأوروبيين للقدس، كانت تعج بالأخطار وقُطاع الطرق.

بدأ الأمر بتسعة فرسان، سُمح لهم بإنشاء تنظيم رهباني، يأخذ على عاتقه مهمة حماية الحُجاج المسيحيين، في شتاء عام 1120، وتحديدًا في يناير (كانون الثاني)، وأُعطي الفرسان جناحًا في القصر الملكي في جبل الهيكل بالمسجد الأقصى، الذي سيطرت عليه القوات الصليبية آنذاك، ليكون مقرًا لهم، وقد أطلقوا على أنفسهم لقب «فرسان الهيكل».

بدأ الأمر بالفرسان كجنود فقراء للمسيح، يعتمدون في حياتهم على التبرعات، وكان رمزهم الذي اختاروه ورسموه على أعلامهم وأختامهم، هو تصوير لفارسين يمتطيان جوادًا واحدًا، كناية عن الفقر وضيق الحال، وأنهم لا يطلبون من الدنيا الفانية سوى أقل القليل. ليس هذا فحسب، بل أقسم هؤلاء الفرسان من اللحظة الأولى على الحفاظ على فقرهم للأبد، باعتباره قيمة نبيلة في حد ذاته، ولم يكن أحد ليتخيل أن هؤلاء الفرسان الذين أقسموا على الولاء للفقر، سيعرف العالم بسببهم فكرة المصارف والبنوك الحديثة، مع العلم أن معظمهم ظلوا فقراء كأفراد بالفعل، لكن تنظيمهم كان الأكثر ثراًء في أوروبا آنذاك.

صورة لرمزهم الذي يصور فارسين يمتطيان جوادًا واحدًا (مصدر الصورة: ويكيبديا)

لم تمر سنوات قليلة، حتى تغير حال التنظيم تمامًا، فاستطاع أن يحقق النجاح تلو الآخر، وأصبح قوة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها في الحروب الصليبية، واستطاع أن يرتبط برموز قوية داخل الكنيسة ويكسب ثقتها، وسرعان ما زاد عدد أعضاء التنظيم بشدة، وازدادت معه مشاريعه الاقتصادية مع تعاظم نفوذه وقوته.

وفي عام 1139، أصدر البابا إنوسنت الثاني مرسومًا بابويًا، أعطى أعضاء التنظيم فيه، حرية عبور جميع الحدود بحرية تامة، وهو الأمر الذي أهلهم فيما بعد ليشكلوا أول مؤسسات اقتصادية عابرة للحدود، كما تم إعفاؤهم وفقًا لهذا المرسوم من أية ضرائب، ومن ضريبة العُشر تحديدًا، وهو الأمر الذي أثار الغضب المكتوم في صدور ملاك الأراضي التقليديين، الذين شعروا بأنهم في منافسة غير عادلة مع هؤلاء الفرسان، وباتوا لا يمثُلون وفق هذا المرسوم إلا للبابا فقط في العالم المسيحي، ولا يخضعون لأي قانون محلي أو أي فرد من النبلاء الإقطاعيين وفق الهرم الاجتماعي الدارج آنذاك، وبات التنظيم بعد هذا المرسوم أكثر من أي وقت مضى، قبلة التبرعات الخيرية من شتى أنحاء أوروبا.

جدير بالذكر هنا أن ملمحًا جديدًا وغريبًا بدأ يظهر في بنية تشكيل التنظيم بعد ذلك، فعلى الرغم من كونه تنظيمًا عسكريًا في الأساس، إلا أنه مع تعاظم قدراته المادية، بات أغلب أعضائه من المدنيين، الذين عملوا على إدارة البنية الاقتصادية المتعاظمة للتنظيم.

الأثرياء الجدد

بدأت حوادث جديدة تظهر أمام هذا التنظيم العسكري الديني الاقتصادي الاستثنائي، فقد تتكررت حوداث من نوع أن يذهب أحد النبلاء المتدينين متحمسًا للحرب في الأراضي »المقدسة«، ويترك إدارة جميع أصوله المالية للتنظيم العابر للقارات إلى أن يعود.

templari_matthewparis

ومن خلال التبرعات المالية الضخمة، من شتى بقاع أوروبا المسيحية، والتعاملات المالية، بات الفرسان »الفقراء«، يسيطرون على شبكة اقتصادية ضخمة عابرة للحدود، وامتلكوا مساحات واسعة من حقول العنب ومعاصر النبيذ، والمطاحن، والأفران، بالإضافة إلى مشاريعهم الصناعية، واستصلاح الأراضي، وتصنيع الأساطيل البحرية، وكانت فلسفتهم الاقتصادية من البداية تقوم على استثمار أي تبرع واستخراج أكبر كم من العوائد منه.

وقام فرسان الهيكل بالتخطيط لدعم اقتصاد الأقاليم بطريقة مستدامة تعمل ذاتيًا، وأنشأوا الأسواق حول المستوطنات، الأمر الذي خول لهم السيطرة الاقتصادية على أقاليم بكاملها.

اختراع البنوك

نشأ التنظيم بالأساس لحماية الحجاج المسيحيين، في رحلة حجهم الطويلة التي تتطلب إمدادات كبيرة من النقد، وفي نفس الوقت تحدق بها أخطار قطاع الطرق واللصوص. وقد هيأ امتلاك تنظيم فرسان الهيكل لمساحات شاسعة من الأراضي الزراعية على طول الطريق من أوروبا إلى الأراضي «المقدسة»، على ظهور اختراع سيشكل فيما بعد مظهرًا رئيسيًا من مظاهر الاقتصاد الحديث.

في عام 1150، ظهر لأول مرة في العالم الصورة الأولية للنظام البنكي الحديث، فقد بدأ تنظيم فرسان الهيكل بإصدار خطابات اعتمادات مالية، بحيث يترك الحاج مقتنياته النقدية والقيمية، في فرع من فروع ومكاتب (تنظيم الفرسان) بوطنه ويأخذ وثيقة إثبات، ويذهب في رحلته دون الاضطرار إلى حمل الذهب المغري لقطاع الطرق. وبتسليم هذه الوثيقة لأي فرع من فروع التنظيم على طول الطريق، مع ذكر تاريخ إصدار الوثيقة الذي يظهر على الوثيقة بأرقام مشفرة، وذكر جدول المقتنيات، يسترد الحاج ما يريده من قيمة ما أودعه، هكذا ظهر في العالم لأول مرة نظام مالي يعتمد على فكرة الصكوك بطريقة حديثة، وهكذا أيضًا ساعد النقد المتدفق على خزائن الفرسان، على إقامة علاقات ضخمة متعلقة بالاستيراد والتصدير.

في الواقع كان فرسان الهيكل يمتلكون مكاتب في كافة أنحاء ما صار يعرف فيما بعد باسم (أوروبا)، وكان الناس يثقون بهم للغاية، فهم أمناء على أموالهم وأقوياء يستطيعون حمايتها، بل إنهم كانوا قادرين أيضًا على توفير رجال أقوياء ومتدينين، لمرافقة انتقال الأموال عبر الحدود إذا لزم الأمر، ورغم كل ما وجه إليهم من اتهامات بعد ذلك، حتى من الداخل المسيحي، بسبب سيطرة المصالح التجارية على سياساتهم في عديد الأحيان، وهو ما جعلهم يدخلون في علاقات قوية مع بعض المسلمين، لكنهم ظلوا يتمتعون لآخر لحظاتهم، بسمعة طيبة للغاية في الأوساط المسيحية فيما يخص الأمانة وإيفاء التعاملات والاتفاقات.

وربما ستدهش عزيزي القارئ، إذا عرفت بأن مصرف (بنك) فرسان الهيكل في باريس ولندن آنذاك، كان يقوم تقريبًا بكل الوظائف التي يقوم بها البنك الحديث، حيث يمنح القروض ويقبل إيداع الأموال في حسابات شخصية، ويُنشئ حسابات منفصلة للعملاء، بالإضافة إلى تحويل العملات، والتعامل مع التمويل، ليس هذا فحسب، فقد استطاع التنظيم أن يلعب أيضًا دور شركات المحاسبة الحديثة، فقد كانوا يقومون بمهمة تدقيق حسابات ملك فرنسا.

ولم يخترع فرسان الهيكل البنوك الحديثة فحسب، وإنما أيضًا حمل تنظيمهم نواة عقيدة الانضباط العسكري الحديثة، وذلك بفضل خضوعهم لنظام رهباني يلتزم فيه الفرسان بالطاعة التامة؛ فقد كانت طاعة القائد في المعركة إلزامية أيًا كانت الظروف، وكان الانسحاب من المعارك ضد المسلمين محظور عليهم، كما كان محظورًا على التنظيم دفع فدية فيما يخص جنوده المأسورين، وكان الهدف من ذلك أن يعلم الفارس بأنه لا مفر من القتال حتى الرمق الأخير، فإذا أُسر لن يجد من يفتديه، رغم الأموال الطائلة التي يتمتع بها التنظيم.

التطور الضروري: «مزيد من الجشع لا يضر»

وصل فرسان الهيكل إلى درجة من النفوذ الاقتصادي، جعلهم أكبر المقرضين لملوك أوروبا، وكان نجاحهم منقطع النظير، هو السبب الرئيسي في هلاكهم، فلم يكن مسموحًا في نظر الملكيات العتيقة في أوروبا المسيحية، أن تترك تلك المجموعة الاقتصادية للتعاظم والسيطرة أكثر من ذلك. وبالفعل في عام 1307، نجحت السلطات الملكية في كبح هذا التعاظم، وتم اعتقال العديد من فرسان المعبد، وقد تعرضوا للتعذيب الوحشي والقتل.

بسبب التنكيل »الدرامي« والمفاجئ بهم، وسقوطهم السريع والنهائي بعد كل هذا النفوذ والثراء الضخم، خصوصًا وأن القضاء عليهم لم يتم بواسطة أعدائهم المسلمين، وإنما بوساطة أيادٍ مسيحية.

وبسبب ذلك، ترك فرسان الهيكل بعد رحيلهم العديد من الأساطير التي نسجها الوجدان الشعبي في أنحاء أوروبا المسيحية حولهم، فبات العجائز والنساء والأطفال يتداولون عن فرسان الهيكل حكايات رسخها الوجدان، مليئة بالمغامرات المسلية، والمؤنسة للصغار والعجائز حول المدفأة، من قبيل أنهم كانوا يمتلكون طريقة سرية لتحويل الرصاص إلى ذهب، وأنهم استطاعوا الوصول لكنوز النبي سليمان في القدس، وهذا هو السبب في ثرائهم الضخم، وكان الأهم هو تداول الأساطير حول الأماكن السرية لكنوزهم، التي لا يعرف أحد أين تركوها قبل هلاكهم.

templars_burning

وبعيدًا عن الأساطير التي نسجها حولهم الوجدان الشعبي، وبعيدًا عن الانتقادات الكبيرة التي وجهها لهم المؤرخون المسيحيون حتى نهاية القرون الوسطى، حول أنهم اضطروا كثيرًا بحكم الواقع، وبحكم تعاملاتهم الاقتصادية الضخمة، إلى التحالف والتعامل في بعض الأحيان مع بعض الفرق الإسلامية سياسيًا واقتصاديًا بدون غضاضة، لكن الأهم فيما يخص تجربة فرسان الهيكل، أنهم شكلوا نواة أولية لعالم مختلف؛ عالم أكثر تطلعًا للمكسب والمال، وأكثر تصديقًا لأن أناس مروا من هنا واستطاعوا أن يصنعوا ثروات ضخمة بالعقلانية وترشيد العوائد.

يتضح إذًا أن تجربة فرسان الهيكل شكّلت نواة للتحول الكبير في أوروبا إلى الميركنتيلية (المذهب التجاري)، حيث استُبدل الاهتمام في الاقتصاد بالمسائل الأخلاقية، بالاهتمام بكيفية جمع الثروات بشكل أساسي، كما استُبدلت الإقطاعيات بالدول المركزية القومية الحديثة.

ربما لا يرى البعض أن هذا التطور التاريخي كان جيدًا، وربما يجد البعض حنينًا جارفًا إزاء عالم القناعة الخالي من البنوك، والباحثين عن الثروة، ورواد الأعمال، لكن المؤكد أن فرسان الهيكل والحملات الصليبية قد لعبت دورًا كبيرًا في إنشاء النظام البنكي الحديث، وفي التطورات الاقتصادية اللاحقة التي شهدتها الحياة على كوكب الأرض.

عرض التعليقات
تحميل المزيد