لم تتوقف البلورات بجميع أشكالها عن إلهام خيال العرافين، منذ أن بدأ البشر في الحفر والقطع والصقل واكتشاف أسطح لامعة، من شظايا حجر السج الأسود النفاث، والأشكال البيضاوية الملساء من الكوارتز الوردي، والمكعبات الخشنة من الجمشت، ليقف جمالها بين الحقيقة والخيال.

ففي العقد الماضي، حين أصبحت «الرعاية الذاتية»، و«العلاج بالطاقة» عبارات رنانة، وعادت الأحجار الكريستالية إلى مكانتها مرة أخرى، وأصبحت أجدد وأكبر اتجاهات الصحة والطاقة الذاتية، فهناك بلورة لكل غرض ممكن، توفرها صناعة غير مشروعة تقدر بمليارات الدولارات، وتحديدا بنحو 4.2 تريليون دولار، بوصفها جزءًا من صناعة «الرعاية الذاتية» العالمية.

 تاريخ من تحديق العرافات في الكرات البلورية

يمكن أن تتشكل بلورات الكريستال في أي مكان تقريبًا حول العالم؛ فاللازورد يأتي من أفغانستان والكوارتز من جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتنتشر في أماكن أخرى مثل أوروغواي، وجنوب البرازيل، وميانمار، ومدغشقر حيث يرتبط استخراج المعادن بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والضرر البيئي.

وقد توصلت منظمة «غلوبال ويتنس» الدولية أن طالبان تكسب ما يصل إلى 20 مليون دولار سنويًا من مناجم اللازورد الأفغانية، كما توضح تصنيفات مواقع الويب الكريستالية، أنها واحدة من أفضل الأحجار للعلاج النفسي.

Embed from Getty Images

أرخ عالم الأنثروبولوجيا البريطاني نورثكوت توماس لممارسات التنجيم وقراءة البلورات، وأعادها لشعب الصين القديمة ومصر وأمريكا الوسطى وروما. وانتشرت حتى صارت عقيدة في العصر الفيكتوري، وكون العرافين ثروتهم آنذاك، من خلال جذب الناس إلى غرف مظلمة والجلوس أمام قطعة من الكوارتز والصراخ فيها بزعم قراءة المستقبل.

لم يحدد توماس موقفه من تلك الممارسات في كتابه «التحديق البلوري: تاريخه وممارساته» معتقدًا أنه على الرغم من أن بعض العرافين كانوا فنانين مخادعين، إلا أن العديد منهم كانوا يرون أشياءًا بالفعل في الغرف المضببة، أو على الأقل كان لديهم خيال بناء، فيخرجون بقصص وتنبؤات ذات معنى، معتمدين على معطيات أولية، يرجعونها لقطعة كبيرة من بلورات مصقولة.

ليست الأحجار الكريستالية سوى واحدة من عدد من الممارسات التي جرى استخدامها للمساعدة في ظهور الهلوسة البصرية، وقدم توماس في كتابه سردًا شائعًا للطرق المختلفة التي جرى استخدامها في العصور الكلاسيكية والعصور الوسطى والحديثة، ووصف بعضها بالمتوحشة أو البربرية، مثل استخدام الدم من قبل الماوريين والباوينيز، والكوارتز من قبل أهل ساراواك الماليزيين، والمرايا من قبل شعوبًا أكثر تقدما.

انتشر العلاج بالكريستال لأول مرة في الغرب في السبعينيات على استحياء، وقد تزامن ظهوره مؤخرًا مع الاهتمام المتزايد بالممارسات العلاجية الروحانية، فوفقًا لبيانات مركز «بيو (Pew)» للأبحاث، أكثر من 60٪ من الأمريكيين يؤمنون بعلم التنجيم أو القوى الخارقة، ويعتقد 42٪ أن الطاقة الروحية قد تكمن في أشياء مادية مثل البلورات، حتى أن هذه التجارة التي لم تتوقف بعد رفع دعوى قضائية على شركة تبيع بلورات البيض المهبلية بزعم أن لديها القدرة على موازنة الهرمونات وتنظيم الدورة الشهرية!

اليأس مقابل بلورة قد تفيد

تكمن جاذبية البلورات في بريقها اللامتناهي، لكن قيمتها تعتمد على الإيمان بقدراتها العلاجية؛ فالجشمت يساعد في العلاج من الإدمان، والكوارتز لتعزيز المشاعر الإيجابية تجاه من نحبهم.

في كتابها «قوة العلاج بالبلورات»، تتباهى إيما لوسي نولز بأن فيكتوريا بيكهام من بين عملائها المعروفين، الذين تعالجهم بالبلورات لاستخراج الطاقات السلبية وزيادة الإيجابية، مثل الحب والحماية والوفرة، أو السعي لإزالة السموم مثل الخوف والشعور بالذنب والقلق.

بل وتساعد النساء المتلهفات على الإنجاب والوصول لذروة النشوة الجنسية بهذه البلورات، وتوصي لوسي زبائنها بوضع الكوارتز على صور الأشخاص الذين يحبونهم، مؤمنة بأن أحجار الكريستال تشبه البشر، كلاهما يتشكل تحت ضغط.

Embed from Getty Images

يبيع التجار البلورات أيضًا لتنقية المياه، وأصبحت مطلوبة بوصفه إكسسوار بين الملابس ومستحضرات التجميل بهدف تحفيز الثقة بالنفس. فهناك التورمالين الأسود لإبعاد الطاقات السلبية، والكوارتز الأبيض الصافي لتعزيز الانسجام والتوازن.

كما تباع على شكل مصابيح أو ألعاب جنسية أو مدلك للوجه أو «بيض مهبلي»، بينما كانت كيم كارداشيان، نجمة تليفزيون الواقع، تتعافى من سرقتها تحت تهديد السلاح في عام 2016 باحتضان إحدى هذه الكريستالات، وصرحت عارضات أزياء بأنهن لا يتخلين عن بلوراتهن وسط مستحضرات التجميل لشحن ثقتهن بجمالهن!

في عام 2001، شرع عالم النفس، كريستوفر فرينش، عبر اختبار تأثيرات البلورات العلاجية، في دراسة لم تُنشر ولكن قُدمت في المؤتمر الأوروبي لعلم النفس في روما. فقد ملأ 80 شخصًا استبيانًا مصممًا لقياس مستوى إيمانهم بالظواهر «الخارقة»، وأخذ كل متطوع قطعة لامعة باعتبارها من الكوارتز النقي، ولكن نصف القطع كانت من الزجاج، وجرى إعطاؤهم كتيبًا يشرح 10 من الأحاسيس التي قد يواجهونها، والتي تضمنت الوخز، وزيادة التركيز، وتدفق المشاعر الإيجابية، وارتفاع درجة حرارة اليد، وتنشيط جميع مستويات الوعي.

من أصل 40 متطوعًا يحملون قطعًا مزيفة من الزجاج، فشل ستة فقط في اختبار واحد على الأقل من تلك الأحاسيس، لتقوض النتيجة أية مزاعم بأن البلورات تتمتع بالقوى الغامضة التي يُزعم أنها تمتلكها. فسر فريتش وغيره من علماء النفس قوة البلورات بقوة العقل وليست البلورات.

فالتأثيرات التي جرى الإبلاغ عنها في دراسات البلورات جاءت نتيجة لقوة الإيحاء، بالضبط كما أظهرت الكثير من الأبحاث مدى قوة تأثير الدواء الوهمي، بأنه إذا اعتقد الناس أن العلاج سيجعلهم يشعرون بتحسن، فإن العديد منهم يشعرون بتحسن بعد أن يتلقوا العلاج، حتى لو كان بلا قيمة من الناحية العلاجية.

رحلة البحث عن البلور وعمالة الأطفال!

تزدهر تجارة البلورات كل يوم بين مستهلكين يميل أغلبهم إلى الاهتمام بالتغيرات المناخية والنوايا الحسنة، عازفون عن معرفة ظروف استخراج البلورات، أو يغلفون معظمها بنفس الجماليات الملونة بألوان الباستيل الصديقة للروح، الألوان ذاتها التي يستخدمها كثير من مدربو اليوجا للإعلان عن ورش عمل للشفاء بالبلورات أو قصائد الرومي.

يتزايد الطلب اليوم على «البلورات المعالجة» ولكن يتم استخراج الكثير منها في ظروف مميتة في أفقر دول العالم، وهناك القليل من الأدلة على أن هذه الصناعة التي تبلغ قيمتها مليار دولار تخلف وراءها كثير من الدماء؛ ففي تحقيق لصحيفة «الجارديان» البريطانية بأحد أكبر أسواق البلورات بمدغشقر، كان هناك عشرات الآلاف من أطنان الباستيل، والإيدوت داكن اللون، والتورمالين المخطط باللونين الأحمر والأخضر، والكوارتز، تُباع القطع الضخمة منها بـ100 دولار، والقطع الصغيرة بسنتات أقل من دولارًا واحدًا.

Embed from Getty Images

يشتري البلورات مالكي المعارض ورجال الأعمال وتجار الجملة الرئيسين، كأول خطوة في طريقها عبر أمريكا وأوروبا إلى المتاحف والمعارض، ومراكز العلاج بالبلورات واليوجا، ومتاجر التجزئة للعناية بالصحة، والمتاجر الإلكترونية. تحقق وكالات بيع البلورات مبيعات تتراوح بين 30 و 40 مليون دولار كل عام، في سبيلها لتلبية احتياجات مجموعة متزايدة من المشاهير وهواة الجمع والمشترين للاستثمار الذين يريدون بلورات نادرة وقيمة، يشترون القطعة الواحدة بأسعار تتراوح بين مليون و10 مليون دولار.

رغم كونها واحدة من أفقر دول العالم، يوجد تحت أرض مدغشقر كنز من الكوارتز الوردي والجمشت والتورمالين والسترين واللابرادوريت والعقيق، ومع ارتفاع الطلب صارت الأحجار الثمينة هي الصادرات الأسرع نموًا فيها خلال عام 2017، بزيادة 170٪ عن عام 2016، لتصل إلى 109 ملايين دولار، لكن الأجسام البشرية هي التي تسحب البلورات من الأرض وليست الآلات.

تكون البلورات مصقولة لامعة في مرحلة البيع الأخيرة، لكن يحتاج استخراجها ربع السكان المحليين، رجالً،ا ونساءً، وأطفالًا، للعمل تحت الأرض، فتقدر منظمة العمل الدولية أن حوالي 85 ألف طفلًا يعملون في مناجم مدغشقر، تقوم على أكتافهم صناعة بمليارات الدولارات.

تعمل العائلات الصغيرة الفقيرة على الحفر، يدخلون المناجم للبحث عن الكوارتز، ما يجعلهم عرضة للانهيارات الأرضية والوفاة التي أصبحت حدثًا معتادًا بينهم داخل المناجم، أو الجروح العميقة أثناء عملية سحب الكريستال، فبعض الكتل صغيرة، لكن البعض الآخر يبلغ وزنه 100 كجم أو حتى 200 كجم، يسحبها خمسة أشخاص معًا، صعودًا نحو التل حيث تأتي الشاحنات لتحميلها، يبيعون الكيلوجرام بنصف دولارًا، لتتضاعف قيمته مع كل مرحلة من مراحل الرحلة.

صحة

منذ 6 شهور
هل لها نفع حقيقي؟ هذا ما نعرفه عن العلاج بالطاقة والهوميوباثي

المصادر

تحميل المزيد