شكل إعلان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية باراك أوباما رفع الحصار الاقتصادي والمالي، والعودة إلى تطبيع العلاقات مع كوبا والمقطوعة منذ عام 1962م، أحد التحولات الكبرى في العلاقات التي يشهدها عام 2014 الذي يشارف على نهايته.

وجاء التقارب التاريخي بين واشنطن وهافانا، وفتح صفحة جديدة من العلاقات، بعد سلسلة من العقوبات فرضتها أمريكا، وانعكست سلبًا على معظم مناحي الحياة في كوبا، خاصة في معاملاتها المالية والمصرفية.

إعلان التقارب سيتبعه بحث الرئيس أوباما مع الكونغرس رفع الحظر المفروض على الجزيرة منذ نصف قرن، خاصة أنه اعترف في خطابه أمس أن سياسة العزل المتبعة ضد كوبا لم تأت بنتائج إيجابية، معلنًا فتح صفحة جديدة من العلاقات بين البلدين.

وبالتالي، كيف بدأت العلاقات وتأزمت بين البلدين؟ وما السر في فتح صفحة جديدة بينهما في الوقت الحالي؟ وما الأثر الذي تركه هذا التقارب؟ فضلا عن النتائج التي خلفها الحصار الأمريكي لكوبا طيلة العقود الماضية.

جذور العلاقات المتأزمة بين البلدين

الرئيس الأمريكي باراك أوباما خلال الإعلان عن رفع الحظر عن كوبا

 

جمعت المصالح المشتركة الولايات المتحدة الأمريكية وكوبا قبل ظهور الحركات الاستقلالية في كليهما، فلطالما اقترحت الأولى شراء جزيرة كوبا في عديد من المرات، وسرعان ما اكتسبت الولايات المتحدة الأمريكية مكانة نافذة اقتصاديًا وسياسيًا في هذه الجزيرة، خاصة حينما كان لها نصيب الأسد من الاستثمارات الخارجية في كوبا.

وشهدت العلاقات بين البلدين قطيعة دبلوماسية منذ عام 1960، وذلك بعد تولي الرئيس السابق فيدل كاسترو وحكومته الشيوعية حكم البلاد، إلا أنه وبحسب ما أعلنه أوباما، بعد أن أدرجت الولايات المتحدة الأمريكية الحكومة الكوبية في قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1982، أعلن وزير الخارجية الأمريكية جون كيري أنه ستتم مراجعة الأمر، ومن المقرر أن يرفع اسم كوبا من القائمة.

وتدهورت العلاقات بشكل جذري عقب الثورية الكوبية عام 1959، ولزمها نوع من الحساسية والتوتر، ولا تقيم الولايات المتحدة الأمريكية علاقات دبلوماسية مع كوبا، بل أنها فرضت حظرًا اقتصاديًا يحرم عليها التعامل مع المتاجرة والتعاون مع كوبا.

وظهرت بوادر خجولة للانفراج بين البلدين، منذ تولي راوؤل كاسترو الحكم، حيث خفف أوباما قيود السفر إلى كوبا، وفي ديسمبر من العام الماضي تصافح النظيران في مدينة جوهانسبورغ خلال حفل تأبين نلسون مانديلا، كما تبادل الجانبان إشارات المودة في إطار مكافحة إيبولا.

وكان قد تم تعليق عضوية كوبا في المنظمة عام 1962 ولم تشارك في قمة الأمريكيتين التي عقدت لأول مرة عام 1994 كتجمع لمنظمة الدول الأمريكية، حيث رفعت منظمة الدول الأمريكية تعليق عضوية كوبا عام 2009، إلا أن هافانا لم تطلب رسميًا عودتها على الرغم من أن جميع دول أمريكا اللاتينية تقريبا طلبت حضور كوبا للقمة.

ويشار إلى أن أمريكا قد اعتبرت كوبا منذ 1962 “دولة راعية للإرهاب” واتهمتها بحماية متمردين كولومبيين ومناضلين من الباسك وأميركيين هاربين، وقد أمر أوباما بمراجعة هذه التسمية على أن يتم رفع تقرير بذلك خلال ستة أشهر.

نتائج التقارب الأمريكي الكوبي

الرئيس الكوبي راؤول كاسترو

يعتمد عدد كبير من الكوبيين على المال الذي يرسله أقاربهم المقيمون في الولايات المتحدة، ولكن هذه التحويلات كانت محددة، في الماضي، ب500 دولار فقط كل ثلاثة أشهر، ولكن السياسة الجديدة سترفع قيمة المبالغ المسموح بتحويلها أربع مرات إلى ألفي دولار كل ثلاثة أشهر.

إضافة إلى زيادة الصادرات والواردات الأميركية، حيث ستتمكن الشركات الأميركية الآن من بيع كوبا بضائع تشمل معدات لبناء المساكن الخاصة، ومستلزمات المزارع، وبضائع يحتاجها المقاولون.

وسيسمح للمواطنين الأميركيين المسافرين إلى كوبا بجلب بضائع معهم تصل قيمتها إلى 400 دولار بما في ذلك 100 دولار من منتجات التبغ والكحول بما فيها السيجار الكوبي.

إلى جانب أنه كان يفترض تسديد مسبق لثمن المنتجات الزراعية المصدرة إلى كوبا والمسموح بها بطريقة محدودة لأكثر من عشر سنوات، لم يعد من الضروري تسديد الثمن قبل “نقل الملكية” مما يتيح المزيد من الليونة في مجال التجارة المسموح بها مع كوبا.

ويرى الخبراء أن تخفيف الحصار الأميركي المفروض منذ أكثر من نصف قرن على كوبا سيؤدي إلى آثار إيجابية على اقتصادها المتهالك، حيث أوضح المحلل الاقتصادي “بافيل فيدال” نقلا عن موقع “عربي 21″، أن الإجراءات الاقتصادية لن تؤدي إلى ارتفاع كبير مفاجئ للتجارة مع الولايات المتحدة وتدفق متزايد من السياح فحسب، بل سترسل، أيضا، مؤشرات إيجابية جدا إلى المجتمع الدولي حول مستقبل الجزيرة الاقتصادي، على حد قوله.

ويتوقع فيدال “أن يشهد الاقتصاد آثارًا إيجابية على المدى المتوسط، لكن كذلك على المدى القصير مع زيادة عدد السياح والاستثمارات، وهذا سيعود بالنفع على الشركات الكبرى والقطاع الخاص الناشئ على مستوى صغير” وهي بحسبه قطاعات تعاني بشدة من عجز بنيوي في الاستثمارات.

وكان النظام الشيوعي الكوبي، قد أطلقت في السنوات الأخيرة، سلسلة إصلاحات لتحفيز الشركات التجارية الخاصة الصغرى، التي تشمل حاليًا حوالي نصف مليون كوبي، ومنحت السلطات 140 ألف مزارع أراضيَ مستثمرة بالانتفاع، يضاف إليهم 100 ألف مالك صغير.

واعتبر الخبير أن هذه الإجراءات الجديدة تأتي في مرحلة مثالية لبدء السياسة الجديدة الداعمة للاستثمار الخارجي وللمنطقة الخاصة لتنمية “ميناء مارييل”، والتي تبعث الأمل في زيادة نمو إجمالي الناتج الداخلي الكوبي.

إرهاصات التقارب

الإعلان عن التقارب بين البلدين تم بعد أن توصلا إلى اتفاق لمبادلة سجناء تم بفضله الإفراج عن الأميركي الستيني “آلان غروس”، مقابل الإفراج عن ثلاثة كوبيين أدينوا بالتجسس ضد الولايات المتحدة الأمريكية.

وكان المفرج عنه “غروس” والمتعاقد مع وكالة المعونة الأميركية، قد أوقف عام 2009 في كوبا وحكم عليه بالسجن 15 عامًا لأنه أدخل معدات للاتصال عبر القمر الاصطناعي، ممنوعة في كوبا.

تم الإعلان عن إعادة العلاقات بين البلدين وتخفيف الحظر الاقتصادي وتبادل السجناء وإعادة فتح السفارات خلال خطابين متزامنين للرئيسين الأمريكي والكوبي تم بثهما عبر التليفزيون.

معارضو التقارب الأمريكي الكوبي

مجرد ما تم الإعلان عن التقارب بين البلدين، حتى سارعت دول عدة بالترحيب به، وأخرى بانتقاده، لاسيما بعض البرلمانيين وبخاصة الجمهوريين الذين أيدوا إبقاء كوبا تحت العزلة الأمريكية، متوعدين في الوقت نفسه بالتصدي لرفع الحظر عنها من خلال الكونجرس الذي يسيطر عليه الحزب الجمهوري.

بل إن الأمر بلغ ببعضهم إلى وصف مبادرة أوباما بأنها “ساذجة”، وتعد استكمالاً لسلسلة طويلة من التنازلات المتهورة لدكتاتورية تتعامل بوحشية مع الشعب الأمريكي”، حتى أن ذلك سيشجع كل البلدان المؤيدة للإرهاب”، إلى جانب تهديد البعض منهم أنه لن يرفع الحظر عن كوبا، وستستخدم كل الوسائل المتاحة للتصدي لذلك.

في المقابل فإن البعض رأى الإعلان أنه “تصحيح تاريخي، وتطبيع العلاقات يرمز إلى “انتصار الأخلاق والقيم”، وأنه يعد امتدادًا لسياسة إدارة أوباما التي تسعى إلى تصفير مشاكلها العالقة خاصة بعض الأمريكية في الشرق الأوسط.


عرض التعليقات
تحميل المزيد