ربما لا يوجد حديث اليوم سوى ما يثيره الإعلامي إسلام بحيري عبر برنامجه من قضايا في الدين ومكوناته وعلومه، لكن هل هذه الأسئلة طرحت من قبل؟ وهل هناك معارك فكرية وثقافية سابقة على هذه المعركة؟ هذا التقرير سيجيب عن هذه الأسئلة من خلال طرحه لبعض أبرز النماذج لمعارك فكرية، اختلفت من حيث قوتها وضعفها بالطبع لكنها تظل شاهدًا على العديد من النتائج؛ فمعارك فكرية في زمنٍ سابق ربما كانت أكثر علميةً وأهميةً من تلك المثارة حاليًا.

 

1- علي عبد الرازق وإشكالية الخلافة والدولة المدنية

“وإذا كان صحيحًا أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام قد أمرنا أن نطيع إمامًا بايعناه، فقد أمرنا إلهه تعالى كذلك أن نفي بعهدنا لمشرك عاهدناه، وأن نستقيم له ما استقام لنا، فما كان ذلك دليلًا على أنّ الله تعالى رضي الشرك، ولا كان أمره تعالى بالوفاء للمشركين مستلزمًا لإقرارهم على شركهم” * من الكتاب.

كان الأمر غريبًا حينها أن يصدر مثل هذا الكتاب “الإسلام وأصول الحكم” من عالم أزهري، وقاضٍ بمحكمة المنصورة الشرعية إضافةً إلى كونه كان وزيرًا للأوقاف كذلك وأخا شيخ الأزهر – فيما بعد – الشيخ مصطفى عبد الرازق. وربما لم تنفجر معركة فكرية وسياسية وعلمية بقدر ما فجرها هذا الكتاب. ففي الكتاب هدم الشيخ علي عبدالرازق تاريخًا كاملًا من الفقه “السياسي” الذي اعتبر الخلافة نظامًا على منهاج النبوة، فبعد وفاة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – كان الخلفاء الراشدون الأربعة على منهاج النبي.

مثل المشروع ضربة لمشروع الملك فؤاد

 

ما يطرحه الشيخ علي في كتابه أنَّ النبي لم تكن له سوى سلطة روحية على أتباعه، بينما الخلافة لها سلطة مادية من حيث كونها تسير شؤون البلاد والعباد ولا شأن لها بأية سلطة روحية، بالتالي اعتبارها نظامًا دينيًا هو خطأ محض. ولم يحاول الرسول تأسيس أية مؤسسات في المدينة، وإنما كان يديرها بأسلوب بسيط أقرب إلى طريقة معيشتهم في زمان قديم، أما الآن فإنّ المسلمين لا يجب عليهم أن يعتبروا هذا النظام “الخلافة” نظامًا مفروضًا بشكل ديني.

لا شيء في الدين يمنع المسلمين من أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلها، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلّوا له واستكانوا إليه، وأن يبنوا قواعد ملكهم ونظام حكوماتهم على أحدث ما أنتجت العقول البشرية، وأمتن ما دلّت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم.

الظروف المحيطة بتأليف الكتاب كانت سببًا في المعارك التي قامت عليه. فقد ظهر الكتاب عام 1925 بعد إلغاء الخلافة العثمانية بعامٍ واحد. كان الملك فؤاد الأول يحاول تكريس نفسه كخليفة بديل، فجاء هذا الكتاب كمطرقة حديدية تهدم البنيان عليه، خصوصًا أنه جاء من شيخ أزهري. انهالت عرائض لمجلس الوزراء وشيخ الأزهر لمصادرة الكتاب والقيام بـ “تأديب” الشيخ علي. بعض الوفود ذهبت للملك في قصره ليقوم باتخاذ موقف من المؤلف. كذلك فقد رد عليه العديد من المشايخ الأزاهرة والفقهاء، مثل الشيخ محمد الخضر حسين، في كتابه “نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم“.

في النهاية انعقدت “محاكمة” للشيخ من قبل هيئة كبار العلماء، وانتهت بفصله من الهيئة العامة لكبار العلماء، علق الشيخ بأن الحكم باطل ومخالف للدستور لكنَّ قوة مخالفيه كانت أقوى. ولم يسعفه وقوف بعض المثقفين والكتاب في صَفِّه، كعباس العقاد. بعض الباحثين – الدكتور محمد عمارة – يتنبى رأيًا أنَّ الشيخ علي عبدالرازق قد تراجع عن رأيه في نهاية حياته.

2- طه حسين والشعر الجاهلي

“هذا نحو من البحث عن تاريخ الشعر العربي جديد، لم يألفه الناس عندنا من قبل. وأكاد أثق بأن فريقا منهم سيلقونه ساخطين عليه، وبأن فريقًا آخر سيزورون عنه ازورارًا” * من مقدمة الكتاب.

في الشعر الجاهلي، اسم كتاب نشر بعد معركة الشيخ علي عبد الرازق بسنة واحدة، عام 1926. وبعيدًا عن المعارك الثقافية والفكرية العديدة التي خاضها الدكتور طه حسين، الملقب بعميد الأدب العربي؛ كانت معركته هذه هي الأشرس والأقوى، فقد انبرت الأقلام كعادتها للردّ عليه، وليس هذا فحسب بل انبرت كذلك بعض الشخصيات لرفع دعوى قضائية على الدكتور طه حسين باعتبار أن كتابه يعتبر “إهانة” للإسلام. لكنَّ القاضي محمد نور حكم ببراءة العميد طه حسين في القضية باعتبار أن رأيه رأي أكاديمي لأستاذ في الجامعة، ولا يمكن اتخاذ أي إجراء قانوني ضده لعدم توافر القصد الجنائي.

الرئيس عبد الناصر يكرم الدكتور طه حسين

 

يبحث الكتاب حول مدى حقيقة وجود الشعر الجاهلي بالفعل، يطبق فيه الدكتور طه حسين المنهج الديكارتي ليخرج بنتائج متشككة حول وجود هؤلاء الشعراء، ويذهب إلى كون المسلمين قد كتبوا هذا الشعر فيما بعد ظهور الإسلام، لذلك لا تظهر في أشعار الجاهليين اختلافات اللغة ولا أي وجود لعقيدة دينية كما يثبت التاريخ وجود هذه العقيدة الدينية المتوقدة. تناول الكتابَ الكثيرُ من المفكرين والأدباء وعلماء الأزهر بالردّ والغربلة كما تناولوا كتاب الشيخ علي عبدالرازق منذ سنة سابقة فقط.

“إنه رجل جريء العقل مفطور على المناجزة والتحدي فاستطاع بذلك نقل الحراك الثقافي بين القديم، والحديث من دائرته الضيقة التي كان عليها إلى مستوى أوسع وأرحب بكثير. *عباس العقاد متحدثًا عن الدكتور طه حسين.

 

3- نجيب محفوظ وأولاد حارتنا ومحاولة الاغتيال الفاشلة!

“إنَّ في أعماق قلبي وروحي إيمانًا بالله لم تنتزعه مني دراستي للفلسفة ولا تفكيري المتصل في مشاكل الإنسان والمجتمع والكون” *من حوار رجاء النقاش معه.

ربما كانت هذه المرة الأولى التي تحدث في مصر، أن يتم اغتيال أديب، الاغتيال الذي حدث عام 1994 بطعنات في الرقبة أفقدت محفوظ قدرته على الكتابة بعد ذلك. وعندما سئل الشاب الذي طعنه إن كان نادمًا على محاولة الاغتيال، فأجاب بالنفي وأن الزمن لو عاد لحاول اغتياله كذلك. كان حادث الاغتيال بسبب فتوى للشيخ عمر عبدالرحمن بردّة نجيب محفوظ عن الإسلام بسبب روايته أولاد حارتنا.

 

بعد ثورة يوليو 1952 توقف محفوظ عن الكتابة لعدة سنوات، ربما كي يستوعب التغيرات التي حدثت باعتبار أدبه في تلك الفترة كان أدبًا واقعيًا، وربما هناك أسباب أخرى غير معروفة. المهم هنا أن عودته كانت عودة عارمة، برواية خلقت معركة فكرية وسياسية كبيرة.

أولاد حارتنا؛ بدأها محفوظ بعد توقفه المصاحب لثورة يوليو، نشرت فصولها على صفحات جريدة الأهرام قبل أن تثير ضجة واسعة وعارمة، حين بدأ الأزهر هجومه على رواية نجيب محفوظ وطالب الأزهر بوقف نشر الرواية ولم يحاول محفوظ بعد ذلك نشرها دون موافقة الأزهر، فقد كان يصر على أنه لا يقصد بها أي مساس بالذات الإلهية وإنما هي نوع من الأدب فقط. البعض يرى أن هذه الرواية انتقدت أصلًا نظام يوليو لأنه كان ديكتاتوريًا وليس لها أية علاقة بالذات الإلهية، المفكر الإسلامي محمد سليم العوا يتبنى هذا الرأي في تقديمه للرواية.

عندما أعيد نشر الرواية التي أثارت هذه الضجة، كانت الجماعات الإسلامية في أوج صعودها، فاغتال شابٌ نجيب محفوظ، لكن المحاولة كانت فاشلة. محفوظ قال أنه غير ناقم على الشاب الذي حاول اغتياله. الجدير بالذكر أن البعض ألف كتبًا في الرد على الرواية مثل المؤرخ محمد جلال كشك.

اقرأ: في ذكرى وفاته.. نجيب محفوظ أكثر من ستين عامًا من الكتابة!

4- نصر حامد أبو زيد يدفع ثمن رأيه غاليًا جدًا!

كان والده يعده ليكون شيخًا أزهريًا لكنَّ وفاته حالت دون ذلك، فقد كان على نصر أبو زيد أن يعول أسرته. رحلته في الحياة جديرة بالتأمل فقد حصل على شهادة معهد فني وأصبح فنيَّ لاسلكي بالهيئة المصرية العامة للاتصالات، لكنه أصبح بعد ذلك أستاذًا بكلية الآداب بجامعة القاهرة.

تقوم أطروحة أبو زيد بالأساس في التعامل مع القرآن الكريم كنصّ، في محاولة منه لقراءته من خلال التأويل وفلسفته. كانت التجربة القاسية التي مرّ بها نصر حين قدم بحثًا بعنوان “نقد الخطاب الديني” للحصول على درجة الأستاذية بالجامعة إلا أن اللجنة المحكمة اتهمته بالردة. كان حامل لواء الهجوم على نصر أبو زيد الدكتور عبد الصبور شاهين.

 

لم يكن في القانون المصري ما يقر بقتل المرتد فلجأ أعداؤه إلى حيلة أخرى وهي محاولة التفريق بينه وبين زوجته من خلال قانون الأحوال الشخصية! وقد حكمت المحكمة بالفعل بالتفريق بينه وبين زوجته الأستاذة ابتهال يونس. لكنَّ أبو زيد وزوجته اختارا المنفى الاختياري في هولندا. قبل وفاة أبو زيد بأسبوعين عاد ودفن في مصر. الجدير بالذكر أن نصر أبو زيد كان يصر أنه مسلم ولا يحاول أن يتلاعب بالدين وإنما يحاول أن يقدم نظرية علمية للتعاطي مع النص الديني.

5- فرج فودة: معركة فكرية أودت بحياته

كانت هذه المعركة الفكرية أيضًا ثمنها غالٍ، فقد كلف حياة أحد أطرافها وهو خارج من مكتبه وقبيل عيد الأضحى بعدة أيام اخترقت رصاصات الرشاش الآلي جسده، محاولات الأطباء باءت بالفشل ليغادر الدنيا بعد وصوله للمستشفى بستّ ساعات فقط. كان سبب القتل فتوى من الشيخ عمر عبد الرحمن أيضًا الذي أفتى سابقًا بردة نجيب محفوظ، فقد أفتى الآن بردة فرج فودة كذلك عن الإسلام. قتله أحد المنتمين للجماعة الإسلامية، وحين سئل قال أنه لم يقرأ كتابًا واحدًا من كتبه.

المعركة كانت حول جدلية الدولة في الإسلام، وما علاقة الإسلام كدين بالدولة. بالطبع كان “الإسلاميون” يعتقدون أن الدولة جزء لا يتجزأ من الدين، بينما أصر فرج فودة على العكس وأن الدين دين في “عليائه” على حد تعبيره، ولا يجوز تنزيله على خصومات سياسية دنيوية.

اقرأ أيضًا: في ذكرى اغتيال فرج فودة: لم يكن وحيدًا

6- وليمة لأعشاب البحر: نشيد الموت

“إنها لمسألة غير تافهة أن تسأل: في عالم اللامنطق وانعدام القانون. في العالم المحكوم بالطغيان وسطوة الآلهة والقتل وميراث الأجداد المنقرضين. عالم النزوة والمزاج والفردية كيف تفكر وتتحرك.كيف تتقدم. بل كيف تتشكل؟

ما هو المنتظر من رواية تتناول الحياة من منظور شخصين عربيين عراقي وجزائرية. ترك الأول بلده هربًا من نظام صدام ليجد صديقته القديمة تعيش أزمة انحسار الثورة والمشاريع القومية الكبرى؟ لا بدّ إذن أن يكون سؤال الإله أحد الأسئلة المطروحة داخل الرواية التي كتبها حيدر حيدر الكاتب السوري عام 1983. قوبلت الرواية بالمنع والاتهام بالعداء للإسلام. المفارقة هي هي ولم تتغير. فالرافضون للرواية يعتبرونها تسب الإسلام ورسوله بينما يدافع كاتب الرواية وأنصاره أنها إنما تدفع للإيمان ولكن بطريقة أخرى غير جامدة.

وزارة الثقافة المصرية كانت قد قامت بنشر الرواية، لكنَّ هجوم إسلاميين عليها كان سببًا في منعها. تطور الأمر من مجرد الهجوم على الرواية في صفحات الجرائد إلى وقفات احتجاجية من طلبة جامعة الأزهر يطالبون فيها بمنع الرواية، وهو ما حدث بالفعل. كانت الرواية أحد أبرز المعارك الفكرية التي حدثت في مصر فقد أصيب عدد من الطلبة في تلك المظاهرات.

7- إسلام بحيري وإبراهيم عيسى

ربما ليس هناك حديث ثقافي فكري يهم الجميع الآن مثل الإعلامي إسلام بحيري وما يثيره من “شبهات” حول بعض الثوابت الإسلامية المرتبطة بكتابي صحيح البخاري وصحيح مسلم، وبعض الأحكام الفقهية الإسلامية مثل حد الردة وغيرها والتي ينكرها إسلام. يعتبر إسلام أنَّ ما يقدمه يقوم على أساس علمي رصين بينما يعتبره أتباعه مجرد “إعلامي” يقوم بترويج كلام قاله مستشرقون منذ أكثر من مائتي عام وتمَّ الرد على جميع هذه الشبهات وما أثير حولها منذ زمن بعيد، وما يفعله إسلام ليس سوى تكرار لنفس الكلام القديم.

كلام بحيري عن البخاري

تطوَّر الأمر مؤخرًا بعد مطالبة الأزهر الشريف بمنع برنامجه، لكنَّ الأمر اتخذ منحى آخر بمناظرة أحد المشايخ الأزهريين الشبان لبحيري. لإسلام مناظرات سابقة ظهر فيها بمظهر المنتصر، ربما بسبب هيئته الإعلامية القوية، إضافة إلى ضعف خصومه، وهو ما يؤكده بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي.

لم يكن إسلام هو الوحيد في هذا الهجوم المتكرر على البخاري وغيره وإنما كان الصحفي إبراهيم عيسى أيضًا في أكثر من موضع أحد المهاجمين، شاهد الفيديو:

https://www.youtube.com/watch?v=yOYvqoue_O8

بنظرة سريعة؛ لا تبدو المعارك الثقافية الحالية بقوة المعارك الفكرية والثقافية التي شهدتها مصر خلال القرن الماضي، لا من حيث المضمون ولا من حيث تقديمها جديدًا فكريًا، فكلام الشيخ علي عبدالرازق مثلًا ربما كرس لتيار جديد أكمله بعده من أكمله، والدكتور طه حسين جاء باجتهاد علمي جديد له ما له وعليه ما عليه وكذلك غيرهما مما سبق ذكره في التقرير، لكنَّ المعركة الثقافية الفكرية الحالية ربما لم تقدِّم جديدًا، ولم تخرج من قبل علماء كالشيخ علي عبد الرازق وطه حسين.

عرض التعليقات
تحميل المزيد