التنوع الثقافي والاختلاف الحضاري حقيقة ملموسة في حاضر البشرية وتاريخها، فالجنس البشري ينقسم إلى ثقافات مختلفة وربما متعارضة؛ بسبب تنوع اللغات، والأديان، والعادات، والفنون، وحتى المفاهيم الاجتماعية والسياسية.

يعد هذا هو مفهوم الثقافة، بما تشمله من معتقد وفكر وقيم وأعراف وتقاليد ورموز وأحكام مسبقة ومحددات عاطفية، تحكم سلوك الإنسان وتطبع تعامله مع غيره، وطرق تعبيره المختلفة.

غير أن هذا التنوع الثقافي والاختلاف الحضاري ربما كان سببًا في اندلاع حروبٍ راح فيها ملايين الضحايا؛ حين تُغَلّف الثقافة بغلافٍ من التعصب، مثلما حدث في الحروب الصليبية وأخواتها.

في أحيان أخرى، يكون ذاك التعدد الثقافي سببا للتنوع والثراء المعرفي ووسيلة للارتقاء العلمي والسمو الأخلاقي والإنساني؛ وذلك حين يتغلب العقل والإنصاف، وحينها يسود التعارف والحوار والتآلف بين الشعوب والحضارات.

هل يقف تعدد الثقافات عائقا أمام وحدة البشرية؟

المعلوم أن الإنسان يولد وحده ويموت وحده، لكنه لا يستطيع أن يعيش وحيدًا، ولا بد له من التعامل مع «الآخر». وسواء اتفقت مع الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر على أن «الجحيم هو الغير»، أو تماشيت مع الأديب الألماني يوهان جوته بأنه: «لا يوجد عقاب أقسى على المرء من العيش وحده، حتى لو في الجنة»، فالمؤكد أن حياة الفرد دون التفاعل مع مجتمع تبدو غير ممكنة.

فلسفة

منذ سنة واحدة
«فورين أفيرز»: كيف وصف ماكس فيبر مشكلات الساسة الحالية منذ 100 عام؟

سواء كان هذا «الغير» هو الخصم أو الصديق، فإن الإنسان في الحالتين لا يستطيع العيش بدونه، ولا يملك إلا أن يحدد موقفه تجاه كل منهما، ومن ثم فإن ثقافة الكراهية والخصومة لا تنبع من حقيقة الاختلاف مع الآخر؛ لأن الاختلاف نفسه قد يكون سببًا في منح الحياة ثراء وتعددًا.

بل تنشأ الكراهية ومن ثم الصراع من طريقة التعرف على الاختلاف ونوعية التعامل معه، والتي تجعل من «المختلف معه» صديقًا أو عدوًا.

هل يقف تعدد الثقافات عائقا أمام وحدة البشرية؟ سؤال طُرِح على طلاب قسم الفلسفة في إحدى المدارس الفرنسية، حاولت صحيفة لوموند الإجابة عليه على لسان مدرس الفلسفة باتريك جرنسيا، الذي أشار إلى أن هذا السؤال مطروح من قديم الزمان، منذ أن استبعد الإغريق من لم ينتسب إليهم من وصف الإنسان، حتى تساءل مونتسكيو: «كيف يمكن لإنسان أن يكون فارسيًا؟».

وما زال هذا السؤال يجدد طرح نفسه حتى اليوم، الذي يتحدث فيه البعض عن «صدام الحضارات» وخاصة الحديث عن تصاعد موجات الهجرة أو النزاعات السياسية الدينية. وإذا كان التنوع والانقسام بين البشر أمرًا واضحًا للعيان، فما الذي يمكن أن يضمن الوحدة، بالرغم من الاختلافات الثقافية والحضارية؟ ومتى يكون التنوع الثقافي والاختلاف الحضاري سببًا في الصراعات والحروب، ومتى يكون وسيلة للارتقاء العلمي والسمو الأخلاقي والإنساني؟

كلمة السر: الحوار واحترام الخصوصيات الثقافية  

الدور المتوقع والطبيعي للثقافة أن تكون دافعًا للتنمية والنهضة والتقدم في الحضارات المختلفة، عبر نشر العلم والمعرفة، حتى وإن اختلفت المنطلقات وتنوعت اتجاهات هذه الثقافة. غير أنه لا يمكن أن يكون هناك تعاون ولا تكامل بين الحضارات دون احترام للخصوصيات الثقافية في تنوعها، اعتبارًا لما لهذه الخصوصيات من صلة وثيقة بالتوازن والاستقرار النفسي للهويات المختلفة، وبالنهوض والتنمية.

مثال على ذلك ما حققته ماليزيا من قفزة اقتصادية بين السبعينات والتسعينات؛ لتصبح من بين أسرع الاقتصادات نموًا في العالم، وهي الدولة التي تضم 62% من الملايو وجماعات مختلفة من السكان الأصليين، و30% من الصينيين، و8% من الهنود.

هذا التعاون وذاك التكامل ليس يسيرًا، ويبدو في بعض الأحيان أنه عملية معقدة، خاصة عندما يتخوف البعض من أن يكون هدف التبادل الثقافي هو التخلص من الموروث والقضاء على الهوية والاندماج في عملية العولمة وتغير المجتمع وسلخه عن ماضيه وحضارته.

الشرط المطلوب لكي يكون التنوع الثقافي سببًا من أسباب التنمية وثراء الحياة البشرية، هو فتح آليات للحوار والتلاقي والتعرف على الآخر وعلى وجهات نظرهم واحترامها، والابتعاد عن التعصب الأعمى وكراهية الآخر.

فإذا تحققت تلك الشروط فسوف يصبح التنوع الثقافي من الأسباب الأساسية للتنمية الشاملة المستدامة، وإذا غابت فسيكون سببًا في الصراعات والحروب كما حدث على فترات بطول التاريخ وعرض الجغرافيا.

Embed from Getty Images

حين تحض الثقافة على الصراع

كما أن الثقافة تكون عاملًا دافعًا لتحقيق التنمية والتقدم، فإنها قد تكون في نفس الوقت جزءًا أساسيًا من الصراع والنزاعات. فعلى سبيل المثال خرج فرانسيس فوكوياما، المفكر الأمريكي، في تسعينات القرن الماضي، ليعلن على العالم بأن الرأسمالية هي «نهاية التاريخ»، كما أن النسق الليبرالي بهويته الأمريكية تحديدًا هو أقصى ما كان يتمناه الإنسان ويشتهيه منذ قديم الزمان، ودعا لفرضه على باقي الأمم والشعوب.

بذلك لم يختلف طرح فوكوياما كثيرًا عن طرح الشمولية الديكتاتورية، وأعلن بذلك فتح الباب أمام حقبة جديدة من الصراع بين الثقافات والحضارات المختلفة.

ولتفسير علاقة الثقافة بالصراع الحضاري، سيكون مفيدًا استدعاء التعريف الذي اعتمده الرئيس البوسني الراحل علي عزت بيجوفيتش في كتابه «الإسلام بين الشرق والغرب» لمفهومي الثقافة والحضارة، إذ سنجده تعريفًا وجيهًا في فهم تعامل الدول مع بعضها البعض في هذا المجال، ومتى يقع الصراع ومتى يحدث التعاون والتعايش.

«سلسة من القصص الحقيقية لشعوب متحضرة شنت حروبًا ظالمة، استئصالية واستعبادية على شعوب متخلفة أقل تعليمًا».

يرى علي عزت بيجوفيتش أن الثقافة والحضارة يعبر كل منهما عن عالم قائم بذاته؛ فكلمة ثقافة «culture» تتصل من ناحية الأصل اللغوي بـ«culte» وهي العبادة؛ أما كلمة حضارة «civilisation» فتتصل بكلمة «civis» بمعنى وطن أو موطن.

حامل الثقافة هو الإنسان بصفته الفردية، أما حامل الحضارة فهو المجتمع؛ وهدف الثقافة هو اكتساب القوة للتحكم في النفس من خلال العلم، أما هدف الحضارة فهو اكتساب القوة للتحكم في الطبيعة من خلال العلم.

وبذلك تعيش الشعوب والدول تجاذبًا دائمًا بين نوازع الثقافة على مستوى الفرد واندفاعات الحضارة على مستوى الدول. وغالبًا ما ينزع الاندفاع الحضاري إلى الهيمنة والعدوان والسطو على ممتلكات الآخر حتى يتمكن من تحقيق مزيد من الإنتاج والاستهلاك.

كان تاريخ الإمبريالية كما يقول علي عزت بيجوفيتش: «سلسة من القصص الحقيقية لشعوب متحضرة شنت حروبًا ظالمة، استئصالية واستعبادية على شعوب متخلفة أقل تعليما، لم يكن لها من ذنب، إلا أنها تدافع عن نفسها وحريتها. إن المستوى التعليمي الراقي للغزاة؛ لم يؤثر على الأهداف أو الأساليب، لقد ساعد فقط على كفاءة الغزاة وفرض الهزيمة على غيرهم».

لذلك كان أول ما تستهدفه الإمبراطوريات لبسط هيمنتها على الشعوب المستهدفة هو تحطيم بنيتها الثقافية لتفقد هذه الأخيرة عوامل توازنها، ويسهل بالتالي على الغازي أن يفعل بها ما يشاء، من فرض ثقافته ولغته، وربما دينه على شعبها؛ لكي يسهل التحكم فيه.

 مبررات العنف في الحضارة الغربية

هذا المعنى يؤكده الكاتب الفرنسي كريستيان دوبري، المعروف بقسوته في اتهام الغرب باستغلال مدنيته وتقدمه العلمي لفرض نموذجه الثقافي والسياسي والاقتصادي على باقي دول العالم، قائلًا: «إن الحضارة الغربية لم تبن هيمنتها العالمية منذ فجر القرن 16 إلى يومنا هذا، إلا على جبال من المذابح والجرائم ضد الإنسانية، اتسمت بوحشية لم يسبق لها مثيل في التاريخ، من حيث حجمها ومدتها».

«في كل مكان آخر نشبت أكثر من 100 حرب، وكان الغربيون في الغالب المحرضون عليها والفاعلون فيها دون أن تطاولهم آثارها».

ومن خلال قراءاته للتاريخ يؤكد دوبري أنه: «خلال الألف سنة الأخيرة لم تكن على الأرض سنة سلام واحدة، وإنما آلاف النزاعات، من الاجتياحات إلى الاحتلالات، والحروب القبلية، واللاتينية، والحروب الاتحادية، والسلطوية، والقومية، والاستعمارية، والإمبريالية، والحروب الأهلية، والدينية، والعامية، والميليشيوية، وحروب التحرير، والانتفاضات، والثورات، والغزو، والقرصنة.. والغالبية العظمى من حوالى 40 مليار إنسان عاشوا خلال هذه الألفية قد عانوا خلال حياتهم القصيرة حربًا واحدة على الأقل».

ويضيف أنه «لا ينبغي لأحد أن ينخدع بما تتمتع به أوروبا الغربية، وأمريكا الشمالية، حيث يعيش عشر سكان العالم فقط، من رفاه وسلام مؤقت، ففي الوقت نفسه، وفي كل مكان آخر نشبت أكثر من 100 حرب، وكان الغربيون في الغالب المحرضين عليها، والفاعلين فيها دون أن تطاولهم آثارها».

وللغرب شغف واضح باستغلال الثقافة والعلم واستخدامهما في طريق تكريس الهيمنة الغربية عبر توجيه البحث العلمي في الميدان الفيزيائي، والكيميائي، والبيولوجي، إلى إنتاج سلاح الدمار الشامل، الشيء الذي قد لا نجده عند ثقافات أخرى أميل إلى التعايش مع الآخرين.

انتقاد دوبري للواقع الأوروبي، ربما يعادله ما كتبه السياسي والمفكر الأمريكي باتريك بوكانان، في كتابه المعنون «موت الغرب»، ووجه الخطورة هنا أنه لا يتحدث عن موت بيولوجي، بقدر كلامه عن الموت الأخلاقي والديمغرافي.

Embed from Getty Images

الحروب الصليبية والتعصب الأعمى

قديمًا كان للحروب الصليبية أثر دام في الصراع الفكري والثقافي والديني راح ضحيته ملايين الأبرياء، وكان منطلقها دينيًا بحتًا بعدما صرخ القس أوربان الثاني في سنة 1095 معلنًا حربه الصليبية عبر مبررات ممتلئة بالعصبية الدينية ومستغلة جهل الأتباع، فمثلًا، كانت إحدى مقولات أوربان لتثوير الصليبيين: «فليثر همتكم ضريح المسيح المقدس ربنا ومنقذنا، الضريح الذي تمتلكه الآن «أمم نجسة»، وكان يصرخ في أتباعه زاعمًا: «المسلمون جنس لعين، وأمم نجسة، وجنس خبيث».

وثمة عنصر يتجلى بشكل واضح في هذه الشعارات وهو «تفاهة وسطحية وكذب» المبررات للجوء إلى القوة والنفوذ والاعتداء على حقوق الآخرين. وهو ما يفعله كل صاحب ثقافة وفكرة حين يتعصب لها حد العمى.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
مترجم: كان الأمر لغزًا لقرون.. كيف مات صلاح الدين الأيوبي؟

وبذلك تحتوي أهداف ومنطلقات الحروب الصليبية علي تناقض مركب ديني وثقافي وسياسي واقتصادي، إذ إنها تنطلق باسم الصليب نحو أرض الهلال على المستوى الديني والثقافي، كما أنها تتضمن بالأساس أهدافا سياسية واقتصادية من قبيل السيطرة والتحكم الطمع في الموارد العربية، وخاصة في القدس التي ذاع عنها أنها الأرض التي تفيض عسلًا ولبنًا، فضلًا عن كونها الأرض المقدسة.

العجيب هنا أن الغرب ما زال لا يتردد في استدعاء تلك الشعارات وذلك التناقض في الأهداف، ولكن الجديد هو تغليفها بمعان أخلاقية وإنسانية ومبررات ثقافية وحضارية لتبرير غزوه وممارساته العدوانية؛ فلقد تحدث الغرب خلال فترة احتلاله دولا أفريقية وآسيوية عن «رسالة الرجل الأبيض» ومهمته المقدسة في «تحضير» الشعوب المتخلفة، مثل ما يتحدث اليوم عن نقل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ونشرها بين الشعوب، وهي شعارات يفضحها أول اختبار لسياسات العواصم الغربية.

مخاطر غياب التنوع الثقافي 

هناك مخاطر عديدة لعدم احترام التنوع الثقافي، أهم هذه المخاطر يتمثل في حرمان البشرية من إمكانية التعاون بين مختلف الثقافات على إيجاد الحلول الفاعلة للمعضلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والبيئية وحتى العلمية، و«لن يصير العلم عالميا» كما يقول إيليا بريكوجين، الحائز على جائزة نوبل للكيمياء 1977: «إلا عندما يصير قادرًا على التحاور مع شعوب جميع الثقافات واحترام تساؤلاتهم».

وما أسهل دخول العالم في دوامة من العنف والاقتتال كأبسط رد فعل على العدوان الثقافي على الأمم ومحاربة هويتها، وهذا ما حذر منه أستاذ الاجتماع والدراسات المستقبلية المغربي الدكتور المهدي المنجرة، منذ 1986 عندما أعلن بأن الحرب المقبلة ستكون ثقافية إذا لم تعط الأهمية للقيم والحضارات الأخرى.

المصادر

تحميل المزيد