شهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال الأسبوع الحالي جدلًا واسعًا حول منطقة جبانة المماليك – التي عرفت عبر التاريخ باسم صحراء قايتباي – المتواجدة في قلب القاهرة القديمة بمصر؛ إذ ازدحمت تلك المنطقة صباح أمس بالبلدوزرات، استعدادًا لهدم بعض المقابر الواقعة داخل الجبانة، بشواهدها التي يعود تاريخ البعض منها إلى أكثر من أربعة قرون، وذلك من أجل البدء في إنشاء «محور الفردوس»، أحد الطرق الجديدة الذي من المفترض أن يربط ما بين المنطقتين الغربية والشرقية لمحافظة القاهرة.

لم تكن تلك هي الحادثة الوحيدة المتعلقة بالتراث الأثري المصري، إذ أثيرت على منصات التواصل أكثر من قضية خلال السنوات الأخيرة، وسبقها قضايا أخرى تتعلق بقبر المقريزي وقبر ابن خلدون وبعض قضايا الترميمات، وهو الأمر الذي تنفيه بعض التصريحات الرسمية، فما هي القصص الحقيقية وراء تلك الحوادث؟

مقابر القاهرة الأثرية.. حيث يرقد ملوك وأئمة ومفكرون

عام 2011، صدرت ثلاث دراسات بعنوان «العشوائيات الآمنة»، وذلك ضمن فاعليات مشروع يهدف لتطوير العشوائيات المصرية، وجعلها منطقة آمنة للعيش، التابع لمركز «شفافية» بالتعاون مع مبادرة الشراكة الشرق أوسطية (MEPI).

مجتمع

منذ 10 شهور
مترجم: كيف تقضي البيروقراطية على قلب القاهرة التاريخي؟

تناولت الدراسة المناطق التراثية في ضوء مخطط القاهرة 2050، وشملت «قرافة القاهرة التاريخية»، وهي مجموعة من المقابر التي التفت حول القاهرة القديمة على فترات تاريخية متعاقبة منذ الفتح الإسلامي وحتى وقتنا هذا، ومنها جبانة المماليك.

وصفت الدراسة «مقابر القاهرة» بأنها جزء من التراث التاريخي؛ إذ تمتاز أضرحتها بطرازٍ معماري مميز، وكذلك شواهد القبور التي رسمت بالخطوط العربية المميزة.

لكن لم يكن ما يميز تلك المقابر هو الطراز المعماري والخط العربي فقط، بل حوت أيضًا أضرحة الملوك والأئمة، وبعض المؤرخين والمفكرين، الذين كان لهم باع طويل في كتابة التاريخ الإسلامي لهذا البلد. رغم ذلك برزت على الساحة على مر السنوات الفائتة أكثر من قضية تتعلق بهدم جزء من هذا التراث الذي استمر مئات السنين.

ما الذي حدث في جبانة المماليك؟

عمّ الجدل منصات التواصل الاجتماعي خلال هذا الأسبوع بسبب ما أثير حول هدم مقابر تراثية داخل جبانة المماليك، وذلك ضمن خطة إنشاء طريق جديد في القاهرة القديمة.

كان جزء من هذه المقابر لبعض أعلام الدولة المصرية خلال القرن الفائت؛ إذ يقول أدهم نديم أن مدفن جده الأكبر قد تعرض للسحق تحت عجلات البلدوزر، وشغل محمد مصطفى نديم منصب رئيس دار الكتب والمطابع الأميرية، ودفن بجانبه الدكتور أسعد نديم، رئيس قطاع ترميم الآثار الإسلامية، الذي رأس ترميم بيت السحيمي، المعلم الشهير بشارع المعز لدين الله الفاطمي.


صورة نشرها أدهم نديم لهدم مقابر ضمن جبانة المماليك.

على الرغم من ذلك، شهدت تعليقات الزوار على المنشور جدلًا واسعًا؛ إذ قال بعضهم أن الحكومة المصرية قد قامت بالفعل بتبليغ ملاك القبور لنقل الرفات إلى المقابر الجديدة، في حين أشار البعض الآخر إلى أن ما هدم بالفعل هو الأسوار المحيطة بالقبور، دون المساس بالأضرحة والرفات.

يشير مصطفى صادق، أحد رواد مواقع التواصل الاجتماعي، إلى أنه قد ذهب بالفعل إلى جبانة المماليك بنفسه لمعاينة ما حدث، وقد نقل شهادتة كاملة على منصة «فيسبوك»، فأدلى بأسماء بعض القبور التي لم تمس، وأشار إلى أن كل ما هو مسجل بوصفه أثرًا في جبانة المماليك ويحمل رقمًا أثريًا لم يجر المساس به؛ رغم ذلك كانت هناك بعض القبور الهامة التي لم تسجل أثرًا بعد وجرى هدمها أو كانت على وشك الهدم.

يؤكد صادق أن الكثير من المدافن قد هدمت، وأن عيون الدفن كانت مفتوحة في بعضٍ منها، وأن بعضًا منها كان لشخصيات مصرية عامة، مثل مدفن المفكر أحمد لطفي السيد، ومدفن نازلي حليم حفيدة محمد علي باشا؛ هذا إلى جانب بعض مقابر الوجهاء من باشاوات العصر الفائت.

على الجانب الرسمي، جاء رد وزارة الآثار المصرية لينفي ما أثير حول هدم «مقابر أثرية»؛ فيقول عن ذلك الدكتور مصطفى الوزيري، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار: «الجبانة ملكية خاصة وليست مسجلة، وتبعد مسافة كبيرة عن القاهرة القديمة»، كما أشار إلى أن المقابر التي صورت للمشاهد على أنها أثرية من خلال الصور المنتشرة على مواقع التواصل، ليست في الحقيقة كذلك، وقال إن ما يحدث هو هجوم على الدولة المصرية.

رغم نفي وزارة الآثار المصرية، إلا أن صفحة «متصدقش» على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» قد أشارت من خلال المصادر إلى عدم صحة ما ورد في منشورات المسؤولين؛ إذ تقع جبانة المماليك ضمن نطاق «القاهرة التاريخية»؛ وذلك وفقًا للجهاز القومي للتنسيق الحضاري، بل وتقع ضمن نطاق المنطقة (أ)، وهي أحد أهم المناطق؛ إذ تشمل قلعة صلاح الدين الأيوبي التاريخية. وأضافت الصفحة أن الجبانة تحتوي على عدد من المقابر التاريخية المصنفة ذات أهمية كبرى.

في الحقيقة، تشير وزارة الآثار ذاتها إلى أن منطقة «القاهرة التاريخية»، تعد واحدة من أهم المدن التراثية في العالم، نظرًا لثراء تاريخها المعماري وتعدد الآثار والمباني التاريخية المعبر عن جزءًا هامًا من تاريخ مدينة القاهرة، وذلك لكونها شكلت العاصمة السياسية والثقافية لمصر فترة طويلة، هيمنت خلالها تلك المنطقة على الشرق الأوسط وحوض البحر المتوسط، وهو ما يلزم حمايتها والحفاظ عليها.

«قبر المقريزي».. ماذا حدث لرفاته؟

لم تكن حادثة جبانة المماليك أولى الحوادث التي تصيب مقابر القاهرة التاريخية، إذ سبقها حوادث أخرى كان ضحيتها أعلام لها مكانة تاريخية مهمة. لكن لم تستطع أن تصل وسائل التواصل الاجتماعي، التي لم تكن موجودة في ذاك الوقت، إذ تعود إلى نهاية تسعينيات القرن الماضي وبدايات القرن الحالي.

في عام 1999، قررت محافظة القاهرة توسيع الطريق الواصل ما بين منطقتي الدراسة وباب الشعرية؛ وقد كانت تلك التوسعة تعني أن يجرى إزالة «حوش» المقابر الصوفية.

كان هذا الحوش يحوي جثامين أعداد كبيرة من المتصوفة، بعضهم من أعلام الصوفية والفقه والتفسير والحديث، بالإضافة إلى التاريخ؛ وكان أشهرهم، تقي الدين المقريزي، أحد أشهر مؤرخي عصره.

خرجت حينذاك الدراسات الأثرية التي تتضمن إزالة هذه الجزء من «مقابر باب النصر»؛ وقد كان من بين الأصوات التي عارضت تلك الخطوة، الكاتبة الصحفية سناء صليحة، عام 2001، إذ استطاعت أن تصل صوتها ببعض الفنانين والمنظمات الأجنبية، وقد خرج أحد مسؤولي قطاع الآثار الإسلامية لينفي تواجد المقبرة من الأساس في الموضع ذاته، مُشيرًا إلى أن قبر المقريزي يقع في منطقة «مقابر الخلفاء»، وهو ما يتنافى مع ما ورد في كتاب «الخطط التوفيقية» لعلي باشا مبارك.

خرج حينها الدكتور صلاح لمعي، عضو مجلس الآثار الدولي، ليؤكد أن باب النصر لا يضم فقط قبر المقريزي وابن خلدون، بل رفات العديد من الشخصيات التاريخية كان أشهرهم، السلطان برقوق. إلا أن آلات الحفر حينذاك كانت أقوى من الأصوات. إذ هدم حوش المقابر، واختفت رفات المؤرخ الكبير. ليصبح الآن بلا مقبرة.

«مقبرة ابن خلدون» التائهة

لم تكن مقبرة المقريزي هي الضحية الوحيدة لإزالة حوش «المقابر الصوفية»، بل لف الغموض حينذاك أيضًا مقبرة «ابن خلدون»، رائد علم الاجتماع، والتي لا نعرف حتى الآن إلى أين ذهبت.

(تقرير قناة العربية عن مقبرة ابن خلدون)

يشير محمد مندور في كتابه «سيمفونية البشر والحجر»، إلى أن نقل مقابر باب النصر منذ سنوات، أدى إلى تدمير مقبرة العلامة ابن خلدون والمؤرخ المقريزي. وهو ما أكده تقرير «قناة العربية»، من احتمالية تدمير مقبرة ابن خلدون إبان إزالة «حوش الصوفية» أوائل الألفينات.

قدم الروائي يوسف القعيد، طلب إحاطة إلى مجلس النواب عام 2017، من أجل تحديد موقع مقبرة ابن خلدون. وجاء رد وزارة الآثار عن هذا الطلب، بتقرير من 30 صفحة، عن الأماكن التي من المحتمل وجود القبر فيها. وحتى الآن يعد قبر عبد الرحمن بن خلدون تائهًا بين هذه القبور.

ليست القبور فقط.. جدل متزايد حول إهمال التراث في السنوات الأخيرة

لم تكن قصية هدم جبانة المماليك ذات القيمة التراثية هي الوحيدة التي برزت على ساحة «السوشيال ميديا» في السنوات الأخيرة، بل امتد الأمر ليشمل أعمال ترميم الآثار ونقلها في مصر، واتهامها بالتشويه والتخريب أثناء عمليات التجديد. وقد شملت تلك الاتهامات، قصر البارون وعملية نقل «الكباش» إلى ميدان التحرير، إلى جانب حادثة ترميم «توت عنخ آمون».

قصر البارون.. هل عاد لصورته الأولى؟

عام 2019 الفائت، كانت مصر تستعد لافتتاح قصر البارون إمبان، الكائن في حي مصر الجديدة، بعد خطة ترميمه وتجديده التي تكلفت أكثر من 6 مليون دولار. وهو القصر الذي بني عام 1911، على الطراز الهندي، من أجل رجل الأعمال البلجيكي، إدوارد إمبان.

تبع هذا الإعلان موجة غضب على مواقع التواصل الاجتماعي؛ إذ رأى المتابعون أن ما حدث للقصر من تغيير ألوانه التي اعتادوها يعد تشويهًا صريحًا للتراث، وأن القصر كان بحلةٍ أبهي في شكله الأول، توحي بعتاقته، وهو ما كان يجب أن نحافظ عليه.

كانت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، هي المسؤولة عن الترميمات، بحسب تقرير وكالة «سي إن إن» الإخبارية؛ وقد استخدمت اللون «الطوبي المحروق» في طلاء البناء، وهو ما لاقى جدلًا واسعًا على مواقع التواصل، باعتباره تشويهًا لا ترميما.

في الوقت ذاته دافعت الحكومة عن اختيار اللون باعتباره الأدق من الناحية التاريخية، وقام المستشار الهندسي لوزارة الآثار بالرد على ما أثير، قائلًا: «ألوان واجهة قصر البارون إمبان هي نفس الألوان الأصلية للبناء». وأن اللون الرمادي للقصر جرى اكتسابه عبر عوامل الطقس والزمن؛ إذ تعرض اللون الأصلي للتلف.

رغم ذلك تعرضت وزارة الآثار لهجومٍ آخر، بشأن طلاء البناء بلونٍ جديد؛ إذ دافع رواد مواقع التواصل الاجتماعي عن وجهة نظرهم، مشيرين إلى أن الترميم كان يجب أن يحافظ على عوامل الزمن، لأنها أحد العوامل التي كانت تميز هذا البناء الفريد.

 

تشير شركة «المقاولون العرب» إلى أن أعمال ترميم قصر البارون، التي استغرقت أكثر من ثلاث سنوات، جاءت وفق أحدث طرق الترميم، وبعد دراسة دقيقة للوثائق التاريخية الخاصة بالقصر، لاستعادة صورته السابقة، وقد حافظت تلك الأعمال على معايير الأصالة، كما أزالت الجدران الحديدية التي لا تتناسب مع تاريخ القصر وجرى بناؤها عام 2006.

وأضافت أنه جرى استخدام الرسومات الأصلية للقصر التي نفذت من قبل مصممه المهندس، ألكسندر مارسيل. وهو نفسه ما أشارت إليه هيئة الإذاعة الأسترالية.

رحلة نقل «الكباش الأربعة» من الكرنك إلى التحرير

في بداية العام الحالي، برزت قضية أخرى على الساحة، كانت خاصة بعملية تطوير ميدان التحرير، الذي كان لفترة طويلة رمزًا للثورة وموقعًا للنضال.

كان المشروع يقتضي نقل أربعة كباش فرعونية من الفناء الخلفي لمعبد الكرنك فيي الأقصر إلى ميدان التحرير بالقاهرة، إلى جانب مسلة فرعونية. وهو ما أشار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أنه لا يشكل أي خطر على التماثيل الفرعونية.

رغم ذلك، اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي موجة غضب، بعدما انتشرت بعض الصور الفوتوغرافية لحمل «الكباش» بالحبال، بطريقة غير مهنية. وهو ما أشارت إليه عزة لطفي، المرشدة السياحية وأحد رواد مواقع التواصل الاجتماعي من خلال منشورها، الذي تضمن تساؤلات عن ما قد يحدث للآثار في قلب العاصمة خاصة بعدما اقتطعت من بيئتها الأساسية في الأقصر والتي تختلف في العوامل المناخية تمامًا عن القاهرة.


تشير لطفي إلى أن الصور المنتشرة تلك لم تكن لعملية النقل، بل كانت لأعمال الترميم، إلا أنها رغم ذلك لم تختلف كثيرًا عن عملية النقل التي شاهدتها بنفسها.

أثارت قضية نقل كباش الكرنك غضب كثيرين منهم نواب بالبرلمان المصري وأثريين، وهو ما دفع البعض للتوقيع على التماس لرئيس الجمهورية يرفضون فيه نقل الكباش من موقعها الأثري، وفقًا لـ البند السابع من «ميثاق البندقية» المنظم لأعمال الحفاظ على المواقع والمباني الأثرية والذي يعد المرجع الأساسي لوثيقة التراث العالمي باليونسكو التي وقعت عليها مصر والصادرة عام 1974.

يشير ميثاق البندقية إلى ارتباط الأثر بموقعه التاريخي؛ وقد وصل الأمر إلى رفع دعوى بالقضاء الإداري، نصها أن نقل الكباش يخل بطبيعة المعلم الأثري، وقد طالبت الدعوى بإلغاء قراري رئيس الوزراء ووزير الآثار الخاص بنقل الكباش لتزيين ميدان التحرير، واستندت إلى نص الدستور وميثاق فينيسيا واتفاقية اليونسكو لعام 1970.

رغم ذلك حسمت محكمة «القضاء الإداري» الأمر، وذلك بقانونية قيام الحكومة المصرية بنقل الكباش الأربعة إلى ميدان التحرير. وعن ذلك أشارت دينا شرف الدين من «اليوم السابع»؛ إلى أن ميثاق البندقية خاص بالمباني والصروح الأثرية مثل المنازل القاهرية القديمة والقصور والمعابد الفرعونية، إلا أنه لا يتضمن التماثيل والقطع الأثرية.

منوعات

منذ سنة واحدة
مترجم: رحلة التابوت المسروق من القاهرة إلى متحف المتروبوليتان.. ماذا حدث؟

ذقن «توت عنخ آمون»

لم تسلم ذقن توت عنخ آمون من الصراعات هي الأخرى؛ إذ احتلت حادثة ترميم لحية قناع الملك المصري توت عنخ آمون بـ«الصمغ» عناوين الأخبار لفترة طويلة.

في يناير (كانون الثاني) من 2016، أحالت النيابة الإدارية المصرية ثمانية من المسؤولين إلى المحاكمة بتهمة التورط في «إتلاف قناع توت عنخ آمون»؛ وذلك بعدما تسببوا في إتلاف القناع أثناء عملية جرد المتحف المصري، ومن ثم قاموا بالتستر على ذلك من خلال محاولة لصقه باستخدام مادة لاصقة.

كان من بين المتهمين رئيس المتحف المصري السابق ورئيسة قسم الترميمات بالمتحف، وهي القضية التي شغلت الرأي العام فترة من الزمن، وقد أسند القناع إلى فريق ترميم متخصص «مصري- ألماني» من أجل عمليات الترميم. وقد أعلن كريستيان إيكمان حينها، وهو رئيس فريق العمل للترميم، أن لصق لحية توت عنخ آمون بالصمغ كان أمرًا مؤسفًا، وقد يحتاج إلى شهور من أجل إزالته؛ خاصةً وأن المادة اللاصقة كانت غير قابلة للذوبان. وكانت محاولة الترميم ناجحة واستمرت تسعة أسابيع.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد