يقال إن الإنسان قبل أن يبدأ الكلام لابد وأنه رقص! وعند نتأمل تاريخ الرقص وأصوله، فإن هذا النشاط الجسدي يبدو موغلًا في حياة البشر منذ القدم، على اختلاف الأزمان والثقافات.

في كتابه «هكذا تكلّم زراديشت»، يحكي نيتشه أن زراديشت كان مارًا بين الأشجار مع رفيقه في الغابة بحثًا عن ينبوع مياه، فإذا به صادف رهطًا من الصبايا يرقصن بعيدًا عن أعين الرقباء، وسرعان ما أدركت الفتياتُ القادمَ إليهن فتوقن عن الرقص، ولكن زرادشت اقترب منهن قائلًا: «داومن على رقصكنّ، أيتها الآنسات الجميلات، فما القادم بمزعجٍ للفرحين، وما هو بعدو الصبايا، فهل يسعني أن أكون عدوًا، لما فيكنّ من بهاءٍ ورشاقة وخفة روح، وهل لي أن أكون عدوًا للرقص الذي ترسمه هذه الأقدام الضوامر الرشيقات؟».

هذه اللغة الغريزية في جسد الإنسان، والتي عرفتها مختلف الشعوب في ثقافاتها منذ القدم، لتعبر عن مكنوناتها الروحية والجنسية والحربية، قبل أن تصبح نشاطًا ترفيهيًا يقبل عليه الجميع ممارسة ومشاهدة، فصار الرقص فنًّا قائمًا بذاته تبدع فيه كل يوم الأقدام المحترفة، لتبهر عيون الرائين بصور فنية مقتطعة من الجمال والمعنى.

تاريخ الرقص لدى البشر

تشير الأدلة الأركيولوجية المكتشفة حتى الساعة أن تاريخ الرقص عند البشر يعود لما يزيد عن تسعة آلاف سنة، إذ عُثر على نقوشات تحيل إلى الرقص في كهف «Rock Sheltersof Bhimbetka» بالهند، وهو موقع أثري معروف، اكتشفت فيه بقايا لأسلاف البشر، الهومو إريكتوس، تعود لما قبل 100 ألف سنة، وتحتفظ الهند في متحفها الأثري بأقدم نص مكتوب عن تاريخ الرقص، وهو عبارة عن قصة درامية تصور إحدى الشخصيات وهي ترقص.

كما وجدت رسومات لوحية في قبور الفراعنة في مصر، ترجع إلى 3300 سنة قبل الميلاد، وتصور أشخاصًا يرقصون، وهو دليل على أن حضارة الفراعنة كانت تعرف الرقص كنشاط شائع، غير أن هذا الرقص المرسوم على لوحات القبور الفرعونية كان طقسًا دينيًا حيث تظهر نساء عاريات يرقصن أمام الحجارة المنحوتة كنشاط للتقرب به إلى الآلهة المصرية القديمة.

وكانت أيضًا كل من حضارة الصين وقبائل إفريقيا وإغريق أوروبا وهنود أمريكا، تعرف أشكالًا بدائية من الرقص منذ آلاف السنين، إلا أن هذا النشاط ارتبط بالمعتقدات الدينية في البداية، حيث كان الرقص طقسًا للتقرب من الآلهة ولدفع كوارث الطبيعة ولإثارة الحماس في الحروب، ولا تزال بعض المجتمعات والقبائل تحتفظ حتى اليوم بطقوس دينية تتم على شكل حركات جسدية راقصة.

وخلال مرحلة القرون الوسطى، تطور الرقص في أوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط، وأصبح نشاطًا اجتماعيًا وطريقة للترفيه، يحظى به علية القوم من الملوك ووجهاء القبائل في مجالسهم الخاصة، وينخرط فيه العوام في مناسباتهم الاجتماعية.

 

لكن مع عصر التنوير، حين انطلقت الثورة المعرفية والفنية في القرن الـ16، بدأ تاريخ الرقص في التحول، وتحديدًا في أوروبا، ليتطور من نشاط بدائي تقليدي إلى نوع من الفن، يهدف ليس فقط إلى المتعة والترفيه وإنما أيضا لإظهار صور الجمال والذوق ووسيلة للتعبير عن المعنى، ما جعله يعرف تطورًا كبيرًا من حيث الأداء، ويبرع فيه الراقصون الموهوبون، إلا أن التعاطي مع هذا الرقص الجديد ظل مقتصرًا على نخبة المثقفين والفنانين والطبقات الحاكمة.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، شهد تاريخ الرقص في أمريكا ثورة أخرى تجاوزت الرقص الكلاسيكي الحديث بأوروبا، حين ظهرت أنواع كثيرة وجديدة في الرقص، تتميز بالتحررية والتلقائية ومزاوجتها للتقنية وأشكال الفنون الأخرى، لينتهي الرقص لما عليه اليوم من إبداع مستمر وغزارة كثيفة وتنوع شديد، وقد ساهمت العولمة ووسائل الإعلام في نشره بين عامة الناس في كافة أنحاء العالم.

تاريخ الرقص في ثقافات العالم

الرقص قبل كل شيء هو لغة رمزية ظهرت قبل الكتابة، اعتمدتها المجموعات البشرية منذ القدم، لتعبر عن حاجاتها الدينية والنفسية، ثم تحولت إلى طقوس فولكلورية تروي قصصًا شعبية في حركاتها تتناقلها المجتمعات جيلٌ بعد جيل، قبل أن يصبح الرقص فنًّا إنسانيًّا، يتعاطاه الناس ممارسة ومشاهدة من أجل المتعة والترفيه وتذوق الجمال.

الرقص الغربي

وهو الرقص الشائع في عالمنا اليوم، الأكثر تنوعًا وإقبالًا عالميًا، وارتبط ظهوره بأوروبا وأمريكا، وبلغت احترافيته مستويات عالية في الذوق والجمال والتعبير بلغة الجسد.

ويشمل الرقص الكلاسيكي، الذي ظهر بأوروبا في العصر الحديث، حيث يبرع الراقصون في أداء رقصات ثنائية وفردية، يعتمدون فيها على حركات بطيئة ومنسجمة مع الإيقاع، تميل إلى حس الرومانسية، ويضم لوحات راقصة متنوعة.

كما يتضمن الرقص الغربي الرقص الحديث، الذي تجاوز الحركات المحددة في الرقص الكلاسيكي، إلى الرقص الحر في الأداء والحركة، وطور هذا الفن من قبل الأمريكيتين؛ مارثا غراهام، وإزادورا دنكان، وهناك أنواع كثيرة للرقص الحديث، منها رقصة «الرومبا»، المنحدرة من أمريكا اللاتينية، وتكون بطيئة ومعتمدة على الإيقاع، وأيضًا هناك رقصة «التشاتشا» التي تتبع الإيقاع السريع، وهي ضمن الرقصات المصنفة في المسابقات، بالإضافة إلى «السامبا»، الرقصة ذات الأصول اللاتينية، طورت في أمريكا، وتشيع بالبرازيل في احتفالاتها الوطنية والعالمية.

وهناك أيضًا الرقص العصري، الذي يمتزج بالتقنية والظروف المسرحية (من ملبس وأضواء وأمكنة…) والقصة الدرامية، ليشكل لوحات راقصة بحركات شديدة التنوع والاحترافية، معبرة عن مشاعر نفسية وأفكار دلالية.

الرقص الشرقي

تعتبر الفنون، وبخاصة الرقص، نشاطات منبوذة في المجتمعات الإسلامية، ولذلك تعرف بلدان العالم الإسلامي اضمحلالًا في الإنتاج على مستوى الفنون كمًا وكيفًا، وظل الرقص في ثقافاتها السائدة مرتبطًا بالمجون و«الحرام»، وإن كانت نفس المجتمعات تشهد رقصات شعبية في حفلات الزواج أو في الملاهي الليلية، بدافع الترفيه والمتعة الجنسية، بيد أن الرقص في هذه المجتمعات لم يتحول إلى فن يرقي المعنى والذوق كالشأن مع المجتمعات الغربية، كما لم يطرأ عليه تطور أو إبداع، بل ظلت شعوب شمال إفريقيا والشرق الأوسط محتفظة بنسخها القديمة من الرقص.

لكن وسط هذا الحصار الثقافي على الفن، والرقص خصوصًا، بزغ نجم الرقص الشرقي خلال العقدين الأخيرين بالمشرق، بوصفه فنًّا يخطو نحو العالمية والاحترافية.

ويمتد تاريخ الرقص الشرقي إلى عهد الفراعنة، كما تبيّن النقوشات الأثرية في المقابر الفرعونية، التي تصور الراقصة ترفع سرتها إلى الأعلى أمام الآلة المنحوتة كي يبارك الإله خصبها الأنثوي، فالسرة رمز الأمومة ونقطة بدء الحياة، كما تقول الكاتبة السورية، آية الأتاسي.

وبعد مجيء الديانات التوحيدية، خرج هذا الرقص من المعابد إلى الأماكن الخاصة بقصور الأمراء والملوك وبلاط السلاطين بعيدًا عن العامة، وفي أواخر القرن الـ19، مع فترة الاستعمار، بدأ الرقص الشرقي بالظهور في الحيز العام «الشارع»، فيما كان يعرف باسم «الغوازي» و«العوالم».

وزاد شيوع هذا الرقص بالمجتمعات المشرقية، في الأربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، حيث كان حاضرًا بقوة في السينما المصرية، وتوجت الراقصة نعيمة عاكف عام 1958 أفضلَ راقصة في العالم في مهرجان الشباب العالمي في روسيا، لتتراجع أهميته بعدها حتى بدايات الألفية الجديدة، حيث سيستعيد الرقص الشرقي مع الإعلام الجديد بريقه بجانب رقص «الباليه».

وما يميز هذا الفن أنه مقتصر على الجنس الأنثوي، إذ حركاته مصممة خصيصًا لأجساد النساء، في حين يغيب الرجل في كافة أنواع الرقص المشرقي، كنشاط فني قائم بذاته.

الرقص الهندي

يتجذر الرقص في الثقافة الهندية، إذ عرفته هذه المنطقة منذ آلاف السنين، ويعد اليوم الرقص الهندي أحد المظاهر الأساسية للصورة العالمية للهند، وتطورت أشكال الرقص بهذا البلد مع قدوم السينما ووسائل الإعلام، حتى بات اليوم فنًّا فريدًا من نوعه ينافس فنون الرقص العالمية الأخرى في المسابقات الدولية. ويتميز باستخدامه للجسد في الجانب العاطفي، من فرح وبهجة وحزن وحب.

وتتنوع الرقصات الكلاسيكية الهندية، مثل «بهاراتا ناتيام» التي تستعمل غالبًا في الطقوس الدينية الهندوسية، و«كاتهاكلي» وهو رقص درامي يتقمص فيه الراقصون أدوار شخصيات الرواية، ورقص «مانيبوري» الذي يتكون من رقصات جماعية وثنائية وفردية تحكي قصة عن كريشنا.

بينما أصبحت الرقصات العصرية الهندية سمة مميزة للسينما ببوليوود، والتي تعد جزءًا لا يتجزأ من السيناريوهات والأفلام الهندية.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد