نعود بخيالنا إلى الماضي، لنتذكر أيام الطفولة، وتجمُّع الأسرة في أيام العطلات، وبرامج التلفاز التي لطالما جمعتنا حولها، وأصدقاء طفولتنا، فنشعر بالشوق إلى تلك الأيام ويصيبنا الحنين إلى الماضي، أو ما يسمى «النوستالجيا».

غالبًا ما تنطوي النوستالجيا على مزيج من مشاعر الحزن والسعادة، بسبب استعادة التجارب الماضية، وأحداث الحياة. وقد اكتشف الباحثون أن لها العديد من الفوائد، من بينها:

  • التخلص من ضغوط الحياة.
  • تعزيز الترابط الاجتماعي.
  • زيادة الشعور بالتفاؤل.
  • التقليل من آثار الشعور بالوحدة.
  • اكتساب دفعة للأمام تزيد القدرة على الاستمرارية.

لكن معاملة الحنين إلى الماضي أو النوستالجيا، على أنه شعور طبيعي، شيء حديث نسبيًّا، فقد كان الحنين يُعد قديمًا عاطفة سلبية تعبث بعقل المصاب، وتجعله يعيش في الماضي ليعثر على شيء انتهى بالفعل، كما عامل الأطباء المصابين بالحنين بوصفهم مضطربين نفسيًّا خلال القرن السابع عشر، حتى عُرف حديثًا أن النوستالجيا عاطفة طبيعية تنطوي على مزيج من مشاعر الحزن والسعادة وليست مرضًا.

الحنين إلى الماضي مرض دماغي وعلاجه الأفيون!

كان الطبيب السويسري يوهانس هوفر أول من أطلق على الشعور بالحنين إلى الماضي مصطلح نوستالجيا «nostalgia» في أطروحة طبية عام 1688. واشتق هوفر الكلمة من مقطعين باليونانية، المقطع الأول «nostos» أي العودة للوطن، والمقطع الثاني «algos» أي الألم.

كانت الحالة معروفة قبل هذا ولكن بمصطلح «el mal de corazón» أي القلب السيئ، وارتبطت بالجنود السويسريين الذين كانوا يعانون من الاشتياق والحنين إلى الماضي عند سماع أغنية «خو ريين» السويسرية، كما سرح جيش فلاندرز الإسباني متعدد الجنسيات ستة جنود على الأقل خلال حرب الثلاثين عامًا، التي مزقت أوروبا بين عامي 1618 و1648 بسبب إصابتهم بمرض «الحنين إلى الوطن».

وقد لاحظ هوفر أن الشعور بالاشتياق يصيب النازحين سواءً كانوا طلابًا يدرسون في الخارج أم جنودًا، أم خدمًا. وذكر هوفر في أطروحته أن الحنين إلى الماضي مرض عقلي يؤثر في وجهات نظر المصابين في حاضرهم، ويحدث لسبب شيطاني.

وقد أظهر ضحايا الحنين إلى الماضي من الجنود عددًا من الأعراض مثل: فقدان الشهية، وسوء التغذية، والتهاب الدماغ، والحمى، والسكتات القلبية، وكانت تتطور بعض الحالات إلى الانتحار.

كذلك كان يرى البعض خيالات للأشخاص أو للأماكن التي يشتاقون إليها، ومن غير المعروف ما إذا كانت هلوسة بصرية أم مجرد أحلام عادية.

وقد أوضح هوفر في أطروحته عدة طرق لعلاج الحنين إلى الماضي منها العلقيات، وهي ديدان طفيلية، والمستحلبات المنومة، ومسكنات الأفيون، ومطهرات المعدة!

بث الرهبة والرعب.. الطريقة الروسية للقضاء على النوستالجيا

استمر الجدل حول طبيعة الحنين إلى الماضي خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أهو حالة نفسية أم عضوية، وهل تعد تأخرًا عقليًّا أم آلية للتكيف مع الحياة؟ وبحث الأطباء عن موضع الحنين في عقول وأجسام المرضى، إلا أنهم فشلوا في ذلك. حتى ادَّعى بعض الأطباء أن الحنين إلى الماضي ما هو إلا قصور في القلب تزداد أعراضه مع الابتعاد عن الوطن والأحباب.

وبحلول القرن الثامن عشر، اكتشف الأطباء أن العودة إلى الوطن لا تعالج دائمًا الأعراض، وغالبًا ما كان المرضى يموتون بمجرد العودة إلى ديارهم. ومثلما تعددت الأطروحات حول شرح المرض، كانت العلاجات أيضًا متنوعة، فقد اعتقد الطبيب الفرنسي جوردان لو كوانت أن الحنين إلى الماضي يجب أن يُعامل بالتحريض على الألم والرعب، كما جاء في كتاب «مستقبل الحنين» لسفيتلانا بويم.

Embed from Getty Images
الدفن حيًّا لعلاج النوستالجيا

واستشهد لو كوانت بالمعالجة الجذرية للحنين، والتي أجراها الروس بنجاح في عام 1733، عندما أصيب الجيش الروسي بالحنين في طريقه إلى ألمانيا. هدد الجنرال الروسي جنوده بأن أول من يصاب بفيروس الحنين سيُدفن حيًّا. ومن غير المعروف حقيقة ما إذا كان الجنرال قد نفذ تهديده أم لا، إلا أن الجيش الروسي لم يعرف بعدها شكاوى الحنين إلى الماضي!

الطب العسكري الأمريكي يعالج النوستالجيا بالتنمر

لم تلجأ الولايات المتحدة للتخويف من الوقوع في الحنين إلى الماضي، إنما اعتمدت على التقليل من شأن المصابين والتنمر عليهم. خلال الحرب الأهلية، اعتقد الطبيب العسكري الأمريكي، ثيودور كالهون، أن الحنين إلى الماضي شيء يجب أن يُخجل منه، وأن أولئك الذين عانوا منه ليسوا رجالًا، وأنهم ضعيفو الإرادة، لذا اقترح أن يكون العلاج جرعة صحية من السخرية العامة والتنمر!

وقد عانى أكثر من 5 آلاف فرد من جنود جيش الاتحاد من الحنين إلى الماضي، وللأسف أودى الحنين بحياة 58 منهم.

ورغم وجود هذه العلاجات المشبوهة، فإن الأطباء ذهبوا أحيانًا إلى الحل الواضح المتمثل في السماح للمرضى بالعودة إلى منازلهم، والذي غالبًا ما كان يزيل أعراضهم فورًا. لكن حتى هذا لم يكن مضمونَ الفاعلية، إذا كان المنزل الذي يتوقون إليه قد تغير بشكلٍ كبير أو لم يعد موجودًا.

مجتمع

منذ 10 شهور
كانت مرضًا عقليًّا في السابق! لماذا نحتاج إلى النوستالجيا وما فوائدها؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد