لماذا الأطفال أكثر سعادة من الكبار؟

يقول البعض «من الفضول ما قتل»، للإشارة إلى ما يسببه من مشكلات لا داعي لها من الأساس. هذا المثل يعطي انطباعًا سلبيًّا تجاه هذا الطبع الذي يتميز به بعض الناس، والذي قد يتسبب – من وجهة نظرهم – في نتائج أحيانًا تكون كارثية قد لا يحمد عقباها.

وقد اشتهر مثل إنجليزي يقول «الفضول قتل القطة»، عندما أصاب العالم الفيزيائي الشهير إرفين شرودنجر الفضول لفحص نظرية خطرت بباله وأراد تجربتها. إذ وضع شرودنجر قطة داخل صندوق، ووضع معها عبوة متفجرة تكفي لقتلها، ثم أغلق الصندوق عليها، فأصبحت النظرية تقول «ما لم يفتح شرودنجر الصندوق فهناك احتمال 50% أن القطة ما زالت حية، وهناك احتمال 50% أن القطة قد ماتت بالمتفجرات أو الغاز السام الناجم عنها، فماتت القطة نتيجة ذلك الفضول».

لكن هذه النظرة ليست هي الصواب دائمًا، فلولا الفضول على مر التاريخ ما تقدمت البشرية. دائمًا ما نلاحظ أن الأطفال فضوليون بطبعهم، ويطرحون الكثير من الأسئلة عن كل شيء وأي شيء يخطر ببالهم، لدرجة تعجز معها أدمغة الكبار عن الرد أحيانًا. عقول هؤلاء الأطفال الصغيرة تكون مدعومة بالفضول. إذ من المحتمل أن يطرح الطفل العادي عدد أسئلة في 10 دقائق أكثر من متوسط الأسئلة التي يطرحها الشخص ​​البالغ في 10 أيام. الأطفال هم التجسيد الكامل للفضول.

التقدم في العمر: الفضول vs اللامبالاة

مع تقدم الناس في العمر تميل مستودعات الفضول لديهم للجفاف. فقد وجدت الدراسات أن انفتاح الشخص على التجارب والأحاسيس الجديدة يتراجع بثبات مع تقدم العمر. في الوقت نفسه، تزداد اللامبالاة عند البالغين تدريجيًّا. وفي حين أن الكثير من كبار السن يقاومون هذه التوجهات، فإن هناك بعض الحقيقة في الصورة التقليدية المتمثلة في ضيق الأفق والتحجر الذي يصيب ويلتصق بعقول كبار السن، ويجعلهم ملتزمين بشدة بالروتين وآرائهم القديمة، ومقاومة التغيير.

Embed from Getty Images

(التقدم العلمي كان سببه الفضول)

لسنوات، لاحظ باحثون في مجال الصحة العقلية هذا الانخفاض في الفضول المرتبط بالعمر. كما لاحظوا أن مستويات الفضول المرتفعة ترتبط غالبًا بالعديد من مقاييس الصحة العقلية والحيوية المختلفة. وجدت إحدى الدراسات التي نشرت عام 2018 في مجلة« Neuroscience & Biobehavioral Reviews» أدلة على أن الحفاظ على الفضول في سن الشيخوخة يعد أمرًا وقائيًّا ضد التدهور المعرفي والجسدي.

يحميك من الاكتئاب.. للفضول فوائد عديدة

بالمقارنة مع الأشخاص غير الفضوليين، يميل كبار السن، الذين لديهم درجة عالية من الفضول، إلى أداء أفضل في اختبارات الذاكرة والأداء المعرفي العام. وأشار مؤلفو تلك الدراسة إلى أن الفضول يُنشط مناطق الدماغ التي تشارك في العمليات الإدراكية عالية المستوى الأخرى، وبمرور الوقت، يمكن لهذا التنشيط المتزايد أن يساعد في شرح بعض فوائد أن يكون الدماغ فضوليًّا بطبعه.

وفي الناس، صغارًا وكبارًا، وجدت الأبحاث أن مستويات الفضول العالية والثابتة ترتبط بالرفاه العقلي والرضا عن الحياة. ويبدو أن الفضوليين يكونون محميين من الاكتئاب.

وكلما بحث الخبراء في الفضول، كلما وجدوا أدلة تشير إلى أنه بمثابة الخلطة السرية لحياة سعيدة ومرضية. يقول تود كشدان، أستاذ علم النفس بجامعة جورج ميسون ومؤلف كتاب «فضولي؟»، إنك إذا كنت تأخذ الأشياء الأساسية التي يميل الناس إلى الرغبة في الحصول عليها، مثل العلاقات الاجتماعية القوية، والسعادة وإنجاز الأشياء، فإن كل هذه الأمور مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالفضول. وهذه بعض الفوائد للفضول:

1- يجعلك أكثر ذكاء

عندما تجعل الفضول عادة لديك، فأنت تسأل عن كل ما لا يمكنك فهمه. هذا الأمر يرفع معدل الذكاء تدريجيًّا؛ نتيجة استيعاب معلومات أكثر، واتساع مساحة الإدراك لديك. إذا لم تسأل، فلن تعرف أبدًا! أولئك الذين يخشون طرح الأسئلة يخجلون من اكتساب المعرفة.

2- يكسبك مشاعر جديدة

هل تساءلت يومًا كيف سيكون شعورك إذا ذهبت للنزهة بدون حذاء؟ أو كيف ستكون مهاراتك الفنية إذا جلست في الخارج قليلًا ورسمت مشهد السحب المارة؟ أو إذا تحدثت إلى شخص معين؟ أو إذا اتخذت طريقًا مختلفًا إلى المنزل؟ أو إذا ذهبت إلى هذا المتجر الذي أثار دهشتك دائمًا؟ أو إذا طلبت شيئًا مختلفًا في المطعم؟ هذه الأمور ستمنحك مشاعر ربما تستكشفها للمرة الأولى.

3- يساعدك على إيجاد طريقك في الحياة

الأمر بسيط، فكلما استكشفت أكثر، اكتشفت مهارات جديدة لديك تجعلك أكثر قدرة على معرفة أبرز ما يميزك، والأماكن التي يمكن أن تتميز وتتفوق فيها. هذا قد يغير مستقبلك للأبد.

ما الفضول؟ وكيف يقيسه العلماء؟

ماذا يعني بالضبط أن تكون فضوليًّا؟ يبدو هذا السؤال منطقيًّا. إذا ذهبت إلى تعريف الكلمة في القاموس بشكل نموذجي، فإن الفضول هو مجرد الرغبة في البحث عن معرفة أو تجارب جديدة. وعلى الرغم من أن هذا التعريف يعد نقطة انطلاق مفيدة، فإن الفضول ينطوي أيضًا على الرغبة في التعامل مع المفاهيم أو المساعي المعقدة وغير المألوفة والصعبة. تشعر أن الفضول ينطوي على درجة ما من التحدي في الأفعال.

طور العلماء نموذجين علميين يستخدمان على نطاق واسع لقياس الفضول. أحدث هذه النماذج كان المرتبط بتقسيم الفضول إلى خمس فئات مختلفة، أو خمسة أبعاد. أول هذه الفئات يوصف بـ«الاستكشافات السعيدة»، وهو مرتبط عن قرب بتعريف القاموس النموذجي لكلمة الفضول.

Embed from Getty Images

(السعادة لها علاقة بالفضول)

بينما يتعلق البعدان الثاني والثالث بمستوى تركيز الشخص والتزامه عند مواجهة الشكوك التي تولدها مواجهة أمور وأشياء جديدة. مثلًا عندما تستكشف بقعًا جديدة، سواء كانت دورة تدريب لم تحضرها أبدًا، أو موعد عشاء مع صديق جديد، فستتعرض على الأرجح لمشاعر التوتر والقلق. وفي حين أننا نميل إلى الاعتقاد بأن حالات التوتر والقلق هذه سلبية في تلك المواقف، فإن الأشخاص الفضوليين لا يمكن ردعهم بسهولة. بمعنى آخر، فإن هذين البعدين يتعلقان بمدى المرونة عند استكشاف مفاهيم أو سيناريوهات جديدة.

البعد الرابع هو المرتبط بالبحث عن التشويق، وهو الاستعداد لتحمل المخاطر المالية، أو الاجتماعية، أو الشخصية؛ للسعي نحو خوض تجارب جديدة. البحث عن الإثارة يمكن أن يتخذ شكل رياضات مثيرة، أو بدء مشروع تجاري جديد. وأخيرًا البعد الخامس هو «الفضول الاجتماعي» حيث يقيس اهتمام الشخص بوجهات نظر الآخرين وآرائهم.

العلاقة بين السعادة والفضول

الأشخاص الذين يحرزون نقاطًا عالية في بعض مقاييس الفضول الخمسة أو كلها، غالبًا ما يتجاوزون تلك الأسئلة المرتبطة بالسعادة والرضا عن النفس، هؤلاء يتجاوزون تقريبًا الأسئلة المرتبطة بهل أنت سعيد وراضٍ عن نفسك وغيرها. يوضح العلماء أنه عندما تفقد نفسك في استكشاف أشياء جديدة تجدها مثيرة للاهتمام، فأنت لن تتوقف لتسأل نفسك عما إذا كنت سعيدًا أو مكتئبًا، هناك مرحلة أهم وأبرز تشغلك الآن.

هناك بعض الأدلة على أن العلاقة بين الفضول والسعادة ثنائية الاتجاه، بمعنى أن أحدهما يغذي الآخر. وجدت دراسة أجريت عام 2019 أنه في الأيام التي يشعر فيها الأشخاص بمشاعر إيجابية مثل السعادة، فإنهم يميلون أيضًا إلى إظهار فضول أكبر من الأيام التي لا يشعرون فيها بالسعادة. هذه النتائج دفعت بعض الباحثين إلى افتراض أن المشاعر الإيجابية قد توجد جزئيًّا للمساعدة في تشجيع الفضول، والاستكشاف المثمر الذي يشجعه.

Embed from Getty Images

(يمكنك تغذية الفضول بطرق بسيطة)

هناك نظرية في علم النفس تسمى «التوسعة والبناء»، التي تقول إن للمشاعر الإيجابية الكثير من الوظائف، أحدها هو جعلنا نشارك في أشياء لن نفعلها عادة (مشابه لتعريف الفضول). الفضول يمكن أن يؤدي إلى علاقات جديدة، أو مهارات جديدة، أو مجالات جديدة من المعرفة التي تثري حياة الشخص على عدة مستويات.

كيف نستعيد الفضول المفقود؟

يبرز هنا سؤال: هل من الممكن زيادة مستويات فضول الفرد؟ وجدت دراسة أن التمارين الرياضية يمكنها أن تعزز الفضول، وذلك ربما عن طريق تحسين مزاج الشخص. كل الدراسات تؤكد بشكل راسخ أن أحد الآثار المترتبة على التمرينات هو رفع المزاج. أيضًا وجود علاقات شخصية قوية يبدو أنه يغذي الفضول. ووجود بعض الأماكن في المنزل التي يمنع المساس بها، مثل وجود قاعدة منزلية في لعبة ما، أو تجريم فتح أدراج مكتب الوالد، كلها تمثل أمورًا تغذي من حالة الفضول عند الناس وتدفعهم للاستكشاف.

ولكن أفضل طريقة لتغذية الفضول هي التواصل مع أشخاص جدد، وأماكن جديدة، ووجهات نظر جديدة. النفور من غير المألوف – أو ما يطلق عليه «الانغلاق المبكر» يخنق الفضول. لكن التجديد، حتى لو كان غير مريح أو كان مخيفًا في البداية، يعمل مثل الأسمدة المغذية تجاه الفضول. فكلما تفاعلت مع تجارب أو معلومات جديدة، أدركت أنك لا تعرف شيئًا، مما يجعل استكشاف المزيد أكثر جاذبية.

منوعات  منذ 4 شهور

سلعة تجلب مليارات.. وهم «صناعة السعادة» حول العالم

في الوقت نفسه، فإن التعامل مع شيء جديد يستنزف القلق المرتبط بهذا الشيء الجديد. أعلى مستوى من القلق الذي تشعر به هو دائمًا التحسب لوقوع شيء جديد تخشى التعامل معه. وبالتالي، إذا داومت على استكشاف الجديد ستلاحظ أن القلق الذي كان يصيبك في الماضي تجاه أي خطوة جديدة يمكن التحكم فيه، ويمكن أن يكون ممتعًا. ورغم أن البعض يعتقد أن هناك سلامًا وأمنًا في المألوف والمعتاد، لكن هناك أدلة على أن الفضول والتجارب الجديدة التي تغذيه قد تمهد الطريق نحو حياة أكثر فائدة وسعادة، وهذا هو ما نبحث عنه، السعادة.

أبحاثالسعادةالفضولدراساتعلم نفسقطة شرودنجر

المصادر