دائمًا ما يكون الحديث عن العملات العالمية والتباين في قيمها وتغيرات أسعار صرفها صعودًا وهبوطًا، ضمن أكثر المتغيرات العصية على الفهم، لغير المتخصصين في الاقتصاد، وذلك لما تحمله من قدر كبير من التعقيد والغموض، وأحد تلك الجوانب المثيرة أحيانًا للاستغراب، هو اتجاه بعض الدول لخفض سعر الصرف لعملتها متعمدة، بينما الأكثر غرابة هو انزعاج الدول ذات العملات القوية من هذا التصرف، فما هو التفسير الاقتصادي لهذا الأمر؟

للإجابة عن هذا السؤال يجب أن نعرف أولًا كيفية تحديد سعر الصرف، وكيف يتغير، وما هو التأثير الاقتصادي المباشر على اقتصاد الدولة بسبب هذا الإجراء، ولذلك سيكون حديثنا خلال السطور القادمة حول سعر الصرف وكيفية تحديده، والميزان التجاري ومكوناته، والعلاقة بينه وبين سعر الصرف، وأخيرًا الحديث عن الحالة الأمريكية كونها أكبر المهتمين في العالم بتغير سعر صرف العملات.

1. ما هو سعر الصرف وكيف يتم تحديده؟

يعرف سعر الصرف بأنه سعر أو قيمة عملة ما معبر عنه بعملة أخرى، أو كما يقول الأكاديميون، هو سعر وحدة في العملة المحلية معبرًا عنه بوحدات من العملة الأجنبية، وله عدة أنواع مثل سعر الصرف الاسمي، وهو الذي يعبر عن سعر العملة الجاري دون الأخذ في الاعتبار قوة العملة الشرائية، أي دون النظر إلى معدل التضخم في الدولة.

غموض العملات.. 7 أسئلة تجيبك عن كل ما يدور في بالك حولها

بينما النوع الثاني يطلق عليه سعر الصرف الحقيقي، وهو يمثل عدد الوحدات من العملة الأجنبية اللازمة لشراء وحدة واحدة من السلع المحلية، وذلك يعني أن سعر الصرف الحقيقي يعتبر مفهومًا حقيقيًا يقيس الأسعار النسبية للسلعتين، ويأخذ في الاعتبار القوة الشرائية؛ أي التضخم. بينما هناك نوع ثالث يسمى بسعر الصرف التوازني، وهذا النوع يكون متسقًا مع توازن الاقتصاد الكلي أي أنه يمثل التوازن لميزان المدفوعات عندما يكون الاقتصاد ينمو بمعدل طبيعي.

هذا النوع يأخذنا إلى الحديث عما يسمى بنظرية تحديد سعر الصرف القائمة على أساس التجارة، وهي النظرية مرتبطة بشكل وثيق بالتساؤل الخاص بهذا التقرير. فوفقًا لهذه النظرية فان سعر الصرف التوازني هو الذي يحقق المساواة في قيم كل من الصادرات والواردات للدولة، أي توازن الميزان التجاري.

بمعنى أنه إذا كانت الدولة تعاني من عجز في الميزان التجاري بمعنى أن قيمة الواردات تفوق قيمة الصادرات؛ فإن سعر صرف الأجنبي الحقيقي سيرتفع، وهو ما يؤدي لانخفاض قيمة العملة المحلية، ونتيجة لذلك تزيد صادرات الدولة وتنخفض وارداتها ومنها يتحقق التوازن، وهذا ما سنوضحه خلال السطور القادمة.

ويتم تحدد سعر الصرف وفق الكميات المعروضة والمطلوبة من الصرف الأجنبي، ويعتبر حجم الطلب على العملة في علاقة طردية مع سعرها، وهذا الأمر يختلف حسب أنظمة أسعار الصرف، من ثابتة أو مرنة، أو عائم أو حر أو مختلط، ولا مجال هنا للحديث التفصيلي حول هذه الأنظمة، لكن ما تجدر الإشارة إليه هنا أن الميزان التجاري ضمن أهم العوامل المؤثرة في تحديد سعر الصرف.

بينما تتمسك بعض الحكومات بخيار تحديد قيمة العملة، حسب ما تراه مناسبًا لطبيعة اقتصادها، وهذه القيمة لا تعبر بالضرورة عن قوة الاقتصاد، ولذلك يصدر صندوق النقد الدولي تقريرًا سنويًا حول القطاع الخارجي لصندوق النقد، وهو تقرير يهتم بتقييم سنوي للعملات والفائض والعجز الخارجي في الاقتصادات الكبرى، ويحدد التقرير مدى واقعية قيم العملات المعلنة استنادًا إلى أساسيات الاقتصاد في الأجل القصير، والأرقام التي تصدر عن الصندوق سنويًا تكشف عن تفاوت كبير بين الأسعار الرسمية والحقيقية.

ما يعني أن سعر الصرف لا يعني بالضرورة أنه مرآة للاقتصاد، لذلك نجد هذه التفاوتات بين ترتيب اقتصادات الدول وقيم عملاتها.

2. ما هو الميزان التجاري وما مكوناته وأهميته؟

قد تتساءل هنا ما علاقة الميزان التجاري بالأمر؟ وفي الواقع يعتبر لسعر الصرف أهمية بالغة في توازن الميزان التجاري، إذ إن سعر الصرف، يعتبر حلقة ربط بين الاقتصاديات الدولية. وتبرز الحاجة إليه من حاجة الاقتصاد الوطني لأي بلد إلى العملات الأجنبية إذ أنه يمثل مصدرًا للاحتياطات الدولية، لذلك لكي نفهم تناقضات قوة وضعف العملات يجب أن نتعرف إلى الميزان التجاري.

يعرف الميزان التجاري بأنه الفرق بين الصادرات والواردات من السلع والخدمات خلال مده معينه، وهكذا تكون العلاقة بين صادرات وواردات البلد، ويعبر عنها بالمعادلة (رصيد الميزان التجاري = إجمالي الصادرات لبلد ما – إجمالي واردات نفس البلد)، والميزان التجاري هو أهم جزء في ميزان المدفوعات لأي دوله وينقسم إلى قسمين.

القسم الأول ويسمى بالميزان التجاري السلعي، والذي يطلق عليه في كتب الاقتصاد الأكاديمية: ميزان التجارة المنظورة، ويشمل كل الخدمات والسلع التي تكون في شكل مادي ملموس، مثل الصادرات والواردات من السلع المادية التي تحدث عبر الحدود الجمركية، بينما القسم الثاني هو الميزان التجاري الخدمي، أو ميزان التجارة غير المنظور، ويشمل كافة الخدمات المتبادلة بين الدول مثل: (النقل، السياحة، التامين).

وعندما تساوي صادرات الدولة وارداتها؛ نقول إن الميزان التجاري متوازن، بينما في حالة قلة صادرات البلد من السلع والخدمات عن وارداتها من السلع والخدمات، يكون في حالة عجز، وهي سمة الاقتصادات النامية، بينما العكس يسمى فائض، وهذه الحالة يتسم بها الاقتصادات الكبيرة المستقرة.

3. ما العلاقة بين قيمة العملة والميزان التجاري؟

هناك علاقة وثيقة بين الميزان التجاري وسعر الصرف المعتمد لدى الدولة،  إذ أن سعر الصرف يلعب دورًا هامًا في تحقيق توازن الميزان، ففي حالة ارتفاع سعر صرف العملة المحلية مقابل العملة الأجنبية فإن ذلك يحدث خللًا في الميزان التجاري وذلك من خلال تأثير ارتفاع سعر الصرف على صادرات وواردات الدولة، ويعتبر ارتفاع سعر صرف العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية له أثر إيجابي على واردات الدولة وذلك سبب انخفاض أسعار تلك الواردات على المواطنين في الدولة المحلية بسبب ارتفاع سعر صرف عملتهم.

بينما ارتفاع سعر صرف العملة المحلية يؤثر على صادرات الدولة بالسلب نظرًا لارتفاع سعر السلع المحلية في الأسواق الأجنبية، أي أن المواطن الأجنبي سيحتاج للدفع أكثر من أجل الحصول على السلع المحلية وهو ما يؤثر سلبًا على صادرات الدولة، ما يعني في النهاية أن سعر الصرف هو المرآة التي ينعكس عليها مركز الدولة التجاري مع العالم الخارجي.

 

ولتوضيح  تلك العلاقة أكثر، يمكن القول إن استيراد السلع من إحدى البلدان الأجنبية يزيد من الطلب على عملة هذا البلد في السوق الوطني بمعنى أن الواردات تزيد من الطلب على العملات الأجنبية، ولكن الصادرات تزيد من الطلب الأجنبي على العملة الوطنية وتزيد من عرض العملات في السوق الوطني مما يؤدي إلى حدوث اختلال في الميزان التجاري لهذه الدولة.

هذا الخلل الذي يحدث تلجأ الدول لمعالجته من خلال اتخاذ سياسات سعر الصرف التي تتناسب مع حالة الاقتصاد الوطني، وهنا نتحدث عن تأثير تقلبات سعر الصرف علي جانبي الميزان التجاري (الصادرات – الواردات)، وتقلب سعر الصرف يعني تخفيض قيمة العملة أو رفعها، وهذا التقلب يسهم في تحريك أسعار السلع المحلية بالنسبة للأسعار في الدول الأجنبية.

ما يعني أنه في حالة تخفيض قيمة العملة المحلية تنخفض أسعار السلع المحلية في الخارج نتيجة لزيادة المعروض النقدي في الداخل (تخفيض الطلب علي العملة وصادرات الدولة)، وزيادة حجم الواردات من الخارج، فيؤدي ذلك إلى ارتفاع حجم الصادرات، ويحدث العكس في حالة ارتفاع قيمة العملة المحلية وهذا يوضح العلاقة العكسية بين سعر الصرف والصادرات.

بينما تؤثر تقلبات سعر الصرف علي الواردات أيضًا؛ ففي حالة انخفاض قيمة العملة المحلية يؤدي ذلك إلى ارتفاع الصادرات وانخفاض حجم الواردات، ويرجع ذلك إلى انخفاض أسعار السلع المحلية وزيادة المعروض النقدي وانخفاض الطلب علي السلع الأجنبية، أما في حالة ارتفاع قيمة العملة المحلية نتيجة زيادة الصادرات وارتفاع الطلب علي السلع المحلية؛ ينخفض المعروض النقدي في الداخل نتيجة لزيادة الطلب علي السلع المحلية وترتفع الأسعار المحلية وبالتالي زيادة حجم الواردات، وهو ما يعبر عن علاقة طردية بين سعر الصرف والواردات.

4. لماذا تنزعج أمريكا أكثر من غيرها من خفض قيمة عملات الدول؟

بعد هذا العرض لمفهوم سعر الصرف والميزان التجاري والعلاقة بينهما؛ لنتحدث الآن عن الحالة الأمريكية كونها أكبر المهتمين في العالم بتغير سعر صرف العملات، ولماذا تنشغل أمريكا تحديدًا أكثر من غيرها بتحريك الدول لعملتها المحلية بالخفض؟

يتعلق الأمر ببساطة بالعجز في الميزان التجاري الأمريكي، إذ تعاني الولايات المتحدة الأمريكية من عجز تعد قيمته الأعلى في العالم، ففي 2018 ارتفع إلى أعلى مستوى في 10 سنوات في 2018 –كما يوضح الرسم التالي-، وخاصة مع الصين التي تشن أمريكا ضدها حربًا تجارية عنيفة للسيطرة على هذا العجز.

سعر الصرف

المصدر: وزارة التجارة الأمريكية

ووفق بيانات وزارة التجارة الأمريكية، فإن العجز التجاري قفز إلى 621 مليار دولار العام الماضي، ليكون الأعلى منذ عام 2008، وأعقب عجزًا بلغ 552.3 مليار دولار في 2017، وترى الإدارة الأمريكية أن أهم أسباب هذا العجز هو خفض الدول المصدرة لها من قيمة عملتها المحلية، وهو ما يضيف ميزة تجارية لسلعها وبالتالي يتدهور العجز التجاري الأمريكي.

العجز التجاري الأمريكي مع الصين في 2018 ارتفع 11.6% إلى أعلى مستوى له على الإطلاق عند 419.2 مليار دولار، وهو الأمر الذي يزعج الأمريكان بشدة، إذ يعتبر مسؤولو الإدارة الحالية للبلاد أن اليوان الصيني يجري خفض قيمته مقابل الدولار منذ فترة طويلة، وهو ما دفع وزارة التجارة، مؤخرًا لاقتراح قانون جديد لفرض رسوم جمركية لمكافحة الدعم على منتجات الدول التي تخفض قيمة عملاتها مقابل الدولار.

الأمر ليس كذلك فقط، ولكن هناك ما يسمى بقائمة المراقبة الأمريكية والتي تدرس فيه البلاد من خلال هذه القائمة ممارسات تلاعب الدول بالعملة من خلال خفضها، كما ترصد التدخلات في سوق العملة عمومًا، وفوائض ميزان المعاملات الجارية الكبيرة عالميًا وفوائض التجارة الثنائية المرتفعة.

وقالت وزارة الخزانة الأمريكية في تقرير نصف سنوي للكونجرس، إنها راجعت سياسات مجموعة موسعة من 21 شريكًا تجاريًا رئيسيًا للولايات المتحدة وخلصت إلى أن تسعة منهم يتطلبون اهتمامًا وثيقًا بسبب ممارسات العملة، إذ كانت أيرلندا وإيطاليا وماليزيا وسنغافورة وفيتنام هي الإضافات الجديدة لقائمة المراقبة، التي تشمل أيضًا الصين وألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية.

المصادر