انطلاقًا من حرصه على فرض نفسه كدولة حقيقية، أصدر تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” عملة خاصة به من دنانير ودراهم ذهبية وفضية ونحاسية،  وأمر التنظيم الأهالي والتجار في المناطق الخاضعة لسيطرته بالتعامل بهذه العملة واستبدالها عبر مكاتب صيرفة خاصة به.

 وبالرغم من تأكيد الخبراء على أن عملة “داعش” ستنتهي قريبًا كون العملات الذهبية تحتاج إلى كميات كبيرة من الذهب الصافي، وكون أي سك عملة خاصة يجب أن يكون وراءه دولة معترف بها إلا أن العملة بدأت تفرض كواقع في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم في سوريا والعراق.

“ساسة بوست” في التقرير تقف على أسباب وآثار إصدار عملة داعش:

ما هي الأسباب التي دفعت “داعش” لإصدار عملة خاصة؟

يذكر بيان موقع من “ديوان بيت المال” التابع للتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” أن الهدف من إصدار التنظيم لعملة خاصة هو الابتعاد عن “النظام المالي الطاغوتي الذي فرض على المسلمين وكان سببا لاستعبادهم”، و”الانعتاق من النظام الاقتصادي العالمي الربوي الشيطاني”.

لكن الخبير الإستراتيجي والاقتصادي في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية أحمد قنديل يرى دوافع أخرى غير تلك التي ذكرها بيان داعش، يقول قنديل أن العملة الجديدة لداعش هي محاولة أخيرة من قبل التنظيم لتوظيف أوراقه في مواجهة الحملة العالمية التي تشنها الآن الولايات المتحدة والعديد من الدول العربية لمواجهته.

ويضيف: “داعش يريد أن يبعث عدة رسائل من وراء إعلان هذه العملة التي يعتبرها كثير من المراقبين جنينًا ميتًا، يريد التأكيد للعالم على أن التنظيم ليس عبارة عن مجموعة من التنظيمات الإرهابية الفوضوية التي تسعى إلى التخريب والتدمير فقط، إنما هو دولة تسعى إلى وضع أسس اقتصادية لما يسمى بـ”الدولة الإسلامية” تستطيع بها تنظيم حياة من يعيشون في الأجزاء التي تسيطر عليها”.

ويتابع الخبير الاقتصادي: “رسالة أخرى من وراء هذه العملة وهي أن النظام العالمي المالي والاقتصادي الحالي هو نظام أدى إلى نهب ثروات الدول الإسلامية لاعتمادها على العملات الورقية وكانت الفكرة الأساسية للعملات عند بداية التعامل بها هو المعدن وبالتالي أن العودة إلى الجذور من شأنها تدمير النظام الاقتصادي العالمي الحالي الذي تسيطر عليه الطواغيت وفق اعتقاد تنظيم داعش”.

ما هي المشاكل التي تواجه هذه العملة؟

ثمة مشكلات عملية يمكن أن تحكم بالفشل على عملة داعش، أولها بناء الثقة حول عملة تصدرها مجموعة قتالية متورطة في عدة معارك في سوريا والعراق، مع عدم وجود قابلية لمن يقبعون تحت سيطرة التنظيم وخارجه في الدخول في علاقات تجارية معه، وهو ما سيجعل حتى غسيل الأموال القادمة من هناك أمرًا صعبًا.

يقول المحلل الاقتصادي جاستين درينان في مقال نشرته مجلة “فورين بوليسي” الأميركية إن نجاح أي عملة جديدة يتطلب توفير عدة عوامل قبل إصدارها. أولها حاجة الناس للاقتناع بأن هذه العملة هي وسيلة معاملات مستقرة، أي أن كلا من المجتمع الذي قرر استخدام هذه العملة والهيئة التي أقدمت على إصدارها مستقران.

ويضيف درينان أن الناس العاديين يدركون أن المجتمع الدولي لن يسمح بأن تكون لتلك المنظمة تعاملات مالية على نطاق دولي، وهو ما سيكون له بالغ الأثر على تراجعها مؤكدًا على أن عملة داعش لن تكون قادرة في أي وقت من الأوقات على الوصول إلى الاستقرار والكفاءة التي تحتاجها أي عملة أو أي شكل من أشكال النقود التي تحظى بثقة الناس.

ويبدو أن المشكلات التي تواجه العملة الوليدة لا تتوقف فقط عند هذا الحد. حيث يؤكد الخبراء إنه لكي يعترف الاقتصاديون بشيء ما على أنه نقود فإن ذلك يتطلب أن تكون وسيلةً للصرف ووحدة حساب ومخزنًا لقيمة كما أن الناس، في المناطق الواقعة تحت سيطرة داعش، لن يكونوا قادرين على حساب القيمة الموازية للدينار (الداعشي) ومدى قدرته الشرائية، وما إذا كان مساويا لأي من البضائع المتداولة.

ويوضح الخبراء أن عملة داعش من الممكن أن تكون مخزنا للقيمة، وذلك لأن التنظيم حاول أن يستمد قيمتها من ثمن المعدن (الفضة أو الذهب) المستخدم في سكها، وهو جانب إيجابي من الممكن أن يختفي فجأة إذا قرر الجناح الاقتصادي للتنظيم إصدار عملات ورقية.

ما أثر هذه العملة على الاقتصاد السوري والاقتصاد العراقي؟

نظرًا لسيطرة “داعش” على مناطق في سوريا والعراق، فإن الآثار الاقتصادية ستبدأ بفرض التنظيم على المناطق التي يسيطر عليها القيام بعملية (الدرهنة) أي التحول نحو التعامل بالدرهم المصدر من قبلهم، عضو جمعية الاقتصاديين بسوريا جوان فداء الدين حمو توضح أنه سيجبر الأفراد في هذه المناطق على التعامل غصبًا أو طواعية بالعملة المحدثة على مساحة تقدر 35 % من مساحة سوريا، و38 % من مساحة العراق. وبالتالي سيتم إخراج الليرة السورية والدينار العراقي من التداول الخاص في مناطق سيطرة داعش، وسيعمل استبدال الأفراد في مناطق سيطرة التنظيم عملاتهم إلى تعطيل أو كسر في قيمتي الليرة السورية أو الدينار العراقي.

وتضيف حمود: “سيتم توجيه الخلل نحو سلطة النقد في كل من سوريا والعراق وبخاصة من جانب التأثير في القدرة على إدارة دفة السياسة النقدية في كلا الدولتين. كما ستفقد السلطة النقدية السورية والعراقية عائد الإصدار (السنيوريج)”. وتعتقد حمود أن التنظيم سيلجأ إما للاحتفاظ بالنقود المبدلة على شكل اكتناز عقيم في مستودعات خاصة بها، أو سيلجأ لإتلافها.

ماذا  تعني الرموز  التي وضعت على عملة داعش؟

وضعت داعش على ثلاث فئات نقدية من الذهب والفضة والنحاس رموزًا متنوعة، وضعت سبع سنابل لفئة الدينار الواحد من الذهب، وخريطة العالم للخمسة دنانير من فئة الذهب أيضا، ورمحًا ودرعًا لفئة الدرهم الواحد من الفضة، ومنارة دمشق البيضاء لفئة الخمسة دراهم من الفضة، والمسجد الأقصى لفئة العشرة دراهم من الفضة كذلك. وعلى عملة النحاس من فئة عشرة فلوس، وُضِعَ هلال، فيما وُضع على عملة العشرين فلسا ثلاث نخلات.

وكلها رموز ذات خلفية دينية فـ السنابل تعني “بركة السماء”، و خريطة العالم تدلل على منهج توسعي لدى داعش يفيد في إعطاء تصور لما ينوي التنظيم القيام به لاحقاً من خلال تمدد دولته إلى باقي أنحاء العالم لتحقيق شعار داعش الأساسي “باقية و تتمدد”.

وحسب الكاتب محمود عبد اللطيف فإن شعار “الرمح و الدرع” يذهب نحو انتهاج القوة لنشر أفكار داعش، بينما المنارة الدمشقية توحي بأن مدينة دمشق في اعتبارات قيادات التنظيم عاصمة لدولتهم المفترضة.

وفيما يتعلق بصورة المسجد الأقصى، يوضح عبد اللطيف في مقاله “رموز عملة داعش بين المعنى والمقصود.. من يحول التنظيم إلى دولة مؤسسات؟” أن هذا يأتي من باب اللعب على وتر العامل النفسي لدى عموم المسلمين في العالم، فالمسجد الأقصى الذي يعتبر “ثالث الحرمين” يخضع منذ نشوء الكيان المحتل الإسرائيلي لسلطة الاحتلال، وهو يتعرض بشكل يومي لانتهاكات الدولة الصهيونية و عليه فإن أي طرف يحارب إسرائيل و يناصبها العداء يكسب باللاشعور تأييد المسلمين في العالم باعتبار الأقصى وفلسطين قضية مركزية للعرب و المسلمين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد