وصلت الحرب التجارية الأمريكية الصينية إلى مستوى جديد من السوء؛ إذ يمكن القول إن الأمر في طريقه إلى مذبحة مالية عالمية؛ فقد أصبحت الحرب التجارية الآن حربًا على العملات، وهو الأمر الذي يرفع الضرر الاقتصادي المحتمل إلى مستوى آخر جديد على كل الأصعدة، سواء بالنسبة لواشنطن وبكين، أو باقي الدول والأسواق المالية، فمن هم الرابحون من هذه الحرب ومن قد يخسر؟

بداية يرى محللون أن العالم يعيش منذ عقود في حروب عملات، ولكن بأشكال مختلفة، عن طريق التدخل المباشر، أو التيسير الكمي، أو سعر الفائدة الصفري وكذلك الفائدة السالبة، إذ يقول المحللون أن هذه الأشكال هي وسائل تشارك فيها البنوك المركزية في حرب العملة، لكن لا يهتم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، سوى بالصين التي يتهمها دائمًا بالتلاعب بالعملة، لكن الصين ليست وحدها، فالحال نفسه ينطبق على سويسرا واليابان وغيرهم من الدول بالاتحاد الأوروبي.

وقبل الحديث عن الرابحين والخاسرين، يجب أن نعرج سريعًا على آخر فصول التي قادت الحرب إلى هذه المرحلة، ففي يوم الاثنين الماضي، بعثت الصين رسالة سيئة إلى الأسواق المالية في جميع أنحاء العالم، وذلك بعد أن خفضت الصين قيمة اليوان في أعقاب تهديد الرئيس الأمريكي بفرض رسوم جمركية بنسبة 10% على ما قيمته 300 مليار دولار من السلع الصينية.

كيف أصبحت الحرب التجارية حربًا على العملات؟

قبلت الصين تحدي ترامب وجاء الرد سريعًا، إذ سمحت الصين بخفض سعر عملتها، لتصبح 7.14 يوان للدولار الواحد، كأدنى مستوى لليوان منذ بدء التداولات الخارجية للعملة. وهو أدنى مستوى له منذ مايو (أيار) عام 2008؛ إذ نزل اليوان الصيني أكثر من 1% إلى أقل مستوى في 11 عامًا، أي أقل مستوى منذ الأزمة المالية العالمية، وهو ما يعتبره بعض المتعاملين في السوق مستوى دعم رئيس.

ليس لمنافسة أمريكا فقط.. هكذا تكافح الصين لإنعاش قطاع التكنولوجيا

وهو التحرك الذي أثار جنون أسواق المال العالمية، إذ انخفضت عملات الأسواق الناشئة، وانخفضت أسواق الأسهم بنسبة 3% تقريبًا، وارتفع الذهب والدولار الأمريكي كملاذات آمنة، وانخفض عائد سندات الخزانة ذات الأجل 10 سنوات إلى 1.74%، لكن لم تتوقف الخسائر على العملات فقط.

فوفق تقرير لوكالة «بلومبيرج» فقد خسر أغنى 20 شخصًا على مؤشر أغنياء العالم، 2.1% من ثروتهم، وهو ما يعادل 117 مليار دولار، وذلك بعد أن تراجع مؤشر «داو جونز الصناعي» الذي يضم أكبر 30 شركة، بأكثر من 2% في ختام تعاملات الاثنين، بينما من المتوقع أن تكلف الحرب التجارية الشاملة الاقتصاد العالمي نحو 1.2 تريليون دولار.

ويأتي ذلك وسط هروب المستثمرين من الصناديق عالية المخاطر، مثل الدولار الأمريكي وأسواق الأسهم، خاصة أسواق الشركات العاملة في قطاع تكنولوجيا المعلومات والصناعة، والاتجاه إلى ملاذات آمنة أبرزها الذهب الذي يتلقى دعمًا كبيرًا من التوترات التجارية.

التصعيد الصيني قابله تصعيد أمريكي كذلك، ففي وقت متأخر من الاثنين، وصفت وزارة الخزانة الأمريكية رسميًا الصين بأنها متلاعب بالعملة وذلك لأول مرة منذ عام 1994، وهو الأمر الذي قد ينتج عنه مزيد من التعريفات أو عقوبات، وقال وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوتشين، إن بيانا لبنك الشعب الصيني (البنك المركزي) يوضح أن السلطات الصينية تمارس سيطرة واسعة على سعر صرف اليوان.

منوتشين أعتبر أن إعلان المركزي الصيني مواصلة اتخاذ إجراءات ضرورية ومستهدفة ضد (سلوك القطيع) الذي قد يحدث في سوق الصرف الأجنبي، هو بمثابة إعلان خفض متعمد لليوان، لكن في المقابل ترفض بكين هذا الاتهام، إذ قال المركزي: إن بلاده «لم تستخدم ولن تستخدم سعر الصرف، كأداة للتعامل مع النزاعات التجارية».

إلى متى قد تستمر حرب العملات؟

حذرت الصين من أن الخطوة الأمريكية ستلحق ضررًا هائلًا بالنظام المالي العالمي وفوضى بالأسواق المالية، كما أنه سيعرقل التعافي الاقتصادي والتجاري العالمي؛ إذ يحذر المحللون من إن الإجراءات الانتقامية المتبادلة قد تتسع في النطاق والشدة؛ مما يضغط أكثر على ثقة الشركات والنمو الاقتصادي العالمي، لكن إلى متى قد تستمر حرب العملات؟

في الوقت الذي ترى فيه صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية، أن بكين لديها دوافع لمنع أي تخفيض إضافي في قيمة العملة لمنع هروب رؤوس الأموال؛ إذ شهدت إحدى حلقات هروب رؤوس الأموال في الفترة 2015-2016، واضطرت لإنفاق حوالي تريليون دولار من احتياطياتها من النقد الأجنبي لكي  تدافع عن اليوان، لكن من الصعب معرفة إلى أين ستستقر الأمور في ظل قرارات ترامب المفاجأة.

يشار إلى أن تقرير حديث صدر عن «صندوق النقد الدولي»، في يوليو (تموز) الماضي، قال إن الدولار الأمريكي مقدر بأعلى من قيمته الحقيقية بنسبة 6 إلى 12%، بناء على العوامل الأساسية للاقتصاد في المدى القريب، بينما اليوان الصيني قيمته منسجمة مع العوامل الأساسية، وهو ما يخالف النظرة الأمريكية لوضع العملة الصينية.

من المهم أيضًا الحديث عن أن فلسفة القانون الأمريكي لاعتبار أي دولة متلاعبة بالعملة تعتمد على ثلاثة معايير؛ وهي امتلاك فائض كبير في ميزان المعاملات الجارية العالمي، بالإضافة إلى وجود فائض تجاري كبير مع الولايات المتحدة، ثم المعيار الثالث هو التدخل المستمر من جانب واحد في أسواق الصرف الأجنبي. وبعد تصنيف دولة على أنها متلاعبة بالعملة، تقوم وزارة الخزانة بإجراء محادثات خاصة لتصحيح أي عملة مقدرة بأقل من قيمتها الفعلية، مع فرض عقوبات مثل الاستبعاد من عقود مشتريات الحكومة الأمريكية.

البنك المركزي الصيني

ومن غير الواضح الآن هل ستستمر أمريكا في هذه الإجراءات أم لا، خاصة بعد أن تحرك المركزي الصيني، لمنع العملة من تسجيل مزيد من الانخفاض، إذ أعلن عن بيع أذونا مقومة باليوان في هونج كونج، وحدد سعر الصرف المرجعي أعلى من المستوى المتوقع، لكن السؤال الآن في حال فرضنا استمرار الحرب التجارية، من الرابحون والخاسرون من هذه الحرب.

على عكس المتوقع.. الصين قد تخسر أكثر مما ستربح

يدرك الاقتصاديين أن خطوة خفض الصين لقيمة عملتها هي سلاح ذو حدين، وذلك على عكس ما يتوقع البعض من أن هذا الإجراء يفيد الصين، وبالنظر إلى الفوائد والأضرار قد نجد أن الأضرار ربما أكبر، إذ أن معظم الفوائد تتركز على الصادرات وهو القطاع الذي لا يمر بأفضل حالته؛ إذ انخفضت صادرات الصين بأكبر قدر في عامين خلال ديسمبر (كانون الأول) الماضي، لذلك من غير المتوقع أن تكون الفوائد كبيرة، ولتفاصيل أكبر عن هذا الأمر يمكن العودة إلى تقرير: «لماذا تنزعج منها أمريكا؟ أربعة أسئلة تشرح لك علاقة خفض قيم العملات بالتجارة».

على الجانب الآخر فأن الضرر على الصين يقع من عدة جوانب، أولها أن الصين بصفتها أكبر مستورد للنفط في العالم، تقوم باستيراد النفط بالدولار، ومعنى خفض قيمة عملتها سترتفع التزاماتها، كما أن الانخفاض الشديد في قيمة العملة قد يساعد في نشوب أزمة ديون، إذ يجاهد المقترضون الصينيون لسداد ديون العملة الأجنبية باليوان التي انخفضت قيمتها.

هل تلحق الصين بها؟ هكذا خسرت اليابان حربها التجارية أمام أمريكا في الثمانينيات

وتبلغ ديون الشركات غير المالية نحو 800 مليار دولار، أو 6% من الناتج المحلي الإجمالي، وفقًا لـ«مؤسسة التمويل الدولي»، في حين بلغت ديون البنوك الصينية بالدولار نحو 670 مليار دولار، أو 5% من الناتج المحلي الإجمالي، ومع انخفاض اليوان سيتعرض هؤلاء لأزمة عند سداد هذه الديون.

يشار إلى أن عمليات التخلف عن السداد في الصين بدأت في الارتفاع العام الماضي حيث أدى تباطؤ الاقتصاد المحلي إلى صعوبة سداد الشركات للديون، ومن شأن موجة مفاجئة من هذا التخلف عن السداد لديون الدولار والعملات الأخرى الناجمة عن ضغوط أسعار الصرف أن تعصف بالاقتصاد الصيني؛ مما قد ينتج عنه أول ركود في الصين.

أمريكا.. الدولار سيربح لكن الاقتصاد سيدفع الضريبة

لا شك أن هبوط اليوان يعني صعود الدولار بشكل مباشر وهو ما يحدث بالفعل على مدار هذا الأسبوع، رغم خفض الفائدة، وبالرغم من أن البعض قد يرى أن صعود العملة الأمريكية أمرًا إيجابيًا بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن ترامب يكافح من أجل خفضه بسبب زيادة العجز التجاري؛ إذ تعاني الولايات المتحدة الأمريكية من عجز تعد قيمته الأعلى في العالم، ففي 2018 ارتفع إلى أعلى مستوى في 10 سنوات في 2018، وخاصة مع الصين التي تشن أمريكا ضدها حربًا تجارية عنيفة للسيطرة على هذا العجز.

ووفق بيانات وزارة التجارة الأمريكية، فإن العجز التجاري قفز إلى 621 مليار دولار العام الماضي، ليكون الأعلى منذ عام 2008، وأعقب عجزًا بلغ 552.3 مليار دولار في 2017، وترى الإدارة الأمريكية أن أهم أسباب هذا العجز هو خفض الدول المصدرة لها من قيمة عملتها المحلية، وهو ما يضيف ميزة تجارية لسلعها، وبالتالي يتدهور العجز التجاري الأمريكي.

العجز التجاري الأمريكي مع الصين في 2018 ارتفع 11.6% إلى أعلى مستوى له على الإطلاق عند 419.2 مليار دولار، وهو الأمر الذي يزعج الأمريكان بشدة، إذ يعتبر مسؤولو الإدارة الحالية للبلاد، أن اليوان الصيني يجري خفض قيمته مقابل الدولار منذ فترة طويلة، ومع حرب العملات وخفض اليوان من الصعب أن تعالج أمريكا هذا العجز لذلك ستتضرر من هذه الحرب.

وترى «وول ستريت جورنال» أن ترامب وبالرغم من هدفه معاقبة الصين، إلا «أنه يعرض نمو الاقتصاد الأمريكي للخطر من خلال إطلاق العنان لمخاطر التجارة والعملات التي تقوض فوائد إصلاحه الضريبي؛ وهو ما يعني أن الحرب التجارية قد تنتهي بشكل سيئ للجميع».

الذهب.. الرابح الأكبر دائمًا

يتصدر الذهب دائمًا قائمة أولويات المستثمرين في مثل هذه الظروف، فالذهب هو الملاذ الآمن القديم الحديث؛ إذ يحتل المعدن الأصفر مكانة كبيرة في الاقتصاد العالمي؛ فهو المعيار الأمثل لتحديد غنى الأفراد والشعوب، وكان السبب الرئيس في العديد من الحروب، ودائمًا ما يرتبط اللجوء للذهب بالخوف، ومنذ بداية هذا العام ارتفع الذهب بنحو 17%، وفق تقديرات «ماركت ووتش».

وفي ظل حصول الأزمات السياسية والاجتماعية مثل الحروب وغيرها، يكون اللجوء فوريا للذهب، لذلك دائمًا ما يصعد عند وجود أي توترات سياسة عالمية، ومع تراجع ثقة الشعوب والمستثمرين في استقرار الأوضاع المشتعلة عالميًا، يزداد الخوف ومعه يلجأ الجميع إلى الذهب، ومع اشتعال الحرب التجارية بين قطبي الاقتصاد العالمي والانتقال إلى مرحلة حرب العملات من الطبيعي أن يكون الذهب أكبر الرابحين؛ إذ وصل خلال تداولات الأربعاء، إلى نحو 1502.3 دولار للأوقية وهو أعلى مستوى له منذ 2013.

ومع عدم وجود أي مؤشرات على تراجع الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة فإن إقبال المستثمرين على أصول الملاذ الآمن سيرتفع، ويستبعد بنك «جولدمان ساكس» إبرام اتفاق تجاري قبل انتخابات الرئاسة الأمريكية في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2020، وفي حال حدث ذلك فإن الذهب قد يواصل موجة الصعود تلك لفترة أطول.

العرب.. بعيدون عن الصراع قريبون من الخسائر

رغم أن المنطقة العربية بعيدة عن هذا الصراع بشكل مباشر، لكنها قد تكون أبرز من سيتضرر من خفض اليوان الصيني، ففي البداية سترتفع قيمة العملات المحلية مقابل اليوان وستصبح السلع المستوردة أرخص، وقد يشعر المواطن بتحسن، لكن هذا التحسن لن يستمر طويلًا وسيجني الاقتصاد عواقب هذا التحسن.

فسوف يؤدي رخص الاستيراد إلى إفلاس الشركات المحلية التي لن تستطيع منافسة المنتجات الصينية، وبحسب وزارة التجارة الصينية فأن التجارة بين بكين والدول العربية سجلت نموا نسبته 28% على أساس سنوي خلال عام 2018 لتصل إلى 244.3 مليار دولار، منها 139.4 مليار دولار واردات عربية، بينما أقامت الشركات الصينية خلال عام 2018، مشاريع جديدة في الدول العربية بقيمة 35.6 مليار دولار، بزيادة 9% على أساس سنوي.

وعلى الجانب الآخر ستواجه المنطقة نزوح للأموال بسبب هذه التوترات، فبحسب تقديرات «معهد التمويل الدولي»، فإن تصاعد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين أدى إلى نزوح نحو 3 مليارات دولار من أسهم وسندات الأسواق الناشئة هذا الأسبوع فقط، مشيرًا إلى أن تصاعد التوترات دفع المستثمرين إلى سحب الأموال من الأسواق النامية، وهو ما يعد خسارة إضافية للمنطقة.

«اقترض بفائدة تساوي صفر».. هل اقتصاد بلا «ربا» يعني اقتصادًا ناجحًا؟

المصادر

s