قبل الفجر استيقظ محمد على أصوات طرق باب زنزانته ببيت لحم، دخل عليه مجموعة من الملثمين بالأسود يصيحون “متعاون متعاون محمد انهض للخارج”، قادوه بأسلحتهم للشارع وأطلقوا عليه الرصاص، تركوه ملقى على الأرض في ساحة المهد ثم علقوا الجثة وسط الساحة، وحذرت نشرة الأخبار الأطفال من مشاهدة الجثة.

غضب الفلسطينيين ضد المتهمين بالتعامل مع إسرائيل “المتعاون” وصل ذروته السنوات الأخيرة، في الوقت الذي انهار فيه النظام الأمني الفلسطيني وتصاعدت عمليات الاغتيال التي تنفذها إسرائيل ضد نشطاء الانتفاضة والزج بالفلسطينيين للتجنيد لدى الموساد لتقديم المعلومات عن جيرانهم؛ مما أشعل الغضب ضدهم ودفع حركات المقاومة إلى تطبيق ذاتي للعدالة وحل القتل محل المحاكمات.

على مدار عقود اعتمدت القوات الإسرائيلية على معلومات من آلاف المتعاونين الفلسطينيين في عمليات قصفها القطاع أو إفشال مخططات التفجير داخل أرضها، وجندت إسرائيل العديد منهم بالإكراه أو المال أو تصاريح السفر أو العلاج الطبي – لكن هناك آخرين يعملون لحساب إسرائيل لأسباب أيديولوجية- ولإدراكهم عدم القدرة على هزيمتهم.

في السبعينات والثمانينيات كان التعاون مع الاحتلال بتسليمه مساحات من الأراضي الفلسطينية عبر “تجار الأراضي” الفلسطينيين، فيشترون الأراضي من السكان الأصليين ويبيعونها لليهود والمستوطنين، أو أن يستخدم الاحتلال عملاء سياسيين لإضعاف مرشحي المقاومة وإفشال الانتخابات، لكن ورغم كل ذلك يظل “المتعاون” أو المخبر على الأرض هو الأهم لتقديمه معلومات حول تحركات النشطاء وقادة الحركات وأسماء المتظاهرين حتى شكل هؤلاء المتعاونين بجهاز الاستخبارات الإسرائيلي الداخلي “شين بيت”.

احذر أثناء مرورك من معبر إيرز

على جانب غزة من معبر إيرز وضعت حماس لافتة كبيرة تحذر المسافرين من أن يتم تجنيدهم من قبل الإسرائيليين، المعبر هو الممر الإجباري للفلسطينيين المقيمين في غزة ليخرجوا إلى العالم في ظل إغلاق معبر رفح على الحدود المصرية، ويسمح فيه فقط لحالات إنسانية وبتصريح مسبق للمرور عبره، لكن سياسة الاحتلال تستغل حاجة المسافرين وغالبيتهم من المرضى الذين تفتقر مستشفيات القطاع إلى إمكانية علاجهم ليبيت المعبر وسيلة تستخدمها السلطات الإسرائيلية لاعتقال الفلسطينيين بعد الموافقة على إعطائهم تصاريح مرور عبره، ومكانًا لإجبارهم على التعامل مع إسرائيل استخباريًّا.

تحكي مراسلة إسوشيتدبرس للأنباء أنها وأثناء التحقيق وجدت
على الجانب الإسرائيلي من محطة العبور رجل أعمال فلسطيني دخل للتو من غزة جالسًا ينتظر شقيقه الذي عبر معه ولكنه احتجز من قبل موظفي الحدود داخل المحطة، وخلال لحظات جاءهم ملازم بالجيش النظامي الإسرائيلي يتكلم العربية اقترب من الرجل ووعده بالمساعدة في إطلاق سراح شقيقه، ولكنه طلب أولًا أن يجيبه على عشرات الأسئلة حول الحياة في غزة، مثل عدد المصانع التي تضررت في الحرب الأخيرة، وحديث الناس في الشوارع لمدة 15 دقيقة أجاب فيها الرجل على الأسئلة بتردد. وفي النهاية أصر الضابط على أخذ رقم الهاتف المحمول له ليظهر الأخ على الفور.

كيف يتم تجنيد المتعاون؟

“كل شيء يبدأ وينتهي بالمال”.

عبر معبر إيرز تسيطر إسرائيل على رقاب الفلسطينيين وقدرتهم على الحركة والعمل في مجتمع يبلغ عدد العاطلين بين 30-40٪ من البالغين، ليصبح من الطبيعي أن يظهر نفوذ المال الإسرائيلي، محاولات إسرائيل لا تتوقف مع الأطفال والصيادين في غزة ومع الشباب العاطلين والمرضى الذين يحتاجون لعلاج عاجل “كورقة ضغط”، ومن بين العروض المغرية بالنسبة للفلسطينيين فضلًا عن المال منحهم تصاريح سفر لإسرائيل، واستخدام معبر “إيرز” الحدودي للضغط على العمال الفلسطينيين ومنحهم وظائف في القدس، هذا بجانب الفلسطينيين المعارضين لحماس ويعارضون حكم قطاع غزة فهؤلاء من الأهداف السهلة.

في البداية غالبًا ما يطلب من المتعاونين إمداد الإسرائيليين بمعلومات قد تعتبر أنها غير ضارة مثل تقديم تقارير عن نوعية الملابس التي يتم نشرها خارج بعض الشقق المعينة لتجفيفها “خاصة إن كانت ملابس عسكرية”، إلا أن هذه المعلومات قد تؤدي إلى عمليات اغتيال مستهدفة من جانب القوات الإسرائيلية لأصحاب تلك الشقق، وفي حالات أخرى يطلب من المتعاونين الفلسطينيين نقل أموال نقدية إلى غزة لتوزيعها من أجل اجتذاب آخرين للعمل كمخبرين.

وهم العيش في إسرائيل

يتلقى المتعاونون وعودًا بخصوص جودة حياتهم في إسرائيل لكن في الواقع أن الدولة ليست لديها آلية لاستقبالهم ودمجهم، فعادة ما يعيش هؤلاء أوضاع بائسة، ربما يمنحون حق الإقامة بإسرائيل عدة أشهر قبل أن يطردوا خارجها ليعيشوا تحت الأرض مع عائلاتهم حيث لا تسمح إسرائيل باستخراج إقامة لذويهم.

يروى أن حوالي 2500 من عائلات المتعاونين توجهت للإقامة في إسرائيل بعدما وقعت إسرائيل اتفاقيات أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية لأنه بات من الخطر البقاء بفلسطين ليفاجؤوا بأن المؤسسة الأمنية تخلت عنهم مع عدم وجود تعريف محدد لهوية “المتعاون” وحقوقه.

قصص بين البطولة والضرورة

إعدامات المقاومة للمتعاونين تتم أمام الأهالي والأطفال لردعهم.

 

من أجل علاج طفله

أعدم زوج امرأة فلسطينية تبلغ من العمر 48 عامًا بالرصاص في 2012 من قبل نشطاء المقاومة في غزة بتهمة التجسس لصالح إسرائيل. ترك الزوج خلفه سبعة أطفال لامرأته التي سجنت من قبل حماس لمساعدتها زوجها وتحريضه. اعترفت المرأة بأن الأمن الإسرائيلي قبل عشر سنوات استغل المتاعب المادية لزوجها وقام بإغرائه بالتعاون معهم ومنحه تصريحًا للعمل في إسرائيل ليكون أول يوم عمل له بعدما سمحوا له بأن يأخذ واحدًا إلى إسرائيل لتلقي العلاج الطبي.

“كانت حياتنا جحيمًا. كنا خائفين دائمًا كنت أنظر حولي عندما أمشي في السوق، وأخاف عندما أرى سيارةً للشرطة” هكذا وصفت المرأة سنوات عمل زوجها بإسرائيل.

“نراك في تل أبيب”

قصة فادي قطشان جعلته واحدًا من ضحايا الحرب في فلسطين، توفي فادي الذي يبلغ من العمر 26 عامًا بلا رصاصة أو صاروخ يستهدفه، لكنه توفي بعد أن تعطلت قطعة طبية صغيرة تنظم ضربات قلبه ورفض السلطات الإسرائيلية السماح له بالخروج لتلقي العلاج الطبي
بعد طلبات استمرت عامًا كاملًا.

عرفت إسرائيل أن حياة فادي في خطر فرفضوا السماح لهم بالحصول على موعد في مستشفى فلسطين، وبعد أيام من طلبه الحصول على تصريح السفر من غزة، تلقى فادي مكالمة من شخص عرف نفسه بأنه من جهاز الاستخبارات الإسرائيلية كان يتحدث العربية وهو يخبر فادي أنه يعلم أن جهاز قلبه قد ينفجر في أي لحظة، وعرض عليه السفر بالفعل، لكن بمقابل التعاون، قيل لفادي إن عليه أن يتصل بالرقم الذي يظهر على شاشة هاتفه، لترتيب موعد عند معبر “إيرز” أغلق الرجل الهاتف وهو يقول “نراك في تل أبيب”. كان فادي يدرك مصيره وهو يحذف الرقم.

إسرائيل تتخلص من رجالها

” لقد عصرونا كالليمونة ثم رمونا. لقد خنت شعبي من أجلهم ووعدونا بمنافع جمة لكنهم لم يقدموا لنا سوى الكذب”.

عمل يوسف طيلة 12 عامًا لحساب جهاز الاستخبارات الإسرائيلية حتى شعر بالخوف عندما رأى مشاهد تنفيذ حكم الإعدام “بالمتعاونين” الفلسطينيين مع إسرائيل عبر شاشة التلفزيون في منزله، ورغم بعده عن الأراضي الفلسطينية التي غادرها نهائيًّا في عام 1995 للإقامة في مدينة اللد بالقرب من تل أبيب إلا أنه يوجه إصبع الاتهام بمرارة إلى رب عمله السابق لأنه لم يبذل جهدًا لحمايته من تهديدات حماس التي تريد رأسه.

قبل عام تلقى يوسف الذي كان يعمل سائق سيارة نقل اتصالات عدة على هاتفه تأمره بنقل ركاب إسرائيليين إلى الأراضي الفلسطينية على متن سيارته، وقال له أحد المتصلين المجهولين “إذا لم تقم بذلك، سنعرف كيف نعثر عليك” وبعد تحقيق سريع علم يوسف أن الاتصالات التي وردت إليه من رام الله، وقبل ذلك أطلق رجال شرطة فلسطينيون الرصاص على سيارته وهو ينقل زوجته إلى مكان بالقرب من رام الله، إلا انه عندما أخبر جهاز الاستخبارات الإسرائيلي لم يهتم حتى أنه أوقف عنه المال واليوم يطلب قطعة سلاح لحماية نفسه وبلغ به الأمر حد التظاهر أمام مقر إقامة رئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس.

حماس تثأر لرجالها ورصاصها يسبق العدالة

كتائب المقاومة الفلسطينية تعذب أحد المتعاونين بسحله في الشوارع.

 

حماس تفعل الكثير لوقف الجواسيس “حتى من خلال قتلهم علنًا ليصبحوا رادعًا للآخرين” خاصة وأنها حملتهم مسؤولية مساعدة إسرائيل في اغتيال العشرات من كبار شخصياتها، بعد آخر جولة من القتال في غزة أطلقت حماس النار على 22 من المشتبه بتجسسهم لصالح إسرائيل، وذلك بعد مقتل ثلاثة من القادة العسكريين من حماس في غارة جوية إسرائيلية مشكوك في أن “متعاونين” وشوا بهم.

ورغم خشية أوساط حقوق الإنسان بفلسطين زعم متحدث باسم حركة حماس أن الذين تم إعدامهم اعترفوا أثناء فترة حجزهم بعملهم كمخبرين لإسرائيل وهو المبرر الذي لم يقبله أحد القضاة الغزاويين حين قال: “ينبغي على جماعات المقاومة الفلسطينية أن يتسموا بالعدل والإذعان للقوانين ويكفي قتل إسرائيل العشرات من بيننا بصفة يومية”.

كانت هناك حالات حرجة لحماس، منها تجسس مصعب يوسف نجل مؤسس الجماعة الشيخ حسن يوسف لصالح إسرائيل بين عامي 1997 و2007. والذي اعترف بأنه فعل ذلك لاشمئزازه من تصرفات حماس وهو موجود الآن في الولايات المتحدة، ولكن الغالبية العظمى من المتعاونين مع إسرائيل يفعلون ذلك بسبب الابتزاز أو لتحقيق مكاسب مالية ثم لا يجدون تعاطفًا من الفلسطينيين وحتى عائلات بعض المتعاونين ليعتبروا إخوانهم “مثل السرطان في المجتمع باعوا أرواحهم للشيطان”.

أفلام تنقل قضية “المتعاون” لشاشة العالم

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=VJQzrfgfCtM” width=”800″ height=”450″ ]

بعد فترة حظرت فيها حركة حماس من الحديث عن “المتعاون” في الإعلام ظهر فيلمان اعتبراه قضيتهما: أولهما “بيت لحم” ويروي قصة مراهق فلسطيني متعاون مع إسرائيل وعلاقته بضابط المخابرات حائرًا بين الولاء للضابط ولشقيقه المقاتل الملاحق بتهمة الإرهاب، و”بيت لحم” هو أول فيلم للمخرج الإسرائيلي يوفال آدلر، الذي كتب السيناريو مع الكاتب الفلسطيني علي واكد.

الفيلم الذي نقل للعالم قضية المتعاون كان الفلسطيني “عمر” 2013 والذي رشح للأوسكار كأفضل فيلم غير ناطق بالإنجليزية ولاقى استحسان الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي حين تم عرضه ليس لدرامته، بل للاعتراف بوجود مثل هذه الشخصية، في البداية يظهر الفيلم كقصة حب بين شاب يعمل بمخبز يضطر يوميًّا إلى عبور الجدار العازل ليزور حبيبته السرية نادية متجنبًا خطر الموت تحت رصاص قناصة إسرائيل، لكن سرعان ما تتحول أحداث الفيلم لتورط عمر في قتل إسرائيلي وأثناء احتجازه يتم الضغط عليه ليقوم بأعمال تجسس أو يتم قتله ليصبح بين رجولته كفلسطيني وبين حياته المهددة مع تعقيدات علاقة عمر بالعميل الإسرائيلي رامي محور الأحداث.

 

المصادر

تحميل المزيد