يبدو أن العلم يسير بخطوات متسارعة نحو تنفيذ كل ما كنا نظنه سيظل خيالًا علميًا في الأفلام. اقتربنا من الرؤية عبر الجدران، واقتربنا من خلق شمس صغيرة على كوكب الأرض، وغيرها الكثير. لكن يبدو أننا سنذهب لما هو أبعد من ذلك: إلى الكائن «السيبراني»، أو «السايبورغ».

هل تذكر الجزء الثاني من سلسلة أفلام سبايدرمان «spiderman 2»، كان محور الفيلم يدور حول الدكتور «أوكتوبوس»، العالم العبقري المجنون، الذي تمكن من صناعة أربعة أزرع إلكترونية مدمجة بظهره، وعلى اتصال مباشر بجهازه العصبي، ما يمكنه من التحكم بها عبر الأوامر العقلية فقط، والاستفادة من إمكانياتها الإلكترونية والميكانيكية معًا. هذه الأذرع أيضًا تحتوي على خلايا بشرية حية ما يجعل لها إرادتها الخاصة، التي تُمكّن «أوكتوبوس» من السيطرة عليها وتطويعها لخدمته، ليصبح معه آلة ذكاء صناعي مميزة وقوية.

نعم، نحن في طريقنا إلى أن تصبح هذه التكنولوجيا المميزة، حقيقةً. ويبدو أن فكرة تعزيز قدرات البشر بإمكانيات إلكترونية وميكانيكية وحيوية في ذات الوقت، أصبحت على بعد خطوات من متناول أيدينا. لقد استطاع العلماء بالفعل من التحكم التام في بعض الحشرات عبر أوامر إلكترونية أو كهربائية.

بحث مدهش عن السايبورغ أو الكائن السيبراني

تمكن الباحث الياباني «هيروتاكا ساتو»، وفريقه في جامعة «نانيانغ» للتكنولوجيا، بسنغافورة، من تركيب أقطاب كهربائية في نوع معين من الخنافس، معروف باسم «خنافس الزهرة flower beetles»، والمعروفة علميًا باسم «Mecynorrhina torquata»، وذلك بغرض تحفيز مجموعات عضلات معينة موجودة في أرجلها.

ومن خلال تغيير تسلسل التحفيز الكهربائي بترتيبات معينة، تمكن الفريق من السيطرة على مشية الخنافس. وعبر تغيير مدة الإشارات الكهربائية المرسلة عبر هذه الأقطاب ، تمكن العلماء أيضًا من تغيير سرعة المشية وطول الخطوة، وذلك طبقًا لما نشره فريق العمل على مجلة الجمعية الملكية العلمية المتخصصة.

العلماء في السابق تمكنوا بالفعل من الحصول على حشرات مختلفة، يمكنها الطيران والعدو والزحف، لكن العملية الخاصة بسيطرتنا على أمور التحكم مثل سرعة المشي وغيرها، قد تمنحنا القدرة على توجيه هذه الحشرات لأداء مهام أكثر تعقيدًا. من هنا تأتي أهمية هذه التجربة الناجحة والفريدة لفريق «هيروتاكا ساتو» في سنغافورة.

عن السايبورغ

هذا النوع من الكائنات يمكن أن نطلق عليه اسم «سايبورغ cyborg» وهي كلمة مختصرة لمصطلح كائن سيبراني cybernetic» organism»، إشارةً إلى الكائنات التي تمتلك أجزاءً عضوية وأخرى بيوميكاترونيك (أي دمج عناصر ميكانيكية وأخرى إلكترونية وثالثة حيوية). وقد أُطلق هذا المصطلح لأول مرة عام 1960 من قبل «مانفريد كلاينس» و«ناثان كلاين».

هذا المصطلح يختلف عن مصطلحات مشابهة أخرى مثل «بيونيك bionic» أو «بيوروبوت biorobot»، وهما مصطلحان يُعبران عن إنسان آلي في الأساس، ببعض الأجزاء البشرية أو الحيوية. لكن مصطلح «سايبورغ» أو «الكائن السيبراني» ينطبق على كائن حي في الأساس، استطاع استعادة وظيفته أو تعزيز قدراته، من خلال دمج بعض المكونات الاصطناعية، أو بعض التكنولوجيا، على نوع معين من ردود الفعل. هذه التكنولوجيا هي التي نتحدث عنها في تجربة ساتو ورفاقه.

ولا يشترط أن يكون الكائن السيبراني بشريًا أو ثدييًا؛ إذ يشمل المصطلح أي نوع من أنواع الكائنات الحية. ويعتقد العلماء أن تكنولوجيا السايبورغ هذه ستكون جزءً من ثورة ما بعد البشرية، حين يتم تعزز البشر بشكل صناعي من خلال منحهم بعض القدرات المميزة والخاصة.

السايبورغ

هل بدأ عصر الكائن السيبراني؟


تكنولوجيا «الكائن السيبراني»

وتستخدم أنسجة «الكائن السيبراني» المتكونة من أنابيب كربونية نانوية، وخلايا نباتية أو فطرية، في هندسة الأنسجة الصناعية، وذلك بغرض إنتاج مواد جديدة للاستخدامات الميكانيكية والكهربائية. هذا المنتج تم تقديمه في أحد المؤتمرات العلمية عام 2013، وتميز نسيج السايبورغ المنتج، بقلة تكلفته وخفّته،وامتلاكه خصائص ميكانيكية فريدة من نوعها. كما يتميز هذا النسيج أيضًا بقدرتنا على تشكيله بالصورة التي نفضلها.

ومن بين التطبيقات الصناعية الحالية لتكنولوجيا السايبورغ، ثمّة نظام يُدعى «C-leg»، طورته شركة «أوتو بوك Otto Bock» للرعاية الصحية؛ لتكون بديلًا عن ساق الإنسان المبتورة بسبب إصابة أو مرض ما. استخدام أجهزة استشعار في هذه الساق الصناعية، ساعد بالفعل في السير بصورة طبيعية، من خلال تكرار نموذج المشية الطبيعية التي تم برمجة هذه الساق بها.

وتعتبر هذه الساق الصناعية وما يشابهها من الأطراف الصناعية، الأكثر تقدمًا هي بداية الخطوات الحقيقية، نحو الجيل الجديد لتطبيقات الكائن السيبراني في العالم الحقيقي. أضف إلى هذا عمليات زرع قوقعة الأذن والزراعات المغناطيسية التي يمكنها ان تعيد حاسة معينة فقدها الإنسان.

ومن التطبيقات المميزة لهذه التكنولوجيا أيضًا، هو ما تم في مجال علوم الإبصار: إذ استُخدمت عملية زراعة مباشرة داخل المخ لعلاج العمى غير الوراثي. أول العلماء في مجال الوصول إلى الدماغ لنتمكن من الإبصار مُجددًا، هو «وليام دوبيل». وقد قام دوبيل بأول تجربة له عام 1978، عندما قام بزراعة أقطاب كهربية وصل عددها إلى 68 قطب، في منطقة القشرة البصرية بدماغ أحد الأشخاص المصابين بالعمى؛ لينجح في تحفيز المخ على إفراز المواد الكيميائية، التي تساعد على عملية الإبصار والحساسية تجاه رؤية الضوء. وقام دوبيل أيضًا بتركيب «مظامر» كاميرات محمولة ترسل إشارات مباشرًة لمنطقة الزرع.

وبعد أبحاث طويلة على أيدي علماء عديدين، تمكن فنان بريطاني مصاب بعمى ألوان كامل عام 2004، من ارتداء نظارة من نظارات السايبورغ على رأسه؛ من أجل إدراك الألوان عبر حاسة السمع. وقد تم اعتماد جواز سفر لهذا الفنان، يحتوي على جهاز سايبورغ هذا في الصورة؛ من أجل اعتماد الجهاز كجزء من شخصيته. في عام 2012، وخلال إحدى مؤتمرات «تيد TED» العالمية ذكر هذا الفنان أنه لم يكن يشعر بأنه كائنٌ سيبراني في بداية ارتدائه للنظارة، لكنه أصبح يشعر بهذا الإحساس بالفعل، عندما لاحظ أن برمجة النظارة توحدت مع برمجة عقله، ما أعطاه حاسة جديدة.

الكائن السيبراني من الأفلام إلى الواقع

وفكرة السايبورغ أو الكائن السيبراني هذه، لم تكن وليدة العلم في الحقيقة، لكنها ظهرت لأول مرة في عدد من الأفلام والمسلسلات التليفزيونية. من أشهر الكائنات السيبرانية كان «أليكس مورفي»، في فيلم «روبوكوب» الشهير. الشرطي المميز الذي تعرض لإصابات بليغة تسببت في فقدانه لجزء كبير من جسمه، ليتم تحويله لتجارب خاصة بدمج أجزاء آلية، ليخرج لنا في النهاية في صورة الشرطي الآلي الذي يمكن برمجته، لكنه لايزال محتفظًا بصفاته وذكرياته البشرية.

من الشخصيات السينمائية أيضًا، كان ما حملته لنا سلسلة أفلام «تيرميناتور terminator»، وعلى رأسهم الممثل الأمريكي الشهير «أرنولد شوارزنغر»، الذي قامت بصناعته برمجيات «سكاينت»، التي تمكنت من السيطرة على العالم والبدء في عمليات إبادة تامة للبشر. قد يظن البعض أن شواريزنغر في الفيلم يمثل إنسانًا آليًا في شكل إنسان، لكن الحقيقة أنه كان يمثل أنسجة بشرية عضوية تم تركيبها في هيكل آلي، وبالتالي فهي نوع من أنواع سايبورغ، وليس بيوروبوت.

وفي سلسلة حرب النجوم «star wars» الشهيرة ظهرت لنا مجموعة من السايبورغ، مثل «دارث فيدر» «Darth Vader»، وهو الشخصية التي تجسد دور الشر، مرتدية القناع والزي الأسود، وكان في الأساس إنسان، لكنه تحول لآلة عندما انضم للجانب المظلم، لكن لاتزال بعض الإنسانية موجودة بداخله.

عرض التعليقات
تحميل المزيد