لم تعد زيارة وزير الخارجية الأمريكية جون كيري قبل بضعة أيام إلى تركيا زيارة دبلوماسية، تسعى إلى تقوية العلاقات الثنائية بين البلدين، وتنمية القدرات الاقتصادية والثقافية، بل حملت في طياتها الكثير من الخفايا والمصالح، بالتزامن مع” ضجيج” الحديث عن تنظيم الدولة الإسلامية، وتغلغله في ربوع سوريا والعراق بين الفينة والأخرى.

ومن المتعارف عليه أن تركيا والولايات المتحدة الأمريكية توصلتا إلى اتفاق يتضمن ثلاث قضايا، وعلى رأسها “تقاسم المعلومات الاستخباراتية بين البلدين على الحدود مع سوريا جراء انتقال مقاتلي تنظيم ما يعرف بـ”داعش” إلى سوريا من الغرب عبر تركيا”.

الدولتين أكدتا على مواصلة تقديم الدعم اللوجستي للمعارضة السورية، واستمرار تقديم الدعم الإنساني وإذا تطلب الأمر استخدام القواعد الجوية التركية، وإن كانت الأخيرة لم تبد رأيها، لوجود بعضا من رهائنها في أيدي قوات التنظيم، فضلا عن عدم القيام بدور فعال في التحالف الدولي المقترح للقضاء على تنظيم الدولة.

 

ضغوط مستمرة

وبالتالي، فإن وصول كيري إلى أنقرة يوم الجمعة الماضي يأتي في محاولة لضمان مزيد من التعاون من جانب الحكومة التركية، خاصة بعد اجتماعه مع ممثلي 10 دول عربية في جدة بالمملكة العربية السعودية، اتفقوا على أن يؤدوا “حصتهم” في القتال الشامل ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

ويشار إلى أن أنقرة لم توقع على البيان المشترك الذي صدر عن عشر دول عربية والولايات المتحدة بجدة، والداعي للتنسيق لمحاربة تنظيم الدولة، حيث تخشى تركيا في الوقت نفسه من تهديد حياة 46 من رعاياها يحتجزهم مسلحون منذ يونيو/حزيران في الموصل شمالي العراق.

لكن على الرغم من ذلك، تمارس الولايات المتحدة ضغوطات على الحكومة التركية من أجل إقناعها بالانضمام للتحالف الدولي ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، غير أن أنقرة تتحفظ في نهج هذا التوجه بسبب وجود رهائن أتراك في أيدي التنظيم، مما يجعلها في مأزق كبير.

وإذا ما وافقت تركيا فعليا على المقترح الأمريكي للقضاء على” داعش” فإن جملة من التهديدات ستتلقاها بين لحظة وأخرى من أفراد التنظيم، والذين وجهوا رسائل عدة، أبرزها استهداف السياح الغربيين علي أراضيها.

 

تعتيم إعلامي!

وذكرت صحيفة “ديلي ستار” البريطانية أن ‘الدولة الإسلامية هددت تركيا باستهداف السياح ورجال الأعمال الغربيين المتواجدين على أراضيها إذا ما قامت تركيا بتوقيع الاتفاقية الرامية إلى وضع حد لتمدد التنظيم في سوريا والعراق.
وأشارت الصحيفة إلى أن البريطانيين غالبا ما يتمتعون بقضاء أيام العطلة الصيفية في بلادهم على شواطئ تركيا المحاذية لسوريا، حيث قامت مجموعات مؤيدة للدولة الإسلامية بتوزيع منشورات تهدد الناس المتواجدين على تلك الشواطئ ومن ضمنهم الغربيين في محاولة للضغط على الحكومة التركية لتحييدها عن المشاركة في التحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية من خلال تهديد مصالحها الاقتصادية.
ولتجنب الجدل في أوساط الرأي العام التركي، فرضت الحكومة التركية تعتيمًا إعلاميًا على موضوع الرهائن، إلا أن ذلك لم يحل دون تسريب بعض التفاصيل إلى الرأي العام، فحسب معلومات حزب الشعب الجمهوري المعارض، تم تقسيم الرهائن إلى ثلاث مجموعات متفرقة لجعل محاولات تحريرها أمرا صعبا.
وبينما تشكل الحدود التركية السورية ممرا لدخول المقاتلين والأسلحة إلى سوريا، يتم أيضا تهريب الأطنان من الوقود إلى تركيا من المناطق الخاضعة لسيطرة “الدولة الإسلامية” في سوريا، إلى جانب استخدام الشاحنات والأنابيب البلاستيكية والبراميل لإيصال هذه السلع إلى الجزء التركي من الحدود.

 

دور محوري

وتعقيبا على ذلك، يرى رئيس مركز الدراسات الاقتصادية والسياسة الخارجية في إسطنبول، أولجن سنان، في أحد تحليلاته الأخيرة، أن الموقف التركي بخصوص “الدولة الإسلامية” تغير حاليًا لعدة أسباب، من بينها تضرر الصادرات التركية إلى العراق بعد سيطرة الجهاديين على مناطق واسعة من العراق، وأيضا بسبب انتقاد الشركاء الغربيين لموقف تركيا المتراخي تجاه مقاتلي “داعش” بالإضافة إلى التخوفات من احتمال قيام مقاتليها بهجمات إرهابية على تركيا.
ولذلك قامت أنقرة بتشديد إجراءات المراقبة على حدودها المتاخمة مع سوريا والتي تبلغ 900 كيلومترا، وحسب الخبير أولجن أيضا، فقد ارتفع عدد الأشخاص الذين منعتهم تركيا من دخول أراضيها للاشتباه بهم، من حوالي ألف شخص بداية هذا العام إلى 5300 شخص بعد مرور نصف عام.
بحكم حدودها الشاسعة مع سوريا والعراق يمكن لتركيا أن تلعب دورا محوريا في الحرب الدولية ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، بيد أن حرص أنقرة على حياة الرهائن المحتجزين لدى “داعش” بالإضافة إلى السياسة التي انتهجتها سابقا والتي وصفت بالتساهل مع مجموعات متشددة مثل داعش، قد يعرقل هذا الدور.
وكان وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيغل قد وصف تركيا خلال لقائه في أنقرة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في الثامن من الشهر الجاري بأنها الشريك الذي لا يمكن الاستغناء عنه في مكافحة تنظيم “الدولة الإسلامية”.

غير أن أردوغان لم يقدم وعودًا صريحة للوزير الأمريكي، ووفقا لتقارير صحفية، فقد سمحت تركيا للولايات المتحدة باستخدام قاعدة انجرليك الجوية، الواقعة على بعد مائة كيلومتر من الحدود السورية، للقيام برحلات استطلاعية في العراق، غير أن أنقرة لم تسمح باستخدام أراضيها لشن هجمات مسلحة على “التنظيم” وفق ما نشرته صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية.

المصادر

تحميل المزيد