إبراهيم الهواري
إبراهيم الهواري

1,036

أثار خبراء الاتحاد الإفريقي للسلم والأمن مخاوف كبيرة من تنامي ما أسموه بالإرهاب والفكر المتطرف في منطقة الساحل ووسط إفريقيا، وجاء في سلسلة من الملتقيات تحتضنها الجزائر هذه الأيام، حسب وكالات الأنباء، وجود مصاعب أمنية لدى القارة السمراء بخصوص ترحيل المهاجرين غير الشرعيين، وتزايد الأفكار الانتقامية داخل الدول المشاركة في الصراعات والنزاعات المسلحة.

وأعرب المشاركون عن تخوفهم من عودة المقاتلين في العراق وسورية، إلى بلدان الصحراء وجنوب الصحراء، وفي نفس المشهد تلقى «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) ضربات قوية في مدينة سيرت الليبية على يد مجموعات ليبية، بالإضافة إلى تراجع تهديداته في الأراضي التونسية خلافًا للسنوات الماضية.

هنا ظهرت القاعدة في إفريقيا

وتعتبر منطقتا القرن والساحل الإفريقيين معاقل تاريخية لتنظيم «القاعدة»، وتم الإعلان عن الوجود الفعلي في شرق إفريقيا عام 1996 من قبل «أسامة بن لادن» وتفجير السفارة الأمريكية في كينيا عام 1998، كما أن الحضور القوي في الساحل الإفريقي وجنوب الصحراء هو الآخر عرف تقريبًا مع مطلع الألفية الحالية، بنزوح المجموعات المتشددة من الجزائر وأفغانستان وجنوب ليبيا نحو الصحراء وجنوبها.

ويقول الباحث الموريتاني، «محمد محمود أبو المعالي»، إن أصول «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» تعود إلى ما عرف في بداية تسعينات القرن الماضي «الجماعات الإسلامية المسلحة في الجزائر» والتي ظهرت عقب إعلان السلطات في الجزائر إلغاء المسار الانتخابي بداية 1992 بالانقلاب على نتائج الانتخابات التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وحظر الحزب واعتقال قيادييه ومجموعة من المحسوبين عليها.

وتتقاطع منطقة الساحل في التواجد بين تنظيم القاعدة و«تنظيم الدولة»، حيث تغلب جماعات القاعدة بشكل واسع في المنطقة التي تعتبر معقلًا للجهاديين المتشددين، وينحدر أصل هذه الجماعات من الجزائر وليبيا وتونس وموريتانيا، والتي كانت تقاتل هناك بالعقود الماضية، إلى أن جاءت الحملة الفرنسية على شمال مالي، وتحولت المنطقة إلى حلبة صراع ونزال أمني.

وهنا ظهر «تنظيم الدولة»

لم يُعرف «تنظيم الدولة» في المنطقة الإفريقية، إلا مع اندلاع ثورات ما يعرف بالربيع العربي، وفي خضم التظاهرات ورياح التغيير التي قادتها الشعوب ظهر «تنظيم الدولة» في أكثر المناطق حرارة بالحرب، وهي العراق وسوريا، وبدأ في الانتشار بمناطق مختلفة، كشبه جزيرة سيناء، وفي غزة، وشرق ليبيا، وشمال نيجيريا، وغرب الصومال، وداخل تونس، والجزائر، وموريتانيا، وأصبح التواجد متعددًا بتعدد الجنسيات والأوطان.

وتبنى التنظيم بعدها تفجيرات واختطافات عديدة في القارة الإفريقية وخارج القارة، كالتفجيرات السابقة في الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا وبلجيكا وألمانيا وتركيا والسعودية والأردن والكويت ولبنان، وغيرها من المناطق التي كانت تعتبر آمنة ومستقرة وبعيدة عن النزاعات الأمنية والعسكرية.

وفي الإعلام الدولي يسلط الضوء، على مدينة سيرت الليبية، كمعقل ومؤشر للتقدم والتراجع الذي يحظى به «تنظيم الدولة» في إفريقيا، وبالإضافة إلى ما يجري في شبه جزيرة سيناء مع أنصار بيت المقدس التي تعتبر أحد التنظيمات المحسوبة على دولة البغدادي، يوجد في الكثير من المناطق في إفريقيا مجموعات بايعت «تنظيم الدولة»، ولم تنقل عنها وسائل الإعلام أحداثًا على هذا الأساس.

وحقق التنظيم انتصاراته الكبيرة بالقارة، بعد مبايعة «بوكو حرام» له في نيجيريا، وكذلك مع انقسام القاعدة في المغرب الإسلامي، ومبايعة فصيل من المرابطين له بقيادة «عدنان أبو وليد الصحراوي»، كما أن حركة شباب شرق إفريقيا في الصومال هي الأخرى استعرضت عمليات تقول صحف محلية إنها ذات علاقة بالتنظيم، واعتمدت على نشر مقاطع فيديو كالتي يسوقها التنظيم في سوريا والعراق وليبيا.

كيف التحق جزء من القاعدة بـ«تنظيم الدولة»؟

وفي أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2015، أرسل تنظيم الدولة ممثلين عنه للتفاوض مع تنظيمات القاعدة، وإعلان المبايعة والانتماء، إلا أن جزءًا كبيرًا من هذه الجماعات رفضت الانخراط في المسعى الذي أراده تنظيم «أبي بكر البغدادي».

ومن خلال بوكو حرام أصبح لتنظيم داعش حضور قوي في وسط وغرب إفريقيا، حيث سيطرت الجماعة منذ عام 2014 على أكثر من 35% من مساحة نيجيريا، ولم تتمكن الحكومة من التصدي لهذا الزحف الجارف، لأحد أخطر الجماعات الدينية المسلحة في القارة والعالم.

وزادت معاناة «تنظيم الدولة» من خلال تجديد «مختار بلمختار» زعيم المرابطين والجهاديين في الساحل والغرب الإفريقي للقاعدة، وكان بلمختار قد تعرض لمحاولات اغتيال عديدة من مجموعات مسلحة كانت تابعة له في وقت سابق، لكن الأخبار تشير إلى وجود خسائر كبيرة لدى المجموعات المنشقة، والتي بايعت التنظيم.

أمريكا تحذر من امتداد تنظيمات التابعة لـ«تنظيم الدولة»

وفي نفس السياق، أعلنت الإدارة الامريكية أن الإرهاب سيضرب بقوة في منطقة الشمال الإفريقي، كما أعلنت مراكز دراسات وأبحاث غربية بأن القاعدة في المنطقة بدأت تسترجع نفوذها وقوتها على حساب «تنظيم الدولة»، وتحدثت الولايات المتحدة بوضوح عن مواصلة الجماعات المتطرفة التابعة للتنظيم في ليبيا للهجمات، وتنفيذ تهديداتها، وتسويق سياسة عدم الاستقرار إلى بقية البلدان.

وقالت الناطقة باسم شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للخارجية الأمريكية، أثناء حديثها عن الوضع الليبي «نحن مستعدون لمساعدة حكومة الوفاق الوطني، في الوقت التي تدافع فيه من أجل استعادة سرت، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة ملتزمة بالعمل مع المجلس الوطني الانتقالي والليبيين في جميع أنحاء البلاد والشركاء الإقليميين في محاربة داعش والمنظمات المتطرفة الأخرى».

وفي دراسة نشرها مؤخرًا معهد أبحاث السياسة الخارجية الأمريكي، حاولت كاتبة الدراسة «فيش ساكتيفال» تسليط الضوء على نقص دعم الغرب للتيار الصوفي في منطقة الشمال الإفريقي، والوقوف في وجه امتداد الجماعات المتطرفة، وتنتقد تحويل الساحل الإفريقي إلى منطقة صراعات ونزاعات دولية، دون الاستعانة بتقوية التيار المعتدل حسب الكاتبة.

2500 «متطرف» في طريقهم إلى الساحل

ومع تزايد الاهتمام الدولي بضرورة القضاء على «تنظيم الدولة» في مختلف مناطق العالم، ومع تقلص نفوذه في المعقل الرئيس في العراق وسوريا بعد هجمات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، انعكس هذا الأمر على مختلف فروعه في المناطق الأخرى، وخاصة إفريقيا.

وهذا ما يشكل عودة تنظيم القاعدة إلى الواجهة، وحتمية الصراع المحتدم في الساحل الإفريقي، وتنامي عوامل أخرى مثل التهريب والمعارك مع الجيوش الغربية كفرنسا وألمانيا وامريكا حاليًا بشمالي مالي والنيجر، ويصف مفوض مجلس الأمن والسلم للاتحاد الإفريقي إسماعيل شرقي الظاهرة بالمعقدة، كما يدعو الحكومات الإفريقية إلى إيلاء منطقة الساحل الأهمية القصوى، خاصة مع مخاوف عودة أكثر من 2500 إرهابي فار من سوريا والعراق عبر اليمن والصومال إلى مواطنهم الأصلية في إفريقيا.

تعليقات الفيسبوك