عبد الله كمال 6
عبد الله كمال 6

6,407

حين يُعاقب طفل لهفوة اقترفها، يسمح حسب التقاليد الجبلية بضربه في أيّ مكان إلا على وجهه. فالوجه البشري لا يمسّ، وهذا قانون بالنسبة لأي جبلي. أنتِ وجهي يا داغستان، وإني لا أسمح بأن يمسّكِ أحد. *الشاعر الداغستانيّ رسول حمزتوف

بين جبال القوقاز الساحرة، حيث ترسم الجبال الخضراء الشاهقة لوحة طبيعيّة ساحرة، تبرز منطقة ذات أغلبية مسلمة في جنوب روسيا الاتحاديّة، تعرف بثوراتها وتمرّداتها التي لا تنتهي، وبمقاتليها الأشداء الذين يحترفون الرياضات القتاليّة منذ سنّ صغيرة، وبذلك اشتهروا في كل أنحاء العالم بقوّتهم الجسديّة وبراعتهم في فنون القتال، إنها جمهوريّة داغستان.

إذا كنت من متابعي رياضة الفنون القتاليّة المختلطة (mma) فإنّك بلا شكّ سمعت ببطل العالم حبيب نور محمّدوف الذي صار اسمه على لسان الإعلام الرياضي في مختلف أنحاء العالم، وجعل الكثيرين يبحثون عن المنطقة غير المعروفة التي ينحدر منها، والتي صارت مؤخّرًا مصنعًا لإنتاج المقاتلين الأقوياء.

Embed from Getty Images

حبيب نور محمّدوف في آخر مباراة له

«حبيب» ليس البطل الرياضيّ الوحيد الذي خرج من داغستان ووصل إلى العالميّة، إذ تبرز عدّة أسماء في الرياضات القتاليّة الأخرى، بالذات في رياضة المصارعة التي يتخصّص فيها الداغستانيّون. يُذكر في هذا السياق اسم عبد الرشيد سعد الله اف، الذي رغم سنّه الصغير البالغ من العمر 22 سنة، قد حاز على الميداليّة الذهبيّة في المصارعة في أولمبياد ريو 2016، بالإضافة إلى العديد من البطولة العالميّة والقاريّة.

تريد أن تسافر في العام الجديد؟ هذه هي أفضل الأماكن السياحية لعام 2017

لماذا تخرّج داغستان المقاتلين الأشدّاء؟

لا تُعرف داغستان بالمقاتلين الأشدّاء فقط، فهذه المنطقة ذات طبيعة خلاّبة بجبالها وأراضيها الساحرة، فنتيجة لتضاريسها الجغرافية الوعرة وطبيعتها الديموغرافيّة القبليّة شديدة التنوّع؛ وقد كانت طوال مئات السنين ساحة للحروب والتقلبات السياسيّة بين مختلف الأطراف التي سعت لبسط نفوذها عليها، بينما تواصل داغستان المقاومة من أجل سيادتها، ضد أي تأثير أجنبي يسعى لبسط نفوذه على السكان المحلّيين المتمسّكين بنظم حكم قبلية تقليدية سائدة منذ عشرات القرون، متمثّلة في النظام التقليديّ المسمّى «عادات»، وقيم إسلاميّة صوفيّة شديدة الرسوخ في نفوس الداغستانيين، تُورثت من الأجداد إلى الأحفاد، جيلاً بعد جيل منذ الطفولة.

وتعيش في داغستان أعراق شديدة التنوّع، من آفار ودارجين وأذربيجان وشيشان وغيرها الكثير، كما تعرف تنوّعًا شديدًا في اللغات التي تصل إلى 30 لغة، يتحدّث بها السكّان الذين لا يتجاوزون الثلاثة ملايين نسمة؛ أشهرها الروسيّة والآفاريّة والأذربيجانيّة والآغول وغيرها، حتى العربيّة التي كان لها حضور بارز في داغستان بفضل عامل الدين الإسلاميّ الذي يدين به أغلبية الداغستانيّين.

Embed from Getty Images

أطفال يدرسون القرآن في داغستان

لكن لماذا تُعرف هذه المنطقة دون غيرها بالمقاتلين الأشدّاء، وبتخريجها لأبطال العالم في المصارعة والرياضات القتاليّة المختلفة؟ منذ سنّ مبكّرة، يُدرج الكثير من الآباء أبناءهم في مدارس خاصّة بالفنون القتاليّة، فبالإضافة إلى تدريس هذه المدارس لمختلف العلوم الأساسيّة كالرياضيات واللغة وغيرها؛ تركّز على الفنون القتاليّة بنظام صارم، إذ لا يُسمح في بعض المدارس للطالب بالعودة إلى بيته إلاّ يومًا واحدًا كلّ شهر.

وتعمل الطبيعة الريفيّة الجبليّة الوعرة دورًا هامًّا في تخريج هؤلاء المقاتلين، إذ إنّ المهام التي تتطلّب قوّة جسديّة وبنية رياضيّة في هذه المنطقة أكثر انتشارًا في الحياة اليوميّة، عكس حياة المدن والمناطق الحضاريّة حيث تغيب هذه المهام، وتعرف بالسهولة النسبية وانعدام النشاطات التي تتطلّب جهدًا بدنيًّا.

ومع زيادة شعبيّة الرياضات القتاليّة حول العالم، بالخصوص رياضة الفنون القتاليّة المختلطة (mma) أو «نزال القفص»، وبروز بطولات رياضيّة عالميّة بلغ متابعوها الملايين كبطولة UFC الأمريكيّة؛ فإن ذلك زاد من أسهم المقاتلين الداغستانيين الذين يُعرفون بتفوّقهم في هذه المنافسة، وقد أصبح اسم الداغستاني حبيب نور محمّدوف، أحد أبرز نجوم هذه الرياضة في العالم.

يقول علي كايتوكوف، الرياضيّ السابق في بطولة UFC؛ إنّ هؤلاء المقاتلين يشاركون في مثل هذه المنافسات بسبب الأوضاع المعيشيّة الصعبة وانعدام فرص العمل، خصوصًا أنّ النجاح في هذه المنافسات وتحقيق الفوز في أمريكا يتيح لهم الحصول على مبالغ خياليّة، وبالتالي دخلاً ماديًّا يكفي ليُعيل أسرهم وأصدقاءهم وجيرانهم الفقراء في القرى الداغستانيّة.

في تقرير للنيويورك تايمز، أوضح أهمية هذه الرياضات القتاليّة في جذب الشباب وتجنيبهم الانضمام إلى الجماعات المسلّحة التي تنشط في منطقة القوقاز (في داغستان والشيشان بشكل أكبر) منذ التسعينيات، وقد عرفت هذه الجماعات دفعات جديدة من المجنّدين بعد الحرب السوريّة التي شاركت فيها مجموعات قتاليّة من داغستان والشيشان، انضمّ بعضها للدولة الإسلاميّة (داعش).

بعضهم يتجسس لصالح روسيا والآخرون يقاتلونها بضراوة.. قصة الشيشانيين في سوريا

«وطنٌ حنون».. تاريخ داغستان الحافل بالمقاومة ضدّ الهيمنة الأجنبيّة

شيئان في هذه الحياة يستحقان الصراع، وطن حنون وامرأة رائعة!

الاقتباس السّابق كان من الكاتب والشاعر الداغستانيّ رسول حمزتوف؛ وهو يعبّر بشكل عميق عن تعلّق الداغستانيين بأراضيهم الشاهقة واستعدادهم الدائم للصراع من أجلها كما أثبتوا ذلك على مرّ التاريخ.

وصل الفتح الإسلاميّ إلى داغستان في وقت مبكّر؛ إذ كان الصحابيّ سُراقة بن عمرو عند مشارف مدينة «دربند» أو «باب الأبواب» كما سمّاها العرب، كبرى المدن الداغستانيّة، منذ سنة 20 للهجرة (641 للميلاد)، وقد عرفت داغستان نوعًا من الاستقلاليّة والحكم المحليّ في جبالها نتيجة الطبيعة الجغرافيّة الصعبة التي تعرف بها، بالإضافة إلى التنوع الشديد في أعراقها ولغاتها، حتّى سمّاها العرب «جبل اللّغات» بسبب هذا التنوّع في اللغات المستعملة بين سكّانها، فتمتّعت بفضل ذلك باستقلال مُعتبر عن أبرز الإمبراطوريّات القريبة منها، التي كانت تحاول بسط نفوذها عليها، كالروس وفارس.

بتموقعها شمال جبال القوقاز، 1300 كم عن العاصمة الروسيّة موسكو، بالإضافة إلى تركيبتها الجغرافية الوعرة من جبال وأنهار، وتشكيلة سكّانية فسيفسائيّة، متكوّنة من عدّة أعراق ولغات مختلفة؛ فإنّ داغستان الخيار الأمثل لأي نشاط عسكريّ يتّخذ أسلوب حرب العصابات. هذا ما ما سمح لسكّانها منذ القدم بالحصول على استقلاليّة معتبرة عن أيّ قوى خارجيّة أخرى تريد السيطرة عليها.

Embed from Getty Images

جبال داغستان

في القرن السادس عشر، حاول القياصرة الروس السيطرة على داغستان في عهد القيصر «إيفان الفضيع» من خلال بناء القلاع العسكريّة حولها، وفي سنة 1722، بدأ القيصر «بيتر الأوّل» أولى محاولات التدخل العسكريّ الروسيّ في داغستان، فاحتلّ مدينة دربند وما يحيط بها، ثم تخّلى عنها لمملكة فارس بسبب التهديدات العسكرية التي كانت تهدّد روسيا من جهات أخرى.

هذا التدخّل العسكري الروسيّ في داغستان صاحبه تدفّق لعدّة قبائل وأعراق روسيّة إلى داغستان، وقد كانوا بدرجة أولى من المسيحيين الأورثوذوكس، ممّا عنى أنّ عاداتهم وطقوسهم مختلفة جذريًّا عن العادات الإسلاميّة التي يتّصف بها السكان المحليّون في داغستان، وذلك ما حفّز القبائل الداغستانيّة المسلمة على التوحّد تحت راية الشيخ منصور أوشورما، من أجل إنهاء الوجود الروسيّ في داغستان، وقد شاركت في هذه المقاومة المسلّحة الشبكات الصوفيّة التقليديّة، وألحقت عدّة هزائم بالروس، من خلال حرب العصابات الملائمة تمامًا للطبيعة الجغرافيّة الصعبة التي تُعرف بها جبال داغستان.

استمرّت مقاومة الداغستانيين للهيمنة الروسيّة عدّة سنوات، كانت الطريقة الصوفيّة المعروفة بـ«النقشبنديّة» – وهي الأكثر انتشارًا في داغستان –  المحرّك الرئيس لها، من خلال مرشدها المُلاّ محمد يرافكسي، الذي خلفه عدّة قادة كان أبرزهم زعيم المقاومة المعروف «شامل»، إذ استمرّت مقاومته لنظام القياصرة الروس 25 سنة.

Embed from Getty Images

الإمام شامل

أثناء وصول البلاشفة الروس إلى السلطة والإطاحة بنظام القياصرة في بدايات القرن العشرين؛ كانت داغستان أشبه بساحة الحرب بين الطرفين، وقد قام السكان بقيادة الطرق الصوفيّة بثورة من أجل تحرير داغستان من بقايا الحكم القيصريّ، وانضمّ إلى الثورة بعض البلاشفة الماركسيون أيضًا.

في بدايات الاتحاد السوفيتي عرفت داغستان انقسامات قبليّة بسبب تنوّع الأعراق واللغات، كما تواصلت الانتفاضات ضدّ الحكم السوفيتي الذي رأى فيه الداغستانيون مجرّد امتداد للقمع القيصريّ، لكن بشعارات أخرى في ظلّ الحكم الشيوعيّ، ونتيجة لذلكّ ولتجنّب استمرار الانتفاضة أقرّ الاتحاد السوفياتيّ شكلاً من أشكال الحكم المحليّ في داغستان من خلال الاعتراف بمجالس محليّة منتخبة، كما أنّ علاقة السوفيت مع الإسلام في البداية عرفت اعترافًا صريحًا واحترامًا لحقّ الداغستانيين في الاحتكام إلى قوانين الشريعة الإسلاميّة، من خلال تصريح جوزيف ستالين سنة 1920 بكلّ وضوح:

«لقد تمّ إعلامنا أن الشريعة لها معنى قويّ جدًّا بين شعوب داغستان، وقد علمنا أيضًا أن أعداء الاتحاد السوفياتي ينشرون شائعات مفادها أن السوفيت سيمنعون الشريعة. أنا هنا لأؤكد لكم، باسم الاتحاد السوفيتي، أن هذه الشائعات خاطئة. الحكومة الروسية تسمح لكل أمّة بأن تحكم بالاستناد إلى القوانين والعادات المحلية. الاتحاد السوفيتي يعترف بالشريعة باعتبارها شرعيّة، وقانونًا خاصًّا مطبقًا في أمم أخرى في روسيا، إذا أراد الداغستانيون أن يحافظوا على قوانينهم وعاداتهم، فَلَهُم ذلك».

وقد فهم الداغستانيون هذا الموقف الروسيّ من الشريعة باعتباره استقلالاً ضمنيًّا. لكن هذه النبرة الإيجابيّة تجاه الإسلام البارزة في كلام ستالين لم تدم طويلاً، فبعدها بسنوات، ومع انتشار المساجد والمدارس القرآنيّة والقضاة الشرعيّين، اعتبرت الحكومة السوفياتيّة أن الإسلام خطر يهدّد الاتحاد، فبدأت بحملة قمعيّة شملت إغلاق المساجد وقمع الأئمة، ونفي العلماء الشرعيين إلى السجون ومعسكرات الاعتقال، وقد استمرّت هذه الحملة طوال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي في ربوع داغستان.

مؤتمر الشيشان.. إخراج «السلفية والوهابية» من نطاق أهل السنة

الحرب السوريّة.. كيف سهلت روسيا انضمام الداغستانيين إلى «داعش»

بعد أن حاربتهم روسيا لسنوات، وجدت موسكو في الجماعات الإسلاميّة المسلّحة ورقة للّعب في المستقنع السوريّ، فقد نشرت وكالة رويترز تحقيقًا استقصائيًّا خلصت فيه إلى أنّ الحكومة الروسيّة سعت إلى تسهيل انتقال مقاتلين من داغستان وباقي المناطق الروسيّة، للمشاركة في الحرب السوريّة. إذ أكّد عدد من الشهود في حديثهم لرويترز أنّ الاستخبارات الروسيّة وفّرت لهم جوازات سفر وتذاكر طيران للانتقال إلى تركيا ومن ثمّ إلى سوريا للمشاركة في الحرب.

وعن الهدف من ذلك، أشار التحقيق إلى أنّ موسكو سعت للتخلّص من خطر هذه الجماعات التي تؤرقها منذ التسعينيات، كما أنّها استخدمت هذه الورقة لتبرير تدخّلها العسكري في سوريا من أجل «منع هؤلاء المسلّحين من العودة إلى الأراضي الروسيّة» كما كان قد صرّح الرئيس الروسي بوتين.

وقد أشار التحقيق إلى أنّ الفترة التي عرفت النشاط الأكبر في «تفريغ» روسيا من هذه الجماعات المسلّحة تزامن مع التحضير لحدث الألعاب الأولمبية بمدينة سوشي، إذ خافت الحكومة الروسيّة من احتماليّة استهداف هذا الحدث الرياضيّ العالميّ من قبلهم، خصوصًا إذا علمنا أنّ للجماعات المسلّحة في تلك المنطقة تاريخًا في استغلال الأحداث الرياضيّة لتنفيذ عمليّاتها، ففي سنة 2004 جرى اغتيال الرئيس شيشانيّ أحمد قاديروف – المُنصّب من قبل روسيا ووالد الرئيس الحاليّ رمضان قديروف – خلال مشاهدته لمباراة كرة قدم، من خلال تفجير المقعد الذي كان يجلس عليه في الملعب.

وقد نقلت صحيفة واشنطن بوست شهادات لشباب داغستانيّين تحدّثوا عن موجة الهجرة إلى سوريا التي اجتاحت العديد من القُرى من أجل «الجهاد» هناك، لينتهي المطاف بالبعض منهم في شراك تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أما أولئك الذين عادوا إلى روسيا فقد قوبلوا بالسجن.