من الأطفال الصغار إلى الأجداد مرورًا بالآباء والشباب، كل هؤلاء تقريبًا اعتادوا – بنسب مختلفة – الجلوس لساعات طويلة أمام شاشات الأجهزة. الأطفال يلتصقون بالأجهزة اللوحية، وكبار السن يستمرون في متابعة التلفاز لساعات طويلة، فيما الشباب معتادون على التواصل بهواتفهم الذكية التي تحولت إلى حياتهم الحقيقة تقريبًا.

منذ 20 عامًا فقط كانت كلمة «شاشة» مرتبطة بالتلفاز فقط، وكان هو القطعة الأساسية في أثاث كل منزل بالعالم، ويتميز بالثبات في مكانه، وكان التحذير الذي يسمعه الأطفال والشباب دائمًا من آبائهم هو «لا تشاهد التلفاز لفترات طويلة» أو «ابتعد عن شاشة التلفاز لمسافة أكبر حتى لا تؤذي عينيك».

لكن ومع مرور السنوات أصبحت الشاشات منتشرة ومتحركة في كل مكان، إذ يمكنك النظر إلى شاشات مختلفة حتى وأنت مستلق على طاولة المطبخ، على الأريكة، تجلس إلى جانب السرير، في كل مكان يمكنك اصطحاب شاشة معك، حتى إذا ما فكرت في الخروج من المنزل، فأنت تأخذ «شاشتك» معك. يقول تيم سميث، عالم النفس بجامعة بيركبيك بجامعة لندن: «ليست الشاشات في جيوبنا فحسب، بل على لوحات الإعلانات والحافلات والصناديق».

ومع هذا الانتشار الواسع، والتصاقنا بهذه الشاشات في كل وقت ومكان، تضاعفت المخاوف المتعلقة بها. خلال العقد الماضي مثلًا كنا نسمع بعض التحذيرات التي تقول إن شاشات الأجهزة ستقوم بـ«تجريد أدمغتنا، وتجريدنا من القدرات الإدراكية، وإلحاق الضرر بصحتنا العقلية». يشعر الكثيرون منا بأنهم أصبحوا أكثر انشغالًا بشاشات الأجهزة التي يملكونها، وهم يشعرون بالغضب وبالذنب والتعب الشديد نتيجة لذلك.

والسؤال المهم هنا: هل يجب أن نأخذ هذه المخاوف على محمل الجد؟ بالنظر إلى مقدار الوقت الذي يقضيه الكثير منا مع أجهزتنا المضاءة والشاشات، فهذا سؤال مهم. لكن المفاجأة والمشكلة في ذات الوقت هي أن العديد من الإجابات الأكثر تأكيدًا هي إجابات أقل موثوقية من الناحية العلمية.

الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية ليست فقط أجهزة تلفاز، إنها غرف دردشة وواجهات عمل، وبنوك، وألبومات صور نستخدمها للعمل واللعب، ولتسجيل النشاط البدني ومراقبة النوم. يمكننا البحث عن أوراق الدراسة، أو الدخول إلى منتديات مكافحة القرصنة، وهي اختلافات مهمة تختفي عندما نستخدم مصطلح «وقت الشاشة».

مع مرور الوقت كثيرًا ما نقرأ عن مشاكل وأضرار البقاء طويلًا أمام شاشات التلفاز، أو الحاسوب، أو الموبايل، خصوصًا تأثيرها السلبي على أدمغتنا وعلاقاتنا الاجتماعية، وتنتشر الكثير من الدراسات والأبحاث والمعلومات الحقيقية أو الزائفة حول الأضرار المحتملة، ومع تزايد المخاوف وتصاعد حدة النقاش ربما حان الوقت لفصل النصائح الصحية المؤكدة عن تلك التي بها قدر كبير من المبالغة، أو التي لم يتم التأكد منها بعد.

كيف تساعد طفلك ليصبح قارئًا نهمًا؟

شاشات الهاتف والأجهزة وصحة أجسادنا

هناك بعض الأضرار التي تبدو غريبة ومخيفة تتداولها وسائل الإعلام نتيجة الاستخدام المفرط للهواتف الذكية، مثل «الخنصر الملتوي» وهي الحالة التي تتسبب في التواء الأصابع نتيجة كثرة الإمساك بالهواتف الذكية. أيضًا هناك حالة تسمى «العنق التقني»، والذي تتميز بوقوع التواء في الفقرات العنقية نتيجة ميل الرأس للأمام عند استخدام الهواتف الذكية. أضف إلى هذا النتوءات العظمية التي تظهر في مؤخرة الجمجمة نتيجة استخدام الهواتف لوقت طويل.

لكن في الحقيقة لا يوجد دليل علمي جيد ومؤكد على أن مثل هذه الحالات المقلقة هي ناجمة عن عاداتنا التكنولوجية، وكثرة استخدامنا لهواتفنا. غالبية هذه الأضرار من المرجح أن تكون أقل إثارة وأهمية. على سبيل المثال توصي منظمة الصحة العالمية بالحد من «وقت الشاشة»، وهو الوقت الذي تقضيه أمام الشاشات الذكية، كوسيلة لمعالجة السمنة، معربة عن عدم وجود أي مخاوف صحية تتعلق بالشاشات على وجه الخصوص.

وماذا عن تأثير التحديق في الشاشات الصغيرة الساطعة على بصرنا؟ يقول ماكس ديفي من الكلية الملكية لطب الأطفال وصحة الطفل في لندن، إنه خلال السنوات القليلة الماضية، وصف لعدد أكبر من الأطفال في المملكة المتحدة نظارات طبية. وقد دفع هذا البعض إلى الادعاء بأن الهواتف والأجهزة اللوحية هي المسؤولة، لكن ديفي يعتقد أن الزيادة في الوصفات الطبية لها علاقة بالإدارة العدوانية للظروف الحالية. «في الوقت الحالي ليس لدينا أدلة كافية على وجود صلة سببية»، كما يقول.

شيء واحد يبدو أنه ضرر حقيقي ومهم وهو التأثير السلبي للشاشات على النوم. فقد أظهرت الدراسات أن الأشخاص الذين يقرأون كتابًا في السرير يجدون صعوبة في النوم إذا ما قرأوه على الشاشة بدلًا عن الورق، قد يكون هذا بسبب الضوء الأزرق الذي ينبعث من معظم الشاشات، وهو ما يتلاعب بإيقاعنا اليومي ويخدع عقلنا الذي يظن أنه وقت النهار.

وبالطبع فإن معظم هؤلاء الذين ينظرون إلى هواتفهم في الليل هم لا يقرأون كتابًا. في الواقع إن الكثير من اضطرابات النوم ترتبط بعملية التحفيز العقلي، على سبيل المثال انتظار رسالة التنبيه التالية من الهاتف، أو المرور عبر الأخبار التي لا تنتهي، وقد ربط العلماء النوم غير الكافي، أو المتقطع، بزيادة خطر الإصابة بجميع أنواع المشاكل الصحية، بما في ذلك الاكتئاب وغيره من أمراض الصحة العقلية، وبالتالي فإنه إذا كانت هناك أي توصيات يجب الانتباه جيدًا لها، فإن عدم استخدام الشاشات في الساعة الأخيرة قبل النوم يبدو أنه أمر يتمتع بأكبر دعم بين العلماء.

شاشات الهاتف والأجهزة وصحة عقولنا

من ألعاب الفيديو إلى المقامرة أثارت التطبيقات ومواقع «الويب» التي يمكننا الوصول إليها على هواتفنا قلقًا واسع النطاق في الأعوام الأخيرة. كذلك، تتمتع شركات التكنولوجيا الكبرى بالبراعة في الاستفادة من حاجتنا للتحقق من صحتنا، وإثارة اهتمامنا بتعليقات الإعجابات، والتغريدات. في شهادته أمام جلسة استماع بمجلس الشيوخ الأمريكي في يونيو (حزيران) 2019، ذكر تريستان هاريس الموظف السابق في «جوجل»، ومؤسس مشارك لمركز تكنولوجيا الإنسانية، أن الإنترنت أوجد ثقافة النرجسية الجماعية.

وقد أدى هذا إلى قلق الكثيرين من الضغوط العاطفية للعالم متعدد الثقافات على المراهقين. يجلب البحث السريع عبر الإنترنت عشرات الأوراق التي تربط بين استخدام الشاشة أو الشبكات الاجتماعية، وبين التأثيرات الضارة على الصحة العقلية، بما في ذلك الاكتئاب وفقدان الشهية والانتحار.

بعض الأرقام تشير إلى أن الفتيات هن أكثر تأثرًا، فطبقًا لما ذكره الموظف السابق في «جوجل» في شهادته: «بعد عقدين من الانخفاض، عادت وارتفعت مشكلات الصحة العقلية للفتيات اللائي تتراوح أعمارهن بين 10 و14 سنة بنسبة 170% في الأعوام الثمانية الماضية».

تبدو مثل هذه الشهادات مثيرة للقلق. إذ أصبح البعض يعتقد أن التكنولوجيا الرقمية ربما تكون قد دمرت جيلًا من الشباب، لكن المشكلة هي أن البيانات والإحصائيات الأساسية يمكن استخدامها لرواية قصص مختلفة. في النهاية تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد واحدة من العديد من الأشياء المختلفة التي قد تؤثر على رفاهية شخص ما، لكن بدون دراسات خاضعة للرقابة، من الصعب استخلاص استنتاجات ذات مغزى بشكل مؤكد وقاطع.

بعض الباحثين مثل آمي أوربن، بدأت في البحث واستكشاف بعض الأضرار الأكثر تطرفًا التي قدمها الباحثون. على سبيل المثال، ربطت دراسات بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والاكتئاب في سن المراهقة والانتحار. شعرت أوربن بالفضول للنظر إلى الأدلة نفسها.

وجدت أن الأدلة لم تكن كافية أو سليمة علميًا. أولًا، رصدت أوجه قصور في العديد من الدراسات الكبيرة من عام 2017، والتي ادعت أنها تكشف عن وجود علاقة بين استخدام الأجهزة ذات الشاشات وأعراض الاكتئاب لدى المستخدمين. وذكرت «لقد وجدت أن تغيير طريقة تحليل البيانات من شأنه أن يعطيني نتائج مختلفة للغاية».

وفي المقابل يرى البعض ثغرات أو ما يمكن اعتباره عيوبًا في الأساليب الإحصائية التي استخدمتها أوربن. وبالتالي أصبح تأثير «وقت الشاشة» واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي على الصحة العقلية محل شك وتضارب واضح، وبالتالي لا يمكننا اعتبار وسائل التواصل الاجتماعي عمومًا جيدة أو سيئة.

الإدمان على الهاتف.. هل هو حقيقي؟

ما لم تكن تستخدمه للأغراض التي نعرف بالفعل أنها تسبب الإدمان، مثل الوصول إلى مواقع المقامرة، فمن المحتمل أن تكون الإجابة لا، لكن المشكلة الأكبر هي أن الهاتف أصبح مزعجًا بالفعل نتيجة كل هذا الطنين الوهمي في جيب المستخدم، بسبب التنبيهات المتتالية. هذا الأمر يكون مزعجًا ويقلل من التركيز.

يذكر باحثون أن شركات التكنولوجيا مثل فيسبوك وتويتر تجذب انتباهنا بحيل التصميم مثل السحب على الشاشة لتحديثها، والتي تشترك في الخصائص مع آلية ماكينات القمار. هي بالتالي تملتك بعض الخصائص التي تسبب الإدمان، والتي تجعل الناس في مدينة مثل لاس فيجاس مدمنين على هذه الألعاب.

هل لاحظت أيضًا التلاعب في خوارزمية توصيل المحتوى في مواقع التواصل، وهو ما يجعل أكثر من 70% من وقت المشاهدة على «يوتيوب» – على سبيل المثال – ناجم عن مشاهدة مقاطع الفيديو التي اقترحتها المنصة بدلًا عن تلك التي تبحث أنت عنها عمدًا. أنت تجلس لمشاهدة فيديو واحد لتفاجأ أن ساعتين مرتا بكل بساطة.

كل هذا يجعلنا ملتصقين بهواتفنا، حتى عندما يكون لدينا أشياء لها أولوية أكبر للتركيز عليها، مثل عبور الطريق. أدت هذه المخاطر إلى قيام السلطات في بعض المدن، بما في ذلك مدينة أوجسبورغ في ألمانيا، بتثبيت إشارات المرور على الأرض على أمل ألا يصطدم المارة المنصرفون أمام الحافلة.

لكن رغم هذه المخاطر، فإنه يجب علينا توخي الحذر الشديد بشأن استخدام كلمة «الإدمان». الإدمان له معنى محدد يتعلق بـ«الاستخدام القهري»؛ مما يتطلب جرعات متزايدة، ويتسبب في تأثير ضار على حياتك، ولكن هناك الكثير من الأشخاص الذين يقضون ثماني ساعات في اليوم في ممارسة الألعاب، هم يحبون تقضية الوقت بهذه الطريقة بإرادتهم الخاصة، وليس لأنهم مدمنون على هذا الأمر.

ما هو وقت الشاشة الأمثل للأطفال؟

العديد من الآباء يحاولون إلهاء أطفالهم عندما يكونون منشغلين بالطهي، أو مكالمات العمل، أو حتى عند الشعور بالتعب، عبر منحهم شاشة ذكية للمشاهدة أو اللعب. السؤال هنا: هل هذه مشكلة؟ كل هذا يتوقف على من تسأل، وكم عمر طفلك. لا توجد إرشادات واضحة ومحددة أجمع عليها العلماء حتى اللحظة.

لا تشجع الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال الآباء على السماح للأطفال دون سن الثانية بالتفاعل مع الشاشات، وتوصي بما لا يزيد عن ساعة في اليوم للأطفال من عمر سنتين إلى خمس سنوات. وتقول منظمة الصحة العالمية إن الأطفال دون سن ثلاث سنوات يجب ألا يكون لديهم أي وقت للشاشة، وأن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاث وأربع سنوات يجب أن يقتصروا على ساعة واحدة في اليوم. لكن تركيز منظمة الصحة هنا منصب على فكرة الحماية من السمنة لا غير.

تتبع حكومة المملكة المتحدة إلى حد كبير إرشادات الأكاديمية الأمريكية، لكن في المقابل فإن الكلية الملكية لطب الأطفال وصحة الطفل اختارت عدم التوصية بحدود زمنية على الإطلاق. هناك ارتباك عام بين هذه المؤسسات نتيجة عدم وجود دليل كاف على وجود آثار إيجابية أو سلبية على أي إرشادات يتم إصدارها.

يجب أيضًا ألا نقلل من قيمة استخدام الشاشات للأطفال الأكبر سنًا. إذ لا يقتصر الأمر على توفير وصول غير مسبوق إلى العديد من أشكال المعلومات القيمة والترفيه، ولكن تثقيف الأطفال حول المخاطر التي سيجدونها على الإنترنت يتطلب منهم أن يكون لديهم بعض الإلمام بها.

«يوتيوب فيه سم قاتل».. لا تدع طفلك فريسة لـ«فيديوهات المقالب»

نصائح عامة للتعامل الجيد مع الشاشات

بدلًا عن فرض قيود تعسفية يجب أن نلقي نظرة على استخدامنا للشاشات، وأن نسأل كيف تتناسب مع الأنشطة وأنماط الحياة التي نريدها كأفراد وعائلات. ربما تقوم بتعديل إعدادات هاتفك لتقليل عدد التنبيهات التي تحصل عليها أو إلغاء تثبيت بعض التطبيقات حتى لا تكون متاحة بسهولة. اقترح البعض كتابة ملاحظة لنفسك على شاشة القفل، أو مجرد لف شريط حول الجهاز كتذكير بألا تستغرق وقتًا كبيرًا في متابعة الهاتف.

والآن تأتي هواتف وأجهزة «آبل» و«أندرويد» مع عناصر في واجهة المستخدم تتيح لك مراقبة استخدام الشاشة وإدارتها. يمكنك تعيين حدود زمنية وإيقاف الإشعارات وتتبع ما كنت تفعله على الجهاز. هناك أيضًا إعدادات ليلية تعمل على قطع الضوء الأزرق المنبعث من الشاشة. هذه كلها أشياء تساعدنا على أن نكون أكثر وعيًا لاستخدامنا للشاشات وألا نستسلم لها.

في النهاية عليك أن تعرف أن كل تكنولوجيا جديدة ذات تأثير واسع النطاق أثارت مخاوف جديدة. بعض المقالات القديمة تحدثت عن كيف كان المراهقون في الولايات المتحدة مدمنين على البرامج الإذاعية، لدرجة أنه كان بإمكانك في الكثير من الأوقات استبدال كلمة «الراديو» بـ«وسائل التواصل الاجتماعي»، لتجد أمامك أحد مقالات اليوم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد