علاء الدين السيد

4

علاء الدين السيد

4

841

بإمكان الرقص جعل الناس أكثر حساسية وعاطفية، وفقًا لأحدث الدراسات العلمية، فقد اختبر الباحثون في جامعة لندنـ وجامعة جزر البليار، استجابة 19 من راقصي الباليه، و24 شخصًا آخرين، لا يملكون أي خبرة في الرقص، لأشرطة فيديو تتعلق برقصات باليه تعبر عن مجموعة من العواطف من خلال حركات مختلفة، وفقًا لبيان صادر عن القائمين على هذا البحث.

ووجد الباحثون أن لدى راقصي الباليه، القدرة الأكبر في التعرف إلى العواطف التي تحملها عروضهم، كما أنهم امتلكوا ردود فعل جسدية قويّة تجاهها. هذه النتيجة التي قد تبدو غير مفاجئة، استطاع العلماء الوصول إليها، من خلال قياسهم مدى الاستجابة باستخدام أقطاب كهربائية للكشف عن العَرَق الذي أفرزته أصابع المشاركين.

وطلب من المشاركين في هذه الدراسة تقييم مدى استجابتهم العاطفية، والكشف عما إذا كانت الحركات التي شاهدوها جعلتهم سعداء، أم حزناء.

وأوضحت جوليا كريستين، عضوة وحدة بحوث علم الأعصاب الإدراكية، ومجموعة أبحاث التوحد، والمشاركة في الدراسة، أن الشيء المثير للاهتمام حول هذه الدراسة، هو أن راقصي الباليه المشاركين في الدراسة، لم يكشفوا فقط عن درجة أفضل للعواطف، ولكن أجسامهم أيضًا شهدت استجابة أكثر حساسية للحركات العاطفية التي شملها العرض.

حركات الجسم والمشاعر

وأضافت جوليا: «على وجه الخصوص، رأينا أن هيئات أجسام الراقصين تمايزت بين المشاعر المختلفة التي جرى التعبير عنها في اللقطات المعروضة، في حين أن الأشخاص العاديين، لم يظهروا مثل هذه التباينات في العواطف».

وبالنسبة إلى الباحثين، تُشير هذه الأدلة إلى أن التدريب فيما يتعلق بالتعبيرات الجسدية، تجعل الراقصين الذين يمارسون هذه التعابير أكثر حساسية.

وقالت جوليا كريستين، إنّ هذا «يدل على وجود إمكانية مثيرة للاهتمام، وهي أن الآليات العصبية المعرفية التي تجعل الناس أكثر حساسية يمكن أن تخضع للتدريب. يشير بحثنا أيضًا إلى أن تدريب الرقص قد يكون وسيلة لجعل الإنسان أكثر وعيًا تجاه العواطف»، مضيفة أن الأبحاث أثبتت وجود صلة بين مشاعر الناس، وحركة أجسامهم.

وقالت أيضًا إنه «يمكننا حتى أن نصل إلى افتراض أن الرقص يجعلك أكثر تعاطفًا؛ لأنه يبدو أنك تتفاعل تلقائيًّا وبشكل أكثر حساسية تجاه تعبيرات الآخرين»، ولكن هذا ما يزال يحتاج إلى المزيد من الاختبارات.

«هذه الفكرة هي فكرة بديهية عندما يؤخذ في الاعتبار أن كل تعبير عاطفي، سواء كان ذلك بالوجه أو بالجسد، ينطوي عادة على حركة العضلات لدينا. بعد كل شيء، فإن العاطفة هي أيضًا حركة»، كما أوضحت جوليا كريستين.

الاستمتاع بالرقص

وأوضحت هذه الدراسة أنه عندما يتعلق الأمر بمشاهدة رقصة التانجو أو «تشا تشا تشا»، فمن المرجح أن تثير هذه الرقصات حساسية وعاطفة ومشاعر الراقصين المحترفين أكثر من بقية الناس العاديين، وكلما زادت ممارستك للرقص، زاد شعورك بالعاطفة وراء هذه الحركات.

ويظهر هذا الاكتشاف أن الناس الذين يستمتعون بالرقص يمكن أن يصبحوا أكثر حساسية نتيجة لمشاهدة أداء الراقصين الآخرين. قد يكون السبب وراء ذلك في أنهم مضبوطين باتجاه المشاعر التي تبديها الحركات الجسدية لفناني الأداء. ومن المسلم به على نطاق واسع، أن حكم العاطفة هو أكثر من مجرد مسألة قراءة الشخص يبتسم أو مقطب الوجه، فلغة الجسم تلعب دورًا مهمًا للغاية في هذا الأمر.

يمكن أن يتطور هذا الأمر لاحقًا كتطبيق علاجي ممكن، إذ يقترح الباحثون أن التدريب على الرقص يمكن أن يساعد الأشخاص الذين لديهم مشاكل في قراءة عواطف الآخرين، مثل المصابين بالتوحد.

وتشير الدراسة إلى أن التدريب المتعلق بالتعبير الجسدي للعواطف، مثل الباليه أو أشكال أخرى من الرقص، يعزز حساسية الفرد تجاه المشاعر التي أعرب عنها آخرون.

النساء أكثر عاطفية

هل تلاحظ أن النساء تميل إلى الرقص دائمًا بشكل أكثر كثيرًا من الرجال؟ لا يشترط الرقص في الأماكن العامة، لكن حتى في بعض مجتمعاتنا العربية المغلقة تلاحظ أن تجمعات النساء دائمًا ما تشهد عملية رقص كبيرة عند الاحتفال أو السمر، وربما يتسبب هذا الأمر في ترجمة القاعدة العلمية الشهيرة بأن النساء هن أكثر عاطفة، وأكثر ذكاءً عاطفيًّا من الرجال.

وهناك كم هائل من الأبحاث تشير إلى أن الذكاء العاطفي (EQ) هو أمر بالغ الأهمية، لكل من أداء الرجل وأداء المرأة في العمل. الذكاء العاطفي هو المسؤول عن 58% من الأداء في جميع أنواع الوظائف، وتقول الأبحاث أيضًا إن 90% من العاملين المميزين في أداء وظائفهم، يملكون نسبة عالية من الذكاء العاطفي.

وقد اختبرت مؤسسة «TalentSmart» المتخصصة، الذكاء العاطفي لأكثر من مليون شخص، وكان من الواضح أن المرأة لديها اليد العليا في هذا النوع من أنواع الذكاء. وفي حين أن النتيجة الإجمالية للمرأة لا تزيد على الرجل إلا بمقدار بضع نقاط أعلى من نتيجة الرجال، إلا أن هذا الفرق البسيط له دلالة إحصائية تبين أن المرأة لديها قدر أكبر من المهارة في استخدام العواطف لصالحها.

على الجانب الآخر

الدراسة التي تحدثنا عنها توضح أن إطلاق العنان للجسد في التعبير عن عواطفه يزيد من حساسية الفرد تجاه الآخرين، ويجعله أكثر إحساسًا بمشاعرهم. فهل يتناقض الرقص مع التدين؟ أو لنسأل السؤال بطريقة أخرى: هل التدين يقيد من قدرة جسدك على التعبير؟

في دراسة أخرى نشرت منذ شهر تقريبًا، ذكر باحثون أن الأشخاص المتدينون هم الأقل فهمًا للعالم من حولهم، إذ إن لديهم ميلًا نحو فقر واضح في فهم العالم، كما أنهم أكثر عرضة للاعتقاد بأن الأجسام المختلفة مثل الصخور والأوراق لديها قيمة عندهم. هنا يتهم البعض الأديان بأنها وسيلة لقتل العاطفة عند الإنسان، وأنها سبب في قلة تفاعله مع العالم المحيط، وبالتالي فإنها يمكن أن تنتقص من مشاعره، حسب زعمهم.

اقرأ أيضًا: دراسة علمية حديثة: المتدينون أقل قدرة على فهم العالم

وقارن الباحثون في جامعة هلسنكي، المؤمنين بالله، أو المؤمنين بوجود قوى خارقة ما وراء الطبيعة، بالأشخاص الذين يعانون من مرض التوحد، وذلك بعد أن لاحظ هؤلاء العلماء بأن المصابين بالتوحد يميلون إلى النضال من أجل فهم حقائق العالم من حولهم.

وأوضحت الدراسة وجود رابط بين المعتقدات الدينية، مع ضعف القدرة على فهم الظواهر الفيزيائية والبيولوجية مثل البراكين، والزهور، والصخور، والرياح، وعدم إعطائها أي قيمة أو أهمية إنسانية.

وكان المؤمنون محل الدراسة، أكثر عرضة للاعتقاد بأن الجماد مثل المعادن، والزيت، والملابس، والورق، يمكن أن تفكر، وأن تشعر، وهم متفقون فيما بينهم فيما يتعلق بعبارات مثل «الأحجار تحس بالبرد».

وقالت مارجانا ليندمان، وأنيكا سفيدهولم هاكينين، اللتان أجريتا هذه الدراسة، إنه كلما كان اعتقاد المشاركين أكثر في الظواهر الخارقة الدينية أو غيرها، انخفضت قدرتهم على تناوب مهاراتهم الفيزيائية والميكانيكية والعقلية البديهية.

ولاحظت الباحثتان أيضًا أن هؤلاء يحصلون على درجات منخفضة في الصفوف الدراسية في الرياضيات والفيزياء، وأنه كلما زاد اعتقادهم وإيمانهم هذا، كلما قلت معرفتهم حول الظواهر الفيزيائية والبيولوجية، وكلما زاد احترامهم للأجسام غير الحية والجماد، واعتبروها أهدافًا مقدسة بشكل أو بآخر، وزاد اعتقادهم بأنها ظواهر «عقلية».

تعليقات الفيسبوك