2,815

ما الذي يدفع كاتبًا ومفكرًا كبيرًا في حجم إدوارد سعيد لأن يختص الراحلة تحية كاريوكا دونا عن نجمات زمانها للكتابة عنها في مذكراته «خارج المكان»، إذ وصفها بأنها «أعظم راقصات زمانها»، وأنها لعبت دورًا مهمًا في تشكيل الثقافة المصرية، لدرجة أنه وضعها في مصاف صناع الثقافة والحياة في العالم مثل جان بول سارتر.

وإن كان سعيد قد سقط في «فخ الغواية»، فماذا عن غيره من المفكرين والكتاب مثل سلامة موسى ومصطفى أمين وصالح مرسي والموسيقار محمد عبد الوهاب وحتى الكاتب عباس محمود العقاد امتدح هو الآخر رقص تحية مؤكدين جميعا قدرتها على التعبير بأصعب لغة وهي «لغة الجسد»، وذلك وفقًا لما أشار له الكاتب الصحفي محمد الحجيري في مقاله «طرب الجسد: تحية كاريوكا نموذجًا» بـ«بدايات».

التحولات من التعبد للمتعة

تتعدد الآراء التي تربط بين ممارسة الرقص قديمًا باعتباره نوعًا من الشعائر الدينية في مصر القديمة وبين بعض حركات الرقص التي تمارس الآن، وهو ما يمكن التأكد منه عبر نقوش القدماء المصريين على المعابد، كما يؤكد الباحث في علم المصريات وسيم السيسي مشيرًا إلى أن الرقص كان أحد أشكال التقرب إلى الآلهة.

المؤكد أن احتراف الرقص مر بمراحل عديدة لم تتغير فيها الحركات كثيرًا كما أشرنا سلفًا كذلك الملابس المستخدمة، ولكن «التحولات» لحقت بسمعة هذا الفن ومن يمارسه بعدما صار مرتبطًا بالمتع الدنيوية، كما يرى الكاتب الصحفي خالد يوسف علي ، في تصريحات خاصة لـ«ساسه بوست»،مضيفًا أن الرقص انتقل تدريجيًّا من معابد الكهنة باعتباره «طقسًا تعبديًّا» إلى بلاط الملوك والأثرياء باعتباره «طقسًا احتفاليًّا»، قبل أن ينتقل للعوام في مناسبات احتفالية أيضًا.

أنا أرقص.. إذن أنا موجود

إذا كان البعض لديه القدرة على التعبير بالصوت أو الصورة أو الكتابة، فالحركة تعد أحد وسائل التعبير كذلك، شريطة أن يكون لدى الجسد/الوسيط القدرة على تقديم الحركة المناسبة المتوافقة مع المضمون. ما يعني أن «الرقص ليس مجرد وسيلة للتسلية أو المتعة، لكنه أحد وسائل التواصل بين البشر منذ قديم الأزل».

يعبر عن الرأي السابق الكاتب الصحفي خالد يوسف علي في حديثه لـ«ساسة بوست»، والذي رصد خلاله متى وأين أجرى الإنسان فعل الرقص، مشيرًا لأن هناك تفسيران لذلك، الأول مادي ويبني رؤيته على أساس نظرية داروين «النشوء والارتقاء» التي تقول إن الإنسان الأول تحرك للتواصل، وبالتالي فإن أداء الحركات كان بديلًا للكلمات.

ويؤكد عليّ أن هذا التفسير سقط على مستويات عدة وفي مقدمتها العلمي والبيولوجي، والنفسي، لأن فعل الرقص أو التعبير الحركي لم يتوقف بعد أن أصبحت اللغات على اتساعها وتنوعها تستطيع أن تعبر عن كل المعاني دون الحاجة إلى الحركة.

أما التفسير الثاني – وفقًا لما طرحه علي – فيشير إلى قصة الخلق المعروفة في كل الأديان، والتي تفيد بأن الإنسان الأول نشأ وهو يتكلم ويتحرك، وعليه فإن الرقص أو التعبير الحركي هو فعل يمارسه الإنسان الأول ( فردي أو جماعي) باعتباره نوعًا من التعبير عن مخاوفه وأفراحه وأحزانه وغيرها من المشاعر الإنسانية في كل المجتمعات البدائية والحضارات القديمة وبالأخص الفرعونية؛ إذ أكدت الكثير من الدراسات أن قدماء المصريين عرفوا الاستعراضات الراقصة، بل أنشأوا مدارس لتعليم فنون الرقص قبل آلاف السنين ما يؤكد أن مصر سبقت دول العالم في هذا المجال.

المقولات تفسها يؤكدها وسيم السيسي الباحث في علم المصريات؛ إذ يشير إلى أن الآثار المصرية تحتوي على سلسلة كاملة من الرقصات المختلفة في أشكالها وفي أغراضها مثل رقصات الحروب، أو المتعلقة بالطقوس الدينية؛ إذ أقيمت حفلات الرقص المقدس في كثير من المناسبات والأعياد الدينية، فالإنسان الأول- بحسب السيسي – كان يرقص للتعبير عن الحزن والفرح والخوف، باختصار نجح فعل الرقص في ترجمة كل ما عجز الإنسان عن التعبير عنه.

هل للرقص فوائد؟

يمكن القول إن الرقص «كان ولا يزال أحد أهم أشكال التعبير عن المشاعر الإنسانية على اختلافها، كما كان ولا يزال تعبيرًا عن الهوية سواء الحضارات القديمة أو الشعوب والبلدان» وفقًا لما تؤكده هناء يوسف أستاذة الباليه بإحدى أكاديميات أمستردام وتلبورخ بهولندا في حديثها لـ«ساسة بوست».

الرقص الشرقي

إن الرقص «ليس فقط وسيلة للتعبير كما أشرنا أو حتى وسيلة تسلية، ولكنه مفيد للصحة النفسية والجسدية للإنسان وفقًا للعديد من الدراسات، فعلى الجانب الأول يساعد الرقص – بحسب هناء – على إبعاد الروتين والقضاء على الرتابة كما أنه مضاد للتوتر والاكتئاب، لكونه يدفع من يعانون من ذلك لممارسة نشاط اجتماعي يخلصهم من العزلة ويسهم في إعادة إدماجهم اجتماعيًّا».

وتذكر هناء أن هناك العديد من الفوائد الصحية التي تنعكس على من يمارس فعل الرقص «لكونه يعمل على تكامل العلاقة بين العقل والجسم، وكل ذلك بالطبع بالإضافة لجمال الحركة والتلذذ برؤيتها، والتي لا يمكن أن تتحقق إلا بقدرة على التحكم في الأعضاء ومرونة في التفاعل مع قوانين حركة الجسد وتغيرات أوضاعها، مشيرة لأن العقل له نصيب كبير في مهارة الراقص واحترافه، فهو الذي يوجه الأعضاء نحو حركاتها ولعل هذا هو سر تميز راقص عن آخر».

نظرة متدنية من المجتمع للرقص

الفنان محمود رضا مؤسس فرقة رضا أحد أشهر فرق الفنون الشعبية التي انطلقت في خمسينيات القرن الماضي وحققت نجاحًا كبيرًا، يعترف في حوار نشر بجريدة «المصري اليوم» أن أكثر ما عانى منه هو وكل العاملين بالفرقة رغم كل النجاحات التي حققوها، هي النظرة السلبية تجاه مهنة الرقص ومن يمارسها مؤكدًا إنها كانت أكبر مشكلة ربما أكبر من مشاكل الضرائب أو أجور الفنانين ومجمل النواحي المادية من دعاية وغيرها.

ويذكر رضا أن المشكلة الحقيقية كانت وستظل في نظرة الناس للرقص و«سمعته» شديدة السوء، واعتبار البعض أنه مجرد «هز وسط وبطن»، مواصلًا أنه «حتى لما واحد يحب يشتم حد يقول عليه بيرقص»، وكلها اتهامات بعيدة تمامًا عن المعنى الحقيقي للرقص، بحسب قوله.

رضا يرى أيضًا أن اقتصار الرقص على النوع «الشرقي» وفي أماكن مثل « الكباريهات» والملاهي الليلة ساهم بقدر كبير في تأصيل النظرة المتدنية عن الرقص. وربما هذا هو السبب وراء اعتزال بعضهن للرقص مثل سهير زكي أو الراقصة صوفيا التي اعتزلت قبل سنوات مرجعة السبب إلى سوء سمعة الراقصات وفقًا لتصريحه.

ومما سلف فإن النظرة المتدنية لا تتعلق بالرقصات من بنات حواء فقط، ولكنها طالت أيضًا الرجال سواء الذين يمارسونه مدربين أو راقصين وفي مقدمتهم الذين يخوضون تجربة الرقص الشرقي ومن هؤلاء «ظاظا» أو محمد الأزهري والذي يعترف في تحقيق صحفي نشرته جريدة اليوم السابع بتلك «النظرة المتدنية» لهذا الفن ومن يمارسونه حتى لو من باب التدريب، مشيرًا لأنها كانت دافعًا لأن يهجر بلده ويستقر في باريس، ليمارس مهنته بـ«أريحية».

«الراقصة والسياسي»

« أنا برقص بوسطي وأنت بترقص بلسانك» تلك هي الجملة الشهيرة التي جاءت على لسان الفنانة نبيلة عبيد في فيلم «الراقصة والسياسي» للمخرج سمير سيف، والتي تلخص ببساطة وبراعة العلاقة الوطيدة بين أهل السياسة والرقص.

كغيرهن من البشر، بعض الراقصات لعبن أدوارًا سياسية بناءة وفعالة ولم تقتصر حياتهم على الرقص فقط، منهن على سبيل المثال الراقصة حكمت فهمي والتي كانت ضمن المتهمين في قضية شبكة التجسس الألمانية التي اكتشفتها بريطانيا في القاهرة أثناء الحرب العالمية الثانية وحُبست، وخرجت حكمت من السجن وهي أكثر شهرة واعترف الرئيس أنور السادات بـ«دورها الوطني» في مذكراته وكذلك في إحدى خطبه.

كذلك الفنانة تحية كاريوكا كان لها العديد من الأنشطة السياسية مع الفدائيين، إذ كانت تنقل السلاح لهم باستخدام سيارتها الخاصة، وشاركت في المقاومة الشعبية أثناء العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956. كما قامت بإخفاء السادات بعدما قتل وزير المالية في هذا الحين أمين عثمان؛ في منزل شقيقتها، قبل أن ينتقل للعيش لمدة سنتين كاملتين في مزرعة يمتلكها صهرها.