بعد عامَين على تأسيس حركة نداء تونس، وتحقيقها الأغلبية في الانتخابات التشريعية والرئاسية بعد خروج “النهضة” في واقعة سابقة في العالم العربي من السلطة وفقا لصناديق الاقتراع، أخذ الحزب الحاكم يمضي نحو الانقسامات الداخلية بين مراكز القوة داخله، على خلفية التباين الأيدولوجي بين التيارات الرئيسية بداخله.

خلال السطور التالية، تحاول “ساسة بوست” توضيح تحديات هذه الانقسامات المُتعاظمة داخل الحزب، وانعكاسات التباين الأيدولوجي داخل “نداء تونس” والذي يضم مزيجا من النقابيين اليساريين والأوليغارشيين المحافظين، على سلوكه السياسي، ومستقبله على المدى البعيد، وما هي مآلات هذه الاستقالات الجماعية من الحزب على موقعه في الحكم.

كيف ساهم حزب النهضة التونسية في توحيد الفرقاء في حزب نداء تونس؟

مع بداية تأسيس حزب “نداء تونس” في 2012، وحد العداء المُشترك بين كافة أعضاء الحزب حيال حركة النهضة التونسية وحلفائها، الدافع الرئيسي وراء هذا التأسيس، في محاولة لتشكيل جبهة معارضة بين مكونات ذات مرجعيات مختلفة للحزب بهدف إزاحة “الترويكا” التي قادتها حركة النهضة الإسلامية من الحكم، قبل أن تستقيل الحركة من السلطة، ويبدأ معها الخلافات الداخلية التي تكاد أن تعصف به.
يظهر التباينات الواسعة في مرجعيات المؤسسين للحزب، فأحد المعسكرات الرئيسية داخل الحزب يتزعمه محسن مرزوق، الأمين العام للحزب، ومعه غالبية نواب الحزب في البرلمان، وهو الجناح اليساري في الحزب المكون من النقابات المهنية التونسية، بينما يضم المعسكر الموازي مسؤولين من النظام السابق، حافظ قائد السبسي، نجل الرئيس، لتولي زعامة الحزب وفقا لمعارضيه.
يضم الحزب تركيبة غير مُتجانسة جمعتهم المصلحة المتمثلة في الإطاحة بحركة النهضة الإسلامية من الحُكم، فتجد داخله الطرف اليساري والنقابي من جانب، والقوى الدستورية العائدة من الحزب الحاكم ما قبل الثورة، وقوى لرجال أعمال، تشكل دورًا رئيسيًا في تمويل الحزب، خدمة لمصالحهم دون وجود ناظم أيدولوجي لهذه التيارات أو التأسيس لآليات لحل النزاع الداخلي.
يوضح هذا الأمر المحلّل السياسي جوهر بن مبارك “هي نتيجة طبيعية لولادة قيصرية لحزب جمّع قيادات وقواعد من مختلف المشارب الفكرية والأيديولوجية في مهمة وحيدة هي التصدّي لحكم الترويكا التي كانت تقودها حركة النهضة.”
يتشابه هذا الأمر كثيرًا مع جبهة الإنقاذ الوطني، التحالف السياسي الذي تشكل لهدف وحيد مُتمثل في مُعارضة حُكم جماعة الإخوان المسلمين آنذاك، بشكل متجاوز لكافة الفوارق الأيدولوجية لمكوناته التي تنوعت بين اليسار والأحزاب الليبرالية ورموز الحزب الوطني المنحل، وبعض شباب الثورة وعدد من الرموز السياسية المتباينة ذات المرجعيات مثل محمد البرادعي وحمدين صباحي وعمرو موسى والسيد البدوي.
لم تمض شهور من تأسيس الجبهة التي شكلت تحالفًا انتخابيًا ضد جماعة الإخوان المسلمين، حتي دبت الخلافات داخل صفوف الجبهة وانتهت إلى تفتيتها بعد ثبوت استحالة استمرارها على ضوء الخلافات الأيدولوجية بين مكوناتها.

نجل «السبسي» وأنصار «بن علي».. السعي للسيطرة مقابل تهميش الجناح اليساري

تجلت أولى جولات الصراع داخل الحزب بقرار تكليف حافظ قائد السبسي، ابن الرئيس التونسي، ومحمد الغرياني، الذي كان آخر من تولّى منصب أمين عام حزب التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل، الذي كان الحزب الحاكم في عهد بن علي، بإدارة المكاتب التابعة لحركة نداء تونس في البلدات والمناطق، ما مثل خطوة أولية لتمكين هذا الجناح من السيطرة علي كافة مُقدرات الحزب مقابل تهميش لجناح القوى اليسارية والنقابية.
في سبيل تعزيز أولويات هذا الجناح في عملية الاستقواء والتسلّط، أطلقت هذه المجموعة دعوات غير رسمية إلى الآلاف من أنصاره للتوجّه إلى العاصمة وتنظيم مظاهرات احتجاجية ضد رموز الحزب من النقابيين اليساريين، كما شملت هذه المظاهرات احتجاجات علي تهمشيهم داخل الحزب، وعدم اعتراف الهياكل بهم.
رغم تصريح الرئيس التونسي الباجي السبسي عن كون مؤسسة الرئاسة التي يمثلها غير معنية بالمشاكل الداخلية للأحزاب، إلا أنه اجتمع مع الكتلة البرلمانية، والتي تخلف عنها جناح اليسار والنقابيين ممن اعتبروا أن هذا الاجتماع لن ينتهي إلى جديد في ظل دعم الرئيس لجناح ابنه، وسعيه لتوريثه مقاليد الحكم داخل الحزب.

قناة «نسمة» التليفزيونية ورجال المال.. أدوات الصراع لجناح «حافظ السبسي»

يعتمد كُل جناح داخل الحزب على آليات لمنح الشرعية للتحكم في الأمور الداخلية في الحزب ولتعظيم نفوذه في هذا الصراع الدائر، حيث يعتمد الجناح الذي يقوده نجل “السبسي” على تحالفه مع أقطاب المال والإعلام، وهي النقطة ذاتها التي يستخدمها الجناح الآخر ضده، عن طريق الترويج أنهم يريدون استخدام نفوذه وحظوته لتحقيق المزيد من السلطة والربح”.
تُعد قناة “نسمة” التليفزيونية المنبر الإعلامي الأبرز لجناح نجل “السبسي”، فالقناة المعروفة بعدائها لحزب النهضة الإسلامية، والدور الذي لعبته في إيصال الحزب إلى السلطة، صارت الواجهة الإعلامية التي يُطل منها أعضاء من مجموعة حافظ للحديث ضد الفصيل النقابي-اليساري والمحافظين المخضرمين، وتغطّي بانتظام أخبار استياء القواعد الشعبية الموالية لمجموعة حافظ، خصوصًا بعد رفض هذه الجناح اليساري والنقابي في هذا الحزب قبول عضوية مدير عام القناة “نبيل القروي” إلى عضوية الحركة، ونشر العديد من الاتهامات المتعلقة به.
بينما الجناح الآخر الذي يضم بين صفوفه شق تجمعي–دستوري (أنصار النظام السابق وأنصار النظام البورقيبي) يرى أن له الفضل في الفوز بالانتخابات من خلال تجنيد قواعد حزب التجمّع المنحل. وشق يساري– نقابي يرى أن لولاه لما خرج الحزب من الصورة النمطية لحزب التجمع ومنحه المصداقية الشعبية المطلوبة.

استقالة 32 عضوًا من «نداء تونس»: النهضة الكتلة الأولى في البرلمان

في تطور سريع لوقائع هذا الانقسام الذي ظهر منذ شهور على شرعية الحزب الحاكم، قدم 32 نائبا في حزب نداء تونس الحاكم استقالتهم من الحزب، والانسحاب من كتلة نداء تونس في البرلمان، الذي أفضت الانتخابات التشريعية إلى فوزه بالأغلبية في البرلمان. وبذلك تصبح النهضة الكتلة الأولى في البرلمان، ويصبح كذلك القوة الأولى في البرلمان، بعد تقلص مقاعد نداء تونس من 86 مقعدًا إلى 54 مقعدًا بعد الاستقالات الأخيرة، وبلوغ النهضة 67 مقعدًا.
مقابل هذه الأغلبية التي اعتقد الخبراء أنها على وشك خطوات معدودة نحو السلطة، نفى رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي ذلك الأمر، في تصريح صحفي له، موضحا أنه ليس لحركته أي برنامج لأن تكون في الحكم أو قيادته أو الانفراد به في الوقت الراهن.
حسب المؤشرات والسياق السياسي الحاكم لسلوك حزب النهضة التونسي، فالحركة تبدو غير مستعدة لطرح نفسها بديلًا عن “نداء تونس” أو الحكومة الحالية المتكونة من ائتلاف أربعة أحزاب لأسباب مرتبطة بطبيعة هيكلة الحزب، وأسباب سياسية كذلك متمثلة في حالة التوجس والريبة المتوقعة داخل المجتمع التونسي حال وصوله للسلطة في الفترة الحالية، بالتزامن مع صعود حزب العدالة والتنمية في تركيا، متمثلًا هذا الدور في إحداث توافقات تسمح للحزب بترك المجال لها أمام المحافظة على موقعها ومكانتها ضمن الأحزاب الكبرى والقوية في تونس.
المسألة الوحيدة المُحتمل حدوث تغيير بشأنها، تتمثل في حدوث تغييرات جوهرية داخل مراكز القيادة داخل حزب نداء تونس، وانقسامات داخله قد تعصف بمستقبله السياسي على المدى القريب، وتعديل وزاري مُحتمل داخل حكومة الحبيب الصيد.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد